الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
السبت 21 تمور 2018
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2010-09-29الكاتب:غسان سلامةالمصدر:جريدة الحياة « السابق التالي »
 أفكار من أجل علاقات فرنسية - عربية أكثر دفئاً
 
عدد المشاهدة: 703

كانت العلاقة التي تربط فرنسا بالعالم العربي أفضل بكثير مما هي عليه اليوم. ولست أعني ما يجرى هنا في منطقة كليشي سو بوا أو في فيلوربان فحسب، ولست أتحدث فقط عن العلاقة التي تربط باريس بالعواصم العربية التي باتت أحياناً تقتصر على الحد الأدنى من التواصل، أو تقوم على الريبة والحذر، ولا عن العقود الضائعة على غير ما كان متوقعاً، ولا عن الزيارات التي تم إلغاؤها في اللحظة الأخيرة، ولا عن الاتصالات التي بدت واعدة فكانت عابرة، ولا عن المبادرات الصارخة التي لم تعرف لها مستقبلاً، بل إنني أتحدث عن جو عام يشوبه البعد والفتور وهو تغيب عنه بشكل واضح القدرة على تفهم الآخر. وحتى لو لم أكن أملك الحق في إلقاء اللوم على جانبي المتوسط، يتحتم علي من موقعي الحالي كمراقب معني أن أسرد واقع الحال هذا وأن أجرؤ على التحسر عليه.

في ظل هذا الواقع، أود أن أذكر عبارة عزيزة علي وعلى زميلي وصديقي هوبير مفادها أن الغرق في بحر الحنين إلى الماضي لا يجدي نفعاً مهما كان هذا الماضي ساحراً. فلم يعد العالم الذي شهد بروز الأيام الجميلة هو نفسه وترتب على العلاقة الفرنسية-العربية أن تتبع خطى التاريخ المتسارعة. فلم تقلب نهاية الحرب الباردة أحوال العالم الثنائي القطبين المريحة فحسب، بل أحوال جميع الأشخاص في باريس أو القاهرة أو الجزائر الذين فكروا في تحدي هذا الواقع. تقلص العولمة التي نشهدها حالياً المسافة بين البلدان البعيدة من بعضها بعضاً، إلا أنها تقلص أكثر أيضاً المسافة بين البلدان المجاورة. حتى أنها تهد القلاع المحصنة وتبني بالطريقة نفسها جدراناً جديدة من كل نوع. إضافة إلى ذلك، يسمح هذا التيار العام لأوروبا بأن تمتد نحو الشرق وتتبلور في الوسط على حساب الجنوب، فيما تجهد البلدان العربية لإنشاء ما يشبه الوحدة بينها وتجد نفسها عاجزة عن التحدث بوضوح مع الآخر وتواجه صعوبة في التحاور مع بعضها البعض.

يطلبون منا بأن ندع القلق جانباً، فنحن لم نعد نعيش في عهد الزعماء الملهمين بل في عهد اللاعبين الذين يعرفون كيفية الاستمرار في اللعبة حتى النهاية. لا بأس في ذلك. إلا أن العلاقات الدولية ليست حركة مستمرة مجردة من الأهداف والغايات بل هي عملية بناء حيث يشكل التمسك ببعض المبادئ والفهم المستدام للمصالح والمثابرة الواعية على البحث عن السلام والازدهار شروط النجاح. يعتبر خوف فرنسا من أن يتم استبعادها من لعبة الأمم خوفاً مبرراً تماماً كما هي خشية العرب من أن يتم تهميشهم من المنافسة بين القوى العظمى. غير أن الخوف ليس مصدر الإلهام الأمثل ولا الخشية مبعث الوحي الأكثر فاعلية. وإليكم بعض الأمثلة التي تجسد ذلك.

سأبدأ أولاً بفلسطين، فيما تحاول إدارة أوباما استئناف عملية السلام بغياب أوروبا، يفرض الواقع التالي نفسه: لم يساهم اعتماد أوروبا للمواقف الأميركية في إعطاء هذه القارة العجوز موقعاً جيداً على طاولة المفاوضات. فمنذ عقدين، كانت أوروبا تمول التقدم المتواضع الذي حلم به البعض أو أحرزه البعض الآخر أو رعاه. حتى أن الخرق الذي حصل عام 1993 في أوسلو قد أفلت من قبضة البلد الأوروبي وتالياً من القارة التي أطلقته. ويبدو أن السلام في الشرق الأوسط يتطلب من الأوروبيين اعتماد أفكار خاصة بهم واتخاذ مواقف ملائمة بقدر ما هو في حاجة إلى تمويلهم.

فمن يجول في أنحاء العالم، يلاحظ أنه لا يمكن تحويل مسألة فلسطين إلى مجرد مسألة عقارية ليس إلا. يبدو أن البعد الرمزي بين بحيرة طبرية والبحر الأحمر يهز اليهود في بروكلين وميامي بقدر ما يهز المسلمين في كابول وكوالا لامبور ناهيك عن المسيحيين. كنت أظن أن الأوروبيين، لا سيما الفرنسيين منهم، قادرون على أن يفهموا بأنه يصعب على الدولة اللبنانية أن تستمر، وأنه يصعب فرض الاستقرار في الشرق الأوسط وزعزعة النظام الاستبدادي وتفادي حدوث حرب عالمية من خلال الجهاد والحملات الصليبية من دون أن يتم التعامل بشكل عادل ولائق ومستدام مع مسألة فلسطين. لست أفقد الأمل بأن أرى فرنسا وأوروبا بشكل عام تصبحان مهندس السلام من دون أن يقتصر دورهما فقط على تمويل التسويات.

سأنتقل الآن إلى خليج البصرة وصولاً إلى مسقط، هذا الخليج الذي يثير أطماع الكثيرين. لا يرغب الخليجيون في أن يتم التعامل معهم على أساس أنهم أصحاب الحقول النفطية والغازية وصناديق سيادية مهمة. فهم يريدون أن يتم اعتبارهم لاعبين سياسيين ولهم الحق في ذلك وأن يكون تأثيرهم مساوياً ولو جزئياً لقوتهم الشرائية. فهم يخشون حالياً من أن يتم استخدامهم كعملة مقايضة في إطار صفقة محتملة مع إيران أو أن تستخدم أراضيهم كساحة معارك في حال حدوث حرب محتملة.

وبوسع فرنسا أن تفهم هذا الخوف المزدوج ويجب ألا تساهم في الوقت نفسه في تغذيته شرط أن ترى بالمقابل البلدان الضعيفة جداً التي يتم استغلالها والبلدان الثرية جداً التي لا يمكن تجاهلها تبذل جهدها للحصول على استقلالية أكبر ولاعتماد الشفافية والمثابرة.

كانت تربط فرنسا بالمغرب العربي علاقة مميزة جداً إلى حد أنها تبدو حساسة وسريعة التأثر بسوء استخدام الرموز والذاكرة. فهل كان يجب أن يتم في إطار اتفاقيات إيفيان في فرنسا إعداد مشروع قانون حول «التأثيرات الإيجابية للمرحلة الاستعمارية»؟ هل كان يجب أن تنجر فرنسا، موطن الرئيس كومب نحو سياسات تعددية الثقافات المجتمعية؟ هل يجب أن ينتفض الشبان في وجه البلد الذي فتح أبوابه أمام آبائهم والذي يرفع أعلام بلدهم الأم في مقرات البلديات حيث يعقدون قرانهم؟ لا يبقى التلاعب بالرموز المرتبطة بالهوية من دون عقاب لا في فرنسا ولا على صعيد العلاقات الفرنسية - المغاربية. فيجدر بالفرنسيين والمغاربة أن يتذكروا أن البرلمانيين الأكثر بلاغة ليسوا رجال التاريخ الأكثر صدقية وأن حقبة الاستقلال ليست أجمل من حقبة الاستعمار وأنه يجب إثراء التبادلات الاقتصادية ولو جزئياً بتبادل للأفكار وأنه لا يمكن أن يحل تدفق رؤوس الأموال الحر مكان التدفق المنظم للأفراد وأن واجب الذاكرة لدى البعض لا يلغي حق النسيان لدى البعض الآخر وأن المخاوف الشرعية المرتبطة بالأمن لا يسعها إلا أن تترافق ومقتضيات الكرامة.

أصل أخيراً إلى الإطار الأورو - متوسطي. كنت أرغب بشدة في أن أقول إلى أصدقائي الفرنسيين عندما تم إطلاق الاتحاد من أجل المتوسط عام 2007 ما قلته في إسبانيا منذ أكثر من عقد خلال فترة التحضير لاتفاقية برشلونة: فتعتبر منطقة حوض المتوسط حيث يتوافر زيت الزيتون وحيث موطن الإغريق والفينيقيين وليباتو كما بروديل مرجعاً رائعاً في حر صيفه ووضوح أفقه وغنى تاريخه وجمال جزره، إلا أنها لم تكن يوماً بالنسبة إلي البنية المثلى للتفاعل الأوروبي - العربي. يعتبرها العديد من الأوروبيين والعرب مجرد حدود أكثر منها صلة وصل. كما أنها لم تكن بالنسبة إلى الأوروبيين الشماليين سوى وجهة لتمضية العطلة وبالنسبة إلى الخليجيين مساحة مائية مثل غيرها من المساحات أقل غنى من مساحتهم مع العلم أن البلدان النهرية قامت باستبعادهم عنها. أما بالنسبة إلى المتحدرين منها فليست سوى مرجع جغرافي وبالنسبة إلى الإسلاميين بناء عادي. ويبدو هذا المكان شبه الأسطوري في ذاكرتنا عصياً حين يديره ديبلوماسيون وخبراء وأصحاب شركات. فلا نطلبن منه أن يكون إطاراً حديثاً للتعاون لأنه لم يكن مصمماً ليكون كذلك.

ويجب أن نقر أن هذه الأمثلة وغيرها تثير مشاعر قديمة يعود تاريخها إلى عهد فرنسوا الأول أو بونابرت وصولاً إلى ما أسماه ماكسيم رودنسون في فرنسا «سحر الإسلام». فترتبط هذه العاطفة الطبيعية التي يشعر بها العرب تجاه فرنسا بألف عامل وبالمواقف التي اعتمدها الجنرال ديغول وصولاً إلى شبكة المدارس والمراكز الثقافية المنتشرة من دبي إلى الرباط. وخلال عقدين أو ثلاثة تجسدت هذه العاطفة في بيئة سياسية وتجارية ملائمة للطرفين.

إلا أن النخب العربية الجديدة لم ترحل عن المدارس الفرنسية ونسيت ديغول ولم تقرأ عن جاك بيرك وموريس لومبار أو جان لاكوتور. فيجول الأثرياء في مدينة كان بدلاً من التجول في أزقة الحي اللاتيني ويشترون أسهم في الشركات بدلاً من الكتب.

ويضع الفقراء البرقع في إطار تحدٍ مرتبط بالهوية ويجتاحون الشانزيليزيه من أجل الاحتفال بإنجاز حققه فريق كرة قدم بلدهم الأم وينشدون النشيد الوطني الفرنسي في ملعب سان دونيس فيما يحاول الآخرون الذين فقدوا الأمل بالحصول على تأشيرة دخول من القنصليات التي شددت إجراءاتها، الوصول إلى هذا البلد على متن قارب.

يجب أن نتحلى بشجاعة كافية لنقول أنه خلافاً لما حصل في عهد الطهطاوي والخديوي الأول حين نال المصريون منحاً للدراسة في فرنسا وفي عهد محمد أركون أخيراً الذي رحل عنا للتو يملك العرب الفقراء منهم كما الأثرياء علاقة محدودة ببلد فولتير وبودلير الذي أصبح أيضاً بلد أمين معلوف والطاهر بن جلون. ولا أخفي عليكم أن هذا الاستسلام المزدوج العربي والفرنسي الذي يجب تقليصه أو إلغاؤه تماماً والبعد الثقافي لتبادلاتهم لا سيما الجامعي منها مثير للقلق. فيكتفي الطرفان بالقليل ويفضلان تدبير «المكائد» عوضاً عن الاستمرار في سياسات طويلة الأمد وتبادل الأشياء بدلاً من الأفكار وتنظيم لقاءات ظرفية بدلاً من إنشاء علاقة صداقة إستراتيجية. لكن ما نفع التذمر في عالم يسود فيه هذا القانون؟ ما نفع الحنين عندما لا يكون وعداً للمستقبل؟

لن أضيق ذرعاً بهذا الوعد لأن العالم الحالي قد قوض ربما القواعد القديمة التي كانت تقوم عليها العلاقة الفرنسية - العربية إلا أنه أتاح ظروفاً مناسبة لإعادة التفكير فيها. فهل يجب أن ننسى التراجع الواضح في تأثير الولايات المتحدة على العالم، الأمر الذي يفسح المجال أكثر أمام الفاعلين الآخرين في النظام العام للتحرك؟ هل يسعنا أن ننكر أن نشوء الأقطاب الآسيوية لا سيما الصين من شأنها أن تقرب مساحتينا الثقافية التي تأثرت بفعل هذا الواقع أيضاً؟ ألم نلاحظ أن العولمة التي طالما انتقدناها تبث سمومها من خلال فرض عمليات إقليمية جديدة؟

لن أضيق ذرعاً بهذا الوعد لأنني أحب المساحة الثقافية حيث ولدت وأحب شعرها أولاً وجبالها الجميلة أيضاً وصحراءها الواسعة وخليج جونيه وخليج الجزائر والنيل والفرات كما أنني أتقاسم أحلام هؤلاء الرجال بقدر ما أتقاسم خيبتهم. أحب فرنسا التي استقبلتني حـــين أشـــعلت القبلية وتدخل البلدان المجاورة لبلدي في شؤونه النار فيه. كنت حينها شاباً فدرست بنهم وعندما أصبحت راشداً علّمت بشغف وفي كل مراحل عمري أحببت «الحرية» ومارستها، تلك الكلمة الأولى الواردة في شعار فرنسا الثلاثي من دون أن أفقد الأمل بأن أرى العدالة كما الأخوة تطبقان على يد أخلاف من اخترعوها.

فلا يلغي مبدأ الواقع العواطف بل هو شرط أولي لها. لا تعكس الصراحة فقدان أمل بل هي دليل خفي على الأمل. وفي حال تسللت كلمة حزن من غير قصد إلى خطابي فأنا متأكد سعادة السفير هوبير وسيداتي وسادتي أن اجتماعنا في هذا المساء هو بفعل رمزيته دحضٌ هادئ وودي لها.

* كلمة القاها وزير الثقافة اللبناني السابق، رئيس معهد العلوم السياسية الدولية في باريس، الدكتور غسان سلامة في السفارة القطرية، وذلك في 22 ايلول (سبتمبر) الجاري بحضور ديبلوماسيين ومهتمين عرب وفرنسيين.

 

تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر