الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأربعاء 23 أيار 2018
الأخبار رسائل 14 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-05-03الكاتب:سمير فرنجيةالمصدر:جريدة الأنباء « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 “الانباء” تستذكر سمير فرنجية: استلهموا بعض فكره
 
عدد المشاهدة: 197
في الايام المفصلية التي يعيشها لبنان فيما بات البعض في هذا البلد يتقن اللعب على حافة الهاوية، تستذكر جريدة “الانباء” المناضل المرحوم سمير فرنجية الذي كان قد خصّها بعدد كبير من المقالات والمقابلات وكان آخرها في 28/10/2014 وقد تحدث فيه عن اهمية اتفاق الطائف وضرورة الالتزام بتطبيقه لا سيما الخطوات الاصلاحية التي نص عليها، علّ الطبقة السياسية تستلهم بعض دعواته وفكره وتعود الى الكتاب لإنقاذ هذا البلد بعيدا عن البدع وجهبذة البعض.

وهذا نص المقال الذي نشرته “الانباء” بعنوان “اتفاق الطائف بعد ربع قرن” وجاء فيه:

جسدت حركة الرابع عشر من آذار إرادة اللبنانيين ورغبتهم في العودة الى “العيش معاً”، في ظل دولة قادرة على تأمين النمو والازدهار للمجتمع، تستمد شرعيتها من العقد الاجتماعي الذي يربط ما بين اللبنانيين.

ولكن طبيعة هذا العقد الاجتماعي لم تتحدد حتى الآن بوضوح في أذهان اللبنانيين.

لطالما اعتقد اللبنانيون أن العقد الاجتماعي الذي يربط ما بينم إنما جاء نتيجة اتفاق بين الطوائف، فأنتج عيشاً مشتركاً فائضاً عن عيش كل طائفة في نطاقها الخاص. بالتالي فإن الدولة الناشئة عن مثل هذه العقد لا يمكنها إلا أن تكون دولة طوائفية، حيث تتوزع الطوائف السلطات فيما بينها.

هذه النظرة الى الدولة جعلت منها ساحة مفتوحة لصراع طائفي كان يجري على مستويين:
داخل كل طائفة لتعيين من يمثلها على صعيد الدولة.
ما بين الطوائف لتعيين حصة كل منها في الدولة.

كان من شأن تلك الصراعات أنها أعاقت نمو المجتمع، وأبقت البلد في حالة “حرب باردة”، كما أضعفت مناعة اللبنانيين حيال التطورات الجارية في المنطقة، فمهّدت بذلك الأرض اللبنانية لاستقبال الحرب “الساخنة” عام 1975.

لم تُفضِ الحلول المقترحة لمشكلة الدولة الطوائفية، عند الأزمات الكبرى، الى النتائج المرجوّة. ذلك أن التسويات الطائفية كانت بطبيعتها تسويات مؤقتة، لأنها قامت على موازين قوى داخلية وأقليمية متغيّرة باستمرار.
إن هذه النظرة الى العقد الاجتماعي هي نظرة مغلوطة. فمثل هذا الاتفاق لم يوجد في يوم من الأيام. إنه أسطورة تاريخية ترتبت عليها عواقب وخيمة.

فالحال أن الميثاق الوطني لعام 1943، الذي غالباً ما يُعدّ قرينة على وجود اتفاق بين الطوائف، لم يؤسس لعقد اجتماعي بين اللبنانيين، وإنما جاء ليؤكد حاجتهم الى البقاء معاً. وقد جاء هذا التأكيد في لحظة حرجة، هي لحظة انتقال لبنان الى عهد الاستقلال، مع وجود فريقين كبيرين أراد أحدهما استمرار الانتداب، فيما أراد الآخر الاتحاد مع سوريا.

في الحقيقة أن العقد الاجتماعي بين اللبنانيين قد تأسس على “واقع العيش معاً” الذي لم يكن نتيجة اتفاق بين الطوائف، وإنما نتيجة استحالة بقاء كل طائفة على “عيشها الخاص المنفرد” بعد نشوء دولة لبنان الكبير عام 1920. هذه الاستحالة هي بالذات التي أسست “العيش معاً”، والتي لم يتنبّه اليها اللبنانيون جيداً إلا بعد محاولات عقيمة ومحزنة ل”اللاعيش معاً” خلال تجربة الحرب الأليمة.

لا يستطيع لبنان إذاً أن يتماثل مع أيٍ من مكوناته الطائفية. لكل طائفة خصائصها المميزة. هذه صحيح! أما لبنان فلا يمكن اختزاله في خصائص طائفة بعينها، كما أنه لا يشكل حاصل جمع حسابي لخصائص الطوائف. إنه أسلوب وجود الطوائف معاً، بعدما فقدت كل طائفة نمط وجودها المنفرد، وبعد استحالة عودتها الى نمط سابق. وجود الطوائف معاً هو أساس تكوين لبنان، وجوهر وجوده في العالم، وما يصنع فرادته في منطقة تقوم دولها جميعاً على العصبية الوطنية وفكرة الانصهار.

هذا الواقع أسس لأسلوب عيش جديد، لم تصنعه طائفة بعينها، وإنما صنعه الجميع معاً، وفق مفهوم الهوية اللبنانية ذات الطبيعة المركبة. وهو ما أتاح للبنان، قبل الحرب، أن يقدم مساهمة أصيلة في إغناء الحضارة العالمية، في سعيها الدؤوب الى بيئة إنسانية أفضل، مانحاً فكرة التسوية والتوافق – وهي قاعدة كل اجتماع انساني – بعداً قلّما تمّ بلوغه من قبل، ومطوراً أسلوب حياة لم يكن من السهل تحقيقه في أي مكان آخر. للأسف الشديد فإن اللبنانيين لم يدركوا قبل الحرب أهمية نمطهم الحضاري هذا، الذي يتطلّب درجة عالية من التسامح لإبقائه على مسافة وقائية من عمليات الدمج القسري التي كانت جارية على قدم وساق في سائر المنطقة.

وبطبيعته التبادلية، فإن “العيش معاً” يضع في صُلب اهتمامه ورعايته قضية العلاقة مع الآخر، التي تمثل عنصراً جوهرياً في تكوين الشخصية الانسانية، لأن الفرد لا يتكون إلا عبر العلاقة مع الآخر المختلف. علماً أن جدوى هذه العلاقة تتوقف على تضافر شرطين: الحرية التي تمنح العلاقة مشروعيتها، والتنوع الذي يجعلها مصدر غنى فردي وجماعي.

هكذا أثبت لبنان، عبر أسلوب العيش المشترك، أن استقلالية الفرد – وهي في أساس فكرة الحداثة – لا تقوم بالضرورة على حساب العلاقة مع الآخر. فهي لا تفترض القطيعة معه كما حدث في الغرب، وإنما البحث عن التناغم بين الفرد والجماعة، بين الحاجة الى توكيد استقلالية الفرد والحاجة الى التضامن الاجتماعي.

ظهر مفهوم العقد الاجتماعي، القائم على العيش المشترك بين البنانيين، للمرة الأولى بصورة واضحة، في اتفاق الطائف (1989).

وقد جاء هذا الاتفاق نتيجة استحالتين:

استحالة بقاء اللبنانيين في حالة “اللاعيش معاً” التي نشأت من جراء الحرب.
واستحالة عودة الطوائف الى نمط من العيش الخاص المنفرد، على نحو ما توهّم البعض، لأن مثل هذا النمط لم يتجسد يوماً في دولة.

لقد استند اتفاق الطائف الى هاتين الاستحالتين، لينطلق في انقاذ “العيش المشترك”، وليُقيمه على “إرادة العيش المشترك”:

فهو يربط أولاً شرعية السلطة بقدرتها على حماية العيش المشترك الذي يمثل أساس العقد الاجتماعي. ومفهوم الشرعية هذا جديد تماماً على وعي اللبنانيين، إذ بموجبه لم تعد الشرعية قائمة على إرادة الطوائف المتعاقدة في لحظة تاريخية معينة، بل أصبحت مؤسسة على واقع العيش المشترك، المتحقق والمتطور على الدوام. بعبارة أخرى لم تعد الشرعية مؤسسة على حدث تاريخي (لم يحدث أصلاً) وإنما على واقع راهن، وأصبحت بالتالي عُرضة لمساءلة مستمرة حول مدى قيامها بواجب المحافظة على العيش المشترك. علماً أن هذا الواجب ليس عملاً يتمّ لمرة واحدة والى الأبد، بل هو مهمة قيد الانجاز الدائم.

يضع اتفاق الطائف حداً للمنطق القائم على مفهوم التعاقد بين الطوائف، وذلك بإلغائه المعيار العددي الديموغرافي الذي طالما استخدم سلاحاً في الصراع الطائفي، وباقراره المناصفة على صعيد تمثيل المسيحيين والمسلمين في السلطة. هذه المناصفة لا تعني تكريس “تقاسم” السلطة في ما بين الطوائف، بل ترمي في مرحلة أولى الى تهدئة نفوس الطوائف من خلال تمثيلها الرمزي في السلطة. هذا الأمر يسمح، في مرحلة ثانية، بإلغاء القيد الطائفي المعوّق لعمل الدولة والمضرّ بالعيش المشترك، وذلك بانشاء هيئة مستقلة، هي “مجلس الشيوخ” الذي تتمثل فيه الطوائف بصفتها تلك. بذلك يصبح الوزن الديموغرافي، أو التحالف مع الخارج تعويضاً عن النقص العددي، غير صالح للاستخدام من أجل تعديل حصة الطائفة في الدولة. ومن هذا المنظور لا تعود الطوائف في حاجة الى اختراع “مشاريع خاصة”، ولا يعود ثمة موضوع للصراع فيما بينها على هذا الصعيد. وعليه فإن “توكيد الذات الطائفية” يصبح ممكناً بطريقة وحيدة هي المنافسة في إغناء العيش المشترك الذي، بدوره، يمنح الطائفة قيمة أكبر بكثير مما يمنحها أي مشروع خاص.
 
ومن خلال إلغائه المعيار العددي الديموغرافي، يضع اتفاق الطائف حداً لمفهوم الأقليات اللبنانية، ويتيح إمكانات هائلة لتفاعلها بصورة أفضل. إذ تصبح كل طائفة جزءاً عضوياً من “أكثرية ذات طبيعة تعددية”، هي مجموع اللبنانيين، وذات هوية مركبة، وغير قابلة للاختزال في أحد مكوناتها. بذلك لا يعود اللبنانيون مجموعة كيانات، بل كياناً واحداً. وهذا الكيان الواحد لا يقوم على إلغاء التنوع وفرض الانصهار القسري، بل يقوم على الاعتراف بالتنوع واحترامه والمحافظة عليه.

وبكسره المنطق الأقلوي، يحرر اتفاق الطائف اللبنانيين من “عقدة الخوف من الآخر” التي تقع في أصل كل السياسات الطائفية. بذلك لا يعود الآخر خصماً ينبغي مواجهته باستمرار، لأنه يشكل خطراً وجودياً دائماً على الذات، بل يصبح عنصراً مكمّلاً وضرورياً للذات. إن هاجس الديموغرافيا لدى المسيحيين والدروز، وعقدة الاضطهاد التاريخي لدى الشيعة، وعقدة الكبت لدى السنّة، لشعورهم بأنهم أكثرية في العالم العربي وواحدة من أقليات ههنا… كل تلك العقد المعلومة لا تعود، من هذا المنظور الجديد، المحرك الأساسي للتاريخ اللبناني، حيث تحاول كل طائفة أن تضع يدها على الدولة، أو على قسم منها، بذريعة توفير “ضمانات” لوجودها.

ومن خلال التزامهم هذا العقد الاجتماعي القائم على العيش المشترك، ينتقل اللبنانيون من وضعية “عضو في جماعة طائفية” الى وضعية “مواطن” في دولة العيش المشترك. هذا لا يدعوهم الى التخلي عن انتماءاتهم الخاصة، أكانت طائفية أو مناطقية أو ثقافية أو غير ذلك، ولا عن انفتاحهم على عوالم مختلفة، أكانت عربية أو إسلامية أو غربية، ولا عن مرجعياتهم التاريخية الخاصة. على العكس من ذلك، فإن هذه الانتماءات المتنوعة مدعوّة لإغناء عيشهم المشترك بصورة متواصلة. إنها مساهمة كل منهم في المشروع الكبير.

اختلف اللبنانيون حول الطائف ولم تقتصر المعارضة لهذا الاتفاق على فريق طائفي دون آخر. فقد تزامن اعتراض العماد ميشال عون مع اعتراضات قوى اسلامية عديدة منها  المجلس المركزي لحركة “أمل” الذي سجل رفضه للاتفاق “لأنه في أحسن الأحوال ترقيع لواقع طائفي هو علة هذا النظام” (النهار – 3 تشرين الثاني 1989)، ومنها أيضاً “المقاومة الأسلامية” التي اعتبرت على لسان السيد عباس الموسوي “أن الاتحاد السوفياتي واميركا اتحدا على اتفاق الطائف كما اتحدا على اتفاق 17 أيار… هذا هو الطائف، مؤامرة دولية كبيرة يريدون أن يفرضوها علينا” (النهار – 14 تشرين الثاني 1989). ومن بين هذه القوى أيضاً الجماعة الاسلامية التي جددت تأكيدها على “أن أي حل يراد له أن يسلك طريقه الى التنفيذ… لا يمكن أن يتجاوز إلغاء كل الامتيازات الطائفية من الفمة الى القاعدة” (النهار – 21 تشرين الأول 1989).

ولعلَّ أصدق تعبير عن هذا الواقع المشار إليه، خصوصاً في الأوساط الشيعية آنذاك، الشهادة التي قدّمها الإمام محمد مهدي شمس الدين في وصاياه، حيث يقول: “ولا ننسى أن هذه الصيغة التي اعتبرها البعض مؤقتة، ونحنُ اعتبرناها مؤقتة في حينه، حينما أُعلن الاتفاق ووجهَ بمعارضة كبيرة داخل الطائفة الشيعية… أنا رفعتُ شعار أنه اتفاق الضرورة. والآن أقول: هو ليس اتفاق الضرورة. هو اتفاق الاختيار، وهو اتفاق مناسب لطبيعة لبنان، لأنه يوافق ويحقّق جميع الوسائل الممكنة للاستقرار والتقدم والازدهار” (الوصايا ص 35).

لم يدرك المعترضون على هذا الاتفاق حقيقة النقلة النوعية التي أحدثها في تحديده لطبيعة العلاقة التي تقوم بين اللبنانيين. اذ انتقل من مفهوم التعايش الطائفي الى مفهوم العيش المشترك، والفارق بينهما كبير. فالتعايش يعني حالة من الهدنة بين مكونات هي في طبيعتها متخاصمة في حين أن العيش المشترك يعني التفاعل، التفاعل بين أفراد ينتمون الى مكونات وجماعات مختلفة.

وهذا العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين هو، بنظر الاتفاق، ميزة لبنان، ذلك أنه لا وجود لتجربة شبيهة له في أي مكان آخر من العالم. فلبنان هو البلد الوحيد الذي يتشارك في إدارته مسيحيون ومسلمون. وهذا أمر بالغ الأهمية في زمن صراع الحضارات، حيث لم تعد معه الحدود الوطنية تشكل سياجاً يحمي من هم في داخله.

كنت في مرحلة اعداد اتفاق الطائف على تواصل مع البطريرك الماروني نصرلله صفير وكذلك مع الرئيسين حسين الحسيني ورفيق الحريري وعدد من العاملين في المجتمع المدني على وقف الحرب.

فقد دفع الوضع المأساوي الذي كانت تمر به البلاد الكنيسة الى “تركيز جهودها على وقف دوّامة العنف، التي كانت تشتدّ يومًا بعد يوم حتى باتت تهدّد المصير الوطنيّ برمّته. “فعملت من هذا المنطلق – والكلام هنا للمجمع البطريركي الماروني –  على تشجيع الساعين إلى إيجاد الحلول لإنهاء الحرب، وساهمت في بلورة الأسس والمفاهيم التي ارتكز عليها اتفاق الطائف. ونظرت الكنيسة إلى هذا الاتفاق على أنّه مدخل لطيّ صفحة الصراعات الماضية وتثبيت أولوية العيش المشترك على كل ما عداه.

وهذا الأمر تحديداً هو الذي ميّز موقف الكنيسة عن موقف العدد الأكبر من القيادات المسيحية التي لم تنظر الى هذا الاتفاق الا من زاوية الصلاحيات المفقودة، وهي لا تزال حتى اليوم تطالب بتعديل الاتفاق وصولاً الى إلغائه. وقد كان لافتاً في هذا المجال اجماع الاحزاب الطائفية المسيحية التي هي على خلاف فيما بينها في كل الامور تقريباً، إجماعها على قانون انتخابي – هو “القانون الارثوذكسي” –  يعيد البلاد الى زمن نظام الملل.

موقف البطريرك الماروني والكنيسة تركز على فكرة العيش المشترك الذي جاء المجمع البطريركي الماروني ليعطيها بعدها الأوسع مساهماً بذلك في بلورة فلسفة اتفاق الطائف. فقد اعتبر المجمع أن العيش المشترك يتخطّى مستوى التساكن أو التعايش بين المجموعات اللبنانيّة، “فهو نمط حياة يؤمّن للإنسان فرصة التواصل والتفاعل مع الآخر بحيث تغتني شخصيّته من تلقّيها جديد الآخر، وتغني هي بدورها شخصيّة الآخر، وذلك من دون إلغاء للخصوصيّات والفوارق التي تصبح في هذه الحال مصدر غنى للجميع. إنّه نمط حياة يقوم على احترام الآخر في تمايزه وفرادته، فلا يسعى إلى إلغائه أو استتباعه، ولا يفرض عليه انصهارًا يلغي خصوصيّته أو توحّدًا يختزل شخصيّته ببعد واحد من أبعادها.

وتجديد تجربة العيش المشترك لا يوفّر ضمانًا لمستقبل اللبنانيّين فحسب، بل يشكّل ضرورة لمحيطهم العربيّ، ويساعد في تجاوز هذه المرحلة الخطرة المسكونة بالحروب وبالصراعات على اختلاف أشكالها. من هنا ينبغي العمل على جعل التجربة اللبنانيّة، في صيغتها المتجدّدة، نموذجًا يمكن الإفادة منه في العالم العربيّ، بوصفه نمطًا حضاريًّا في البحث عن العيش المشترك والترقّي في مجتمعات تتميّز بالتنوّع والتعدّد.

ويشكّل لبنان من خلال عيشه المشترك حاجة مستمرّة لتفاعل خلاّق بين المسيحيّة والإسلام، يمنح أبناءهما فرصة الاغتناء الروحيّ المتبادل من خلال العيش المشترك. إنّ هذه الحاجة أصبحت اليوم أكثر إلحاحًا من أيّ وقت مضى، ذلك أنّ المواجهة بين الشرق والغرب أخلت مكانها لمواجهة بين الشمال والجنوب. ولم تعد هذه المواجهة تعّبر عن نفسها بصيغة سياسيّة، وإنمّا بصيغة دينية تؤدي إلى رسم حدودٍ دامية بين الإسلام والمسيحية.

أين تكمن “أزمة” اتفاق الطائف؟

إنها تكمن في مسألتين:
المسألة الأولى هي أن اللبنانيين لم يتمكنوا بعد وقف الحرب من مراجعة تجربتهم ليستخلصوا منها العبر والدروس. فاستمر عنف سنوات الحرب مخزنا في الذاكرة دون أي جهد لتنقيتها.
والمسألة الثانية هي أن القوى التي أنيطت بها مهمة تنفيذ هذا الاتفاق هي في معظمها قوى لا مصلحة ولا قدرة لها على استبدال منطق الخوف والتخويف بمنطق العيش معاً بشروط الدولة.

في العام 1943، اتفق اللبنانيون على ميثاق غير مكتوب يعلن رغبتهم في “البقاء معاُ” لحظة الاستقلال. حملت هذا الميثاق كتلة عابرة للطوائف وشرحت ابعاده “ندوة لبنانية”.
في العام 1989، وضع اتفاق مكتوب لم تتول أي من القوى السياسية، باستثناء قلة من الشخصيات المستقلة، الدفاع عنه.


تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر