الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الجمعة 21 أيلول 2018
بيانات/نداءاتتقاريرالمؤتمر الدائم للحوار اللبنانيلبنان في مجلس الأمننداءات مجلس المطارنة الموارنةمحكمة من أجل لبنانانتخابيات
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2008-11-17الكاتب:المصدر: « السابق التالي »
 الرؤية السياسية والبرنامجية الشاملة للقاء اليساري التشاوري (٤)
 
عدد المشاهدة: 1109

تنشر »السفير« اليوم الحلقة الرابعة من الوثيقة التي طرحها اللقاء اليساري التشاوري للنقاش العام بعد استكمال النقاشات الداخلية وإقراره في لجنة الصياغة المكلفة من اللقاء. وتأمل »السفير« مع واضعي الوثيقة بأن تشكل هذه الأخيرة مدخلاً ملائماً للبحث في أوضاع اليسار اللبناني في ظل التغيرات الكبرى التي يشهدها بلدنا وعالمنا.


على الطريق نحو إنضاج السيرورة النضالية لفرض هذه التحولات الديمقراطية المتقدمة، لا بد من أن ينخرط اليسار اللبناني بكل ما أوتي من إمكانات في النضال لأجل المهام الأساسية التالية:
أ ـ إقرار قانون جديد للانتخابات النيابية يعتمد التمثيل النسبي غير الطائفي ولبنان دائرة واحدة، مع خفض سن الاقتراع إلى الثامنة عشرة، واعتماد مبدأ الحصة النسائية في التمثيل النيابي، وإلغاء رسم الترشيح واستبداله بعريضة التواقيع الشعبية، وضبط النفقات الانتخابية تحت سقف يصبح تجاوزه سبباً لإبطال الانتخاب، وتنظيم عادل وعصري لاستعمال الإعلام وقمع الرشوات على اختلافها .
ب ـ استكمال الإصلاحات التشريعية بما يشمل: تطبيق التمثيل النسبي في الانتخابات البلدية؛ استحداث قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية يكون مَعْبراً نحو قانون مدني إلزامي؛ إنشاء قانون ينظّم مفهوم الإقامة وفقا لمعايير عصرية محددة في بلد يعيش معظم سكانه في غير أماكن تسجيلهم؛ إقرار وتنفيذ قانون للامركزية الإدارية يتيح الاستثمار الأمثل للموارد المتاحة في المناطق في ضوء ما خلص إليه المخطط التوجيهي لاستعمال الأراضي اللبنانية؛ إقرار قانون عصري للأحزاب السياسية يطلق حرية تشكيلها على قاعدة العلم والخبر.... هذا بالإضافة إلى تشريعات متقدمة لحماية الحريات العامة والخاصة ووقف تدخل السلطة في شؤون الحركة النقابية وإطلاق الحقوق والحريات النقابية كافة التي نصت عليها اتفاقات منظمة العمل الدولية، بما يشمل إقرار حق التنظيم النقابي للقطاع العام.
ج ـ فتح ملف الإصلاح الإداري، الذي هو في جانب أساسي منه إصلاح سياسي، والشروع الفوري في تنفيذ هذا الإصلاح، ولا سيما عبر تعزيز آليات المحاسبة والمساءلة وتقييم الأداء وإصلاح وتحديث هياكل الإدارة العامة ومواردها البشرية وإخضاع عمل المؤسسات العامة للحساب الاقتصادي ومعايير الكفاءة المهنية والخدمة الاجتماعية، بالتلازم مع قمع الفساد والإفساد السياسي والمالي للإدارة، ومساعي تطييفها ومذهبتها. وهذا يتطلب وقف التدخلات السياسية في الإدارة العامة وضمان استقلالها وتعزيز أجهزة المحاسبة والمراقبة (مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي وديوان المحاسبة وهيئات الرقابة والمحاسبة الأخرى).
د ـ وضع استراتيجية دفاعية تضمن قيام جيش شعبي ووطني في رأس مهماته الدفاع عن الوطن ضد العدوان الخارجي، وبوجه أخص الإسرائيلي والأطلسي، بالتلازم مع تكريس وجود مقاومة وطنية تنخرط في إطارها المقاومة الحالية، ويتاح لكل المواطنين المهتمين بالالتحاق بها أن يفعلوا ذلك بحيث تصبح مقاومة شعبية من كل الطوائف والمذاهب، ذكوراً وإناثاً، وذلك من ضمن سياسة دفاعية وطنية شاملة.
هـ ـ النضال من أجل رفع مستوى معيشة اللبنانيين جميعاً، وعدم تحميل كادحي البلد ومهمشيه فواتير الحروب الأهلية المتكررة، والسياسات المالية الكارثية للحكومات المتعاقبة ، ولا سيما منذ العام ،١٩٩٢ مع إرثها من الديون التي يجب إيجاد حل لها على حساب الفئات والطبقات والقوى السياسية والاقتصادية والمالية المسؤولة عنها أو التي استفادت منها. على أن يشمل هذا المسعى أيضاً جملة من المهام الاقتصادية والمالية، في مقدمتها اعتماد السلم المتحرك للأجور والضريبة التصاعدية وما إلى ذلك من عناصر سياسة اقتصادية واجتماعية متقدمة ، مهتمة حقاً وبالفعل بمطلب العدالة الاجتماعية. وهو ما سنعود إليه في البند التالي ، المتعلق بالواقع الاقتصادي ـ الاجتماعي المأزوم الذي يعيشه بلدنا.
٢ البديل المطلوب ودور اليسار على المستوى الاقتصادي ـ الاجتماعي
أ ـ تغيير السياسات الاقتصادية ـ الاجتماعية التي ثبت فشلها، والتوجّه الصريح والمستدام نحو تعزيز القطاعات المنتجة، وبخاصّة الزراعة والصناعة والخدمات الطليعية ذات القيمة المضافة العالية والقابلة للتبادل والتصدير، بما في ذلك أساسا خدمات التربية والتعليم والصناعات الإلكترونية والسياحة البيئية والثقافية، التي لا يشترط تطويرها وجود موارد طبيعية. وتتطلب عملية التغيير هذه إقرار وتنفيذ جملة تدخلات وحوافز تطول توفير البنى التحتية المؤاتية والإطار التشريعي الملائم وتحسين إعداد وتدريب الموارد البشرية وإعادة هندسة سياسات التسليف والتسويق والنقل إضافة إلى الدعم الجدي للعمل التعاوني.
ب ـ السعي لتنفيذ برنامج متقدم لحماية الطبيعة والبيئة ومصادر المياه والغابات والأراضي الزراعية، بالاستناد إلى مقاربة كابحةٍ لنهج الاستباحة المطلقة والعشوائية التي ميّزت ممارسات الرأسمال الجشع في هذا المجال. ويندرج ضمن هذا السعي وقف المرامل والكسارات نهائياً، وإيجاد حل جذري للنفايات الصلبة والسائلة، والحؤول دون التلوث الناجم عن الصناعة ومياه الصرف، وبوجه خاص ذلك الذي يصيب الأنهار والبحيرات والشواطئ. كما تندرج في هذا الإطار إعادة بناء صناعة نفطية تكريرية متقدمة واستعادة الأملاك البحرية وغيرها من الأملاك العامة من تحت سيطرة مستثمريها غير الشرعيين، ومنع الحرائق ومكافحتها الفورية ومعاقبة مفتعليها ، واستكمال بناء السدود المدروسة وحماية حقوق البلد في مياهه، ولا سيما في الجنوب، والعمل على الاستفادة القصوى منها.
ج ـ وقف الاستدانة إلا لغرض الاستثمار المنتج اقتصاديا واجتماعيا في مشروعات إنمائية مدروسة بشكل مهني وذات أولوية مطلقة، ولا سيما في مجال توفير البنى التحتية والخدمات العامة الأساسية (كهرباء، ماء، صحة، تعليم، هاتف، مواصلات، محروقات، الخ...) كحق للمواطنين على الدولة تأمينه بأقل كلفة ممكنة وبنوعية جيدة؛ وفرض تحقيق شامل لكشف الحقائق الملموسة حول صرف عشرات المليارات من الدولارات المستدانة في العقدين الأخيرين، مع ما رافق ذلك من إعادة توزيع قسري للثروة والدخل ومن عمليات نهب وهدر لم تستفد منها الا قلّة من اللبنانيين؛ وتحديد القوى المسؤولة عن تلك العمليات واستحداث تشريعات لاستعادة الأموال المنهوبة مع فوائدها. وبهذا المعنى فانه ينبغي اعادة النظر جذرياً في أولويات ورقة باريس ٣ وبرامج البنك وصندوق النقد الدوليين، التي لا تركّز الاهتمام عمليا إلا على الجوانب المتصلة أساسا بقضية إدارة الدين العام واستدامة تسديد خدماته، وتهمل مسائل الاقتصاد الحقيقي والإفقار المتزايد الذي تتعرض له غالبية الشعب اللبناني.
د ـ إبراز أولوية تطوير وحماية القطاع العام من ضمن إخضاعه لعملية إصلاح شاملة تتزامن مع تقدّم الإصلاح السياسي المنشود، وهذا ما من شأنه أن ينزع الحجج والذرائع التي يستخدمها العديد من أهل الحكم، القديم منهم والجديد، للمضي من دون هوادة في سياسة الخصخصة. وإذا كانت ثمّة دواع لخصخصة ما في هذا المرفق أو ذاك - ولا سيما في تلك المرافق التي هي ليست بالضرورة جزءا من الحقل العام ولكنها آلت »صدفة« إليه إما بفعل إفلاسات سابقة في القطاع الخاص أو بفعل الإرث الذي خلّفه الانتداب الفرنسي - فان مثل هذه الخصخصة ينبغي أن تخضع لشروط محددة تتعلق بطبيعة الحكم والتوازنات فيه وبحماية مصالح المستهلكين ومنع حلول احتكار خاص مكان احتكار عام، ناهيك عن حماية الحقوق المكتسبة للعاملين.
هـ ـ إعادة صياغة السياسة الضريبية المتبعة منذ أوائل التسعينيات والتي لم تخفف من أوجه عدم المساواة الاجتماعية في البلاد، بل فاقمتها على غير صعيد، بالرغم من مروحة الإعفاءات الضريبية المعمول بها ومن انخراط الدولة المتزايد - كماً وليس نوعاً ـ في تمويل نفقات الصحة والتعليم وبعض الخدمات الاجتماعية الأخرى. وفي إطار الإصلاح الضريبي المنشود ينبغي الاتجاه نحو قدر أكبر من التصاعدية في النظام الضريبي واستحداث ضرائب على أرباح التحسين العقاري وفرض ضرائب عالية على المضاربات المالية، وعلى سندات الخزينة وأرباح الشركات الكبرى، هذا بالإضافة إلى إخضاع بعض عناصر الثروة للضريبة.
و ـ بلورة وتنفيذ سياسة اجتماعية لا تصطنع »نفخ« مسألة مكافحة الفقر ومسألة الفئات الفقيرة والمهمّشة بهدف التملّص من معالجة المرتكزات الأساسية للسياسة الاجتماعية التي تتمثّل في تجسيد حقوق المواطنة في الصحة والتعليم والشيخوخة والعمل والسكن والضمانات الاجتماعية الأساسية الأخرى، لأوسع فئات المجتمع اللبناني وفي طليعتهم الفقراء والمعوّقون والمتعطلون عن العمل والنساء ربّات البيوت وأطفال الشوارع وغيرهم من الفئات المهمشة. ويندرج في هذا الإطار إرساء قاعدة واضحة لسياسة الأسعار والرواتب والأجور بما يحفظ ويعزّز علاقة الأجر الحقيقي بكلفة المعيشة.
ز ـ تعديل وتطوير القوانين التي لها علاقة بوضع المرأة، ومن ضمنها قوانين الإرث، والعمل، والعقوبات، والجنسية، بحيث تحصل المرأة على مساواة فعلية مع الرجل في كل الميادين، بما في ذلك فتح كل مجالات العمل التي يحتكرها الرجال أمامها وتأمين روضات أطفال مستوفية كل شروط السلامة والصحة. وفي الإطار ذاته الاهتمام الأقصى بأوضاع الشبيبة من الجنسين، ولا سيما على صعيد تحسين نوعية التعليم الرسمي وضمان فرص العمل، وحل مشكلة البطالة حلاً جذرياً، وتأمين المشاركة الحقيقية من جانب الشبيبة في الحياة السياسية وفي القرارات المصيرية التي تتعلق بحياتهم، وحياة البلد ككل.
إن هذا البرنامج الذي تطرحه قوى اليسار والذي يهدف إلى إحداث تغيير حقيقي في طبيعة السلطة الحالية ـ باتجاه سلطة شعبية ديمقراطية أقرب إلى الهموم والمصالح الأساسية للغالبية الواسعة من اللبنانيين ـ يتطلب تعبئة تحالف واسع من القوى الاجتماعية الخارقة للاصطفافات الطائفية التقليدية، وفي طليعتها النواة الأساسية للطبقة العاملة وللفئات المتوسطة والفقيرة إضافة إلى شرائح من المثقفين المستقلين عن أركان النظام والطوائف. ومن شروط بلورة هذه الكتلة الشعبية، تبرز مهمة إعادة بناء الحركة النقابية من جذورها واستحداث هيكلية جديدة لها تضمن انغراسها في الوسط العمالي وقطاعات الإنتاج، والتزامها النضالي بالقضايا الشعبية والوطنية.
- VI -
لأجل أن يتجاوز اليسار اللبناني أزمته المتمادية

في ضوء ما تقدم من قراءة للوقائع والتطورات والاحتمالات المطروحة، يستعاد طرح السؤال حول دور اليسار في مجابهة هذه التحديات. ويأخذ هذا النقاش أبعاداً تصل إلى حدّ المساءلة حول مدى جهوزية القوى اليسارية لتحمل أعباء هذه المواجهة المفروضة عليها وعلى الشعوب العربية عموماً، ومدى استعدادها لإجراء قراءة نقدية جدية لتجاربها السابقة. وينطوي هذا النوع من القراءة النقدية على همٍّ نضاليٍّ وطنيٍّ لدى فئات واسعة من اللبنانيين، مناضلين سياسيين يساريين وشبابا عاشوا تكراراً تجارب مرتبكة، في غياب الأطر والمشاريع السياسية التي تلبي طموحاتهم.
لقد بدأ اليسار اللبناني نضاله منذ بدء تبلور الدولة المعاصرة في عشرينيات القرن الماضي. وأرسى هذا اليسار القاعدة لخوض معارك الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، عبر سعيه الى تنظيم الطبقة العاملة اللبنانية وتأسيس الاتحادات النقابية وخوض معاركها، بهدف حماية حقوقها وتحسين شروطها المعيشية وتطوير وعيها الطبقي. كما لعب دوراً كبيراً في تطوير قطاعات التربية والتعليم، وبخاصة الجامعة الوطنية، وفي إرساء أسس نظام التأمينات الاجتماعية، ولا سيما الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وقد اضطلع اليسار بدور طليعي في قيادة نضال العمال والفلاحين والطلاب والمثقفين الثوريين وفي ترسيخ مفاهيم الديمقراطية، ونجح في تحقيّق اختراقات ملموسة على صعيد تعزيز اندماج الشعب اللبناني حول قيم المساواة ونبذ الطائفية، وتجاوز الحدود الضيّقة للعلاقات الاجتماعية الموروثة (الزواج المتعدد، الدمج السكاني، الخ...). ولم يكن الصراع مع القوى الطائفية يوماً بالشيء السهل، حيث اصطدم على الدوام كلُّ انفتاح محتمل للبلد على واقع اجتماعي أو شعبي جديد بمواجهة عاتية من جانب تلك القوى، التي ظلّت محكومة بهاجس الحفاظ على مواقع سيطرتها الطبقية - الطائفية على حساب القضايا الوطنية الشاملة.
وكما في المجال السياسي والاجتماعي، كذلك كان للقوى اليسارية دور كبير في المعارك الوطنية من أجل الاستقلال، وصولاً إلى التأسيس الأول للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن القضية الفلسطينية ومواجهة الغزو الإسرائيلي عام ١٩٨٢ وإعلان جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. إن آلاف الشهداء قد سقطوا دفاعاً عن لبنان ومن أجل وحدته وتطوره الديمقراطي، في نضالات خيضت في أعقد الظروف الداخلية والإقليمية، في مواجهة نظام البرجوازية الكولونيالية الطائفي والهجمة الإمبريالية ـ الإسرائيلية التي لم تتوقّف.
أما في الظروف الراهنة فان بلدنا بات يعيش مرحلة الهزيمة الشاملة لمشروع الحركة الوطنية، الذي تضافرت على إسقاطه ليس فقط القوى الطائفية والطبقية المهيمنة والمرجعيات العربية الملتحقة بالخطة الأميركية، بل كذلك ما برز من تشوّهات وارتباكات في السياسات والتحالفات التي حكمت مواقف الحركة الوطنية (كما سنوضح لاحقاً). وقد شهدت مرحلة التراجع هذه انتقال قوى وأحزاب ـ كانت قد حملت مشروع الحركة الوطنية ـ إلى داخل بنية السلطة (باستثناء الحزب الشيوعي، بوجهٍ أخص)، وتحولّها إلى شريك فعلي لهذه الأخيرة في مواجهة الحركة الشعبية وفي إضعاف الحالة الديمقراطية والعلمانية ومحاصرة المؤسسات الأهلية والنقابية. وبتواطئها موضوعياً مع القوى البرجوازية والطائفية، سهَّلت هذه القوى عملية استنبات تشكيلات نقابية وهمية وتكتلات عمالية وفلاحية وطلابية وشبابية ذات طابع مذهبي، وإعطاءها غطاء شرعياً رسمياً، ما ساهم في تفتيت الحركة النقابية والعمالية وفي تحويل العمال، الموحدّين في معاناتهم وفي خضوعهم للاستغلال، إلى »شلل« منقسمة على ذاتها ومعبأة خارج منطق المصالح الحقيقية التي تجمعها.
ثمّ أن هذه القوى شكّلت، عبر وجودها في السلطة، جزءاً من مشروع الوصاية السورية الذي عمل بصورة حثيثة على تكريس مواقع قوىً طائفية، أو رموز محددة لها، في لعبة »توازن« قائم على نظام المحاصصة في غير مجال. وفي مقابل بعض المغانم، في البرلمان كما في بعض الوزارات والإدارات العامة، ضحّت تلك القوى بنظام القيم التي كانت تعلن إيمانها بها، على حساب الشعب الذي بقيت تدَّعي تمثيل مصالحه.
وجاء سقوط الاتحاد السوفياتي وما رافقه من خلل فاضح في ميزان القوى لصالح الإمبريالية الأميركية، ليضيف تأثيرات مدمرة على حركة التحرر العالمية والعربية. فغياب »المركز« السوفياتي وضع الأحزاب الشيوعية واليسارية في »الأطراف« أمام مشكلات وصعوبات وتعقيدات، على المستوى الإيديولوجي والفكري كما على الصعيد السياسي. ومع انقضاء نحو عقدين من الزمن، لم يتبلور لدى غالبية اليسار اللبناني (والعربي) إلى الآن تقييم نقدي واضح ومحدّد بشأن التجربة الاشتراكية، ودور الأحزاب الشيوعية. ولم ينجح اليسار حتى الآن في مواجهة الأسئلة الكبيرة المطروحة، تحت ضغط أنساق من الممارسة السياسية - البراغماتية، المتزامنة مع تركيز مفرط للنقاشات على مسائل تكاد تكون محصورة في البنية التنظيمية. ومثل هذه المقاربة لا يساعد على تجاوز الأزمة، التي تفاقمت على مدى عقود، وساهمت في تفاقمها أخطاء وتقصيرات، وأحياناً انحرافات من جانب قوى اليسار، سواء في نمط علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي السابق، أو مع الأنظمة »الوطنية«، أو في تحالفاتها الداخلية. وبفعل هذه الأخطاء، بالغت بعض أحزاب اليسار، وبخاصة الأحزاب الشيوعية، في التصادم مع الأنظمة »الوطنية«، في شروط غير مؤاتية، وأحياناً بتأثير من تحالفها مع المركز؛ ثم بالغت في التحاقها بتلك الأنظمة أو مهادنتها لها، بعد تحالف هذه الأخيرة مع الاتحاد السوفياتي، وصولاً إلى الذوبان الكامل، كما حصل عندما قرر الحزب الشيوعي المصري حل نفسه والانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي الحاكم. وهذا ما حرم الطبقة العاملة من التمثيل والفعل السياسيين، وسهّل للأنظمة الالتحاق بالمشاريع الأميركية للمنطقة أو التقاطع معها، وأطاح الجزء الأكبر من المكاسب الاجتماعية التي كانت قد تحققت في تاريخ سابق.
وما حصل في مصر ارتدى أشكالاً أخرى في المشرق العربي، ولا سيما في سوريا والعراق، حيث انخرط الحزب الشيوعي السوري في السلطة القائمة في بلده، فيما وصل الأمر بالحزب الشيوعي العراقي إلى حد الرضوخ لسلطة الاحتلال الأميركي والتعاون معها.
ماذا عن لبنان؟!
لم يشهد لبنان، تحديداً، تحولات شبيهة بتلك التي حصلت في البلدان المذكورة أعلاه، وبقي نظامه محافظاً على بنيته التقليدية، من حيث هو نظام برجوازي طائفي تابع. وتموضع اليسار في هذه الحالة لم يعبِّر عن نفسه بالانخراط في بنية السلطة، بل خارج هذه الأخيرة، وفي المسعى طويل الأمد لإحداث التغيير الديمقراطي، الذي شكّل البرنامج الإصلاحي لصيف عام ١٩٧٥ أبرز تجلياته. وقد اندرج هذا المسعى، بصورة أو بأخرى، في شبكة من التناقضات، أشار إلى جانب منها الزعيم الراحل للحركة الوطنية كمال جنبلاط قبل اغتياله بوقت قصير، عندما أكّد (في كتابه بعنوان من أجل لبنان nabiL el ruoP)، على الالتباس الجوهري القائم بين مطالبة القوى الوطنية اللبنانية للدول العربية بتقديم الدعم السياسي والمعنوي لها من جهة، ورفض البلدان العربية كافّة من جهة ثانية لمبادئ الديمقراطية وإلغاء الامتيازات الطائفية وعلمنة القوانين ومؤسسات الدولة، التي كانت تناضل من أجلها الحركة الوطنية. وفي الواقع، لم تحصل الحركة الوطنية، ومن ضمنها اليسار اللبناني، على الدعم السياسي والمعنوي للدول العربية، بالشكل الذي تتمناه ووفقاً لبرنامجها الإصلاحي، بل حصلت على الدعم المادي المشروط (المال والسلاح، الخ...). وكانت هذه إحدى نقاط ضعفها، خلال مرحلةٍ شكَّلت بحق فرصةً للتحول من بنية مؤسسات مطيّفة ومتصدعة في اتجاه »بنية مؤسسات علمانية وديمقراطية حقا«.
وينسحب هذا النسق على العلاقة الملتبسة أيضاً مع منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. فقد تعاملت الحركة الوطنية مع المنظّمة من موقع الحليف الضعيف وغير النقدي، خلال حرب السنتين، ثمّ خلال الاجتياحين الإسرائيليين عام ١٩٧٨ وخصوصا عام ،١٩٨٢ الأمر الذي أثَّر إلى أبعد الحدود، على مستويين اثنين:
أ ـ في التسهيل الموضوعي لعملية تحوُّل نضال مسلَّح لأجل التغيير الديمقراطي إلى حرب أهلية طائفية، سواء بسبب الامتناع عن قمع القوى المشبوهة في صفوف الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، والمتواطئة، عن وعي أو بدونه، في أحيان كثيرة، مع اليمين الفاشي في ارتكاب الجرائم والمذابح ذات الطبيعة الطائفية ضد اللبنانيين، كما ضد المخيمات الفلسطينية؛ أو في الامتناع عن دمج المعركة لأجل الإصلاح السياسي والتحرر الوطني بالمعركة لأجل القضية الاجتماعية، مع الإشارة إلى أن هذا الامتناع جاء أحياناً من داخل اليسار نفسه.
ب ـ عدم المواجهة الجدية لتوغُّل الجيش الإسرائيلي داخل الأرض اللبنانية، لا سيما في صيف عام ١٩٨٢ ، ضمن ظروف أتاحت لعرفات - في إطار العلاقة المختلّة بين الحليفين اللبناني والفلسطيني ـ أن يتحكم بمسار المواجهة مع الاجتياح، وان يمعن في ارتكاب الأخطاء في إدارتها وتنظيمها وفي تعاطيه مع تكرار حالات وقف النار وشروط الخروج العسكري الفلسطيني من لبنان. وكذلك التقصير والإخفاق في تعبئة دعم الشعوب العربية والقوى العالمية المعادية للعدوان الصهيوني، وعدم فضح الحكام العرب الذين كانوا في معظمهم اما متآمرين أو متواطئين أو عاجزين.
حول المقاومة الوطنية وانكفائها
بالرغم من انصياع معظم أحزاب اليسار (لا سيما الأساسية بينها آنذاك) لسياسة ياسر عرفات الملتبسة أمام الضغوط الإسرائيلية والأميركية والرجعية العربية، فان هذه الأحزاب سرعان ما عمدت بعد انسحاب المقاتلين الفلسطينيين من لبنان، إلى تنظيم مقاومة جدية للاحتلال الإسرائيلي، ما أتاح إجباره على الانسحاب من الجزء الأكبر من لبنان، وصولاً إلى الشريط الحدودي، في غضون سنوات ثلاث. لكنّ هذه المقاومة وجدت نفسها بعد حين مضطرةً، عند درجة محددة من الضغوط الإقليمية، للانكفاء وإخلاء الساحة أمام قوىً أخرى أريد لها أن تحتكر، عملياً، العمل المقاوم، تحت مسمّى المقاومة الإسلامية. وقد ساهمت عوامل عدة في إحداث هذا التحوّل: غياب الدعم المادي (بما في ذلك تسليحاً وتدريباً) بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لا بل حتى قبل ذلك الانهيار؛ وغلبة النهج الرامي إلى ضبط إيقاع المقاومة بما يتناسب مع الوجهة السياسية العامة للنظام السوري وتحالفاته الإقليمية (إيران تحديداً). وهذا ما حصرها ضمن فئة من اللبنانيين، وسهّل إسباغ سمات مذهبية وطائفية قاتلة عليها، وحال دون إبراز دورها الوطني ـ بالقدر الذي تستحقه ـ في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية اللبنانية. وقد وصلت هذه الضغوط إلى حدود التصفية الدموية والاعتقال والتعذيب، كما حصل مع العديد من المقاومين اليساريين وكوادر أحزاب اليسار، في النصف الثاني من الثمانينيات.

 

الرؤية السياسية والبرنامجية الشاملة للقاء اليساري التشاوري (٣)

الرؤيـة السياسـية والبرنامجيـة الشـاملة للقـاء اليسـار التشـاوري (٢)

الرؤية السياسية والبرنامجية الشاملة للقاء اليساري التشاوري (١)

 


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
تعليقات القراء عدد الردود: 0