الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الخميس 20 أيلول 2018
بيانات/نداءاتتقاريرالمؤتمر الدائم للحوار اللبنانيلبنان في مجلس الأمننداءات مجلس المطارنة الموارنةمحكمة من أجل لبنانانتخابيات
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2008-11-15الكاتب:المصدر: « السابق التالي »
 الرؤية السياسية والبرنامجية الشاملة للقاء اليساري التشاوري (٣)
 
عدد المشاهدة: 1234

تنشر »السفير« اليوم الحلقة الثالثة من الوثيقة التي طرحها اللقاء اليساري التشاوري للنقاش العام بعد استكمال النقاشات الداخلية وإقراره في لجنة الصياغة المكلفة من اللقاء. وتأمل »السفير« مع واضعي الوثيقة بأن تشكل هذه الأخيرة مدخلاً ملائماً للبحث في أوضاع اليسار اللبناني في ظل التغيرات الكبرى التي يشهدها بلدنا وعالمنا.


ب ـ الهشاشة الداخلية والوزن الطاغي للتأثير الخارجي
لقد كان لبنان، عبر تاريخه الطويل، جزءاً من إمبراطوريات متلاحقة تعاقبت في السيطرة على المنطقة العربية الحالية، منذ أيام الرومان، مروراً بالإمبراطورية العربية الإسلامية ووصولاً إلى السلطنة العثمانية التي كانت بدأت تشهد تدهوراً واضحاً في القرن التاسع عشر، مشجعة الدول الكبرى الصاعدة آنذاك للانقضاض عليها في الوقت المناسب. وفي فترة الانتظار هذه بالذات، تكثفت التدخلات الأجنبية في شؤون هذه البقعة الصغيرة جداً، التي جرى تقليصها في مرحلة أولى إلى حدود ما كان يعرف بجبل لبنان أيام المتصرفية، والتي لم يؤد إطلاق تسمية »لبنان الكبير« عليها ـ من قبل القائد العسكري الفرنسي الجنرال غورو القادم منتصراً إلى المشرق العربي غداة الحرب العالمية الأولى جنباً إلى جنب مع حليفه الإنكليزي ـ إلى التخفيف من الهشاشة الفعلية لهذا الكيان اللبناني الناشئ الذي فرضه الفرنسيون بصيغته الجديدة بالاتفاق مع الرجعية المارونية، على حساب الوحدة السورية التي كانت تنشدها الغالبية الشعبية. على العكس، فلقد بات »لبنان الكبير« أشد هشاشة من جبل لبنان، نظراً للتوازنات الطائفية التي عمّق الانتداب الفرنسي اختلالها في مرحلة سيطرته المباشرة على البلد، وجعلته عرضة مذاك لتجاذبات إقليمية ودولية تتفاوت قوة وتأثيراً وفقاً للظروف.
ج ـ التطور الاقتصادي المشوّه (الذي سيتم التوسّع فيه لاحقاً) والهيمنة الطبقية المأزومة لبرجوازية تابعة. وهما واقعتان تسهلان انعقاد زمام السيطرة السياسية لتحالف هجين بين ممثلي هذه البرجوازية، من جهة، والرموز القيادية الطائفية، من جهة أخرى.
الآليات الثلاث هذه تدخل في علاقة سببية معقدة، وتتوالى في عملية إنتاج وإعادة إنتاج أحدها للآخر، الأمر الذي يفسح في المجال واسعاً أمام تسهيل تزييف الصراع الأساسي في المجتمع وتشويهه، تحت غطاء الصراعات الطائفية والمذهبية. وهذا ما يحول بالتالي دون إعمال مفاعيل هذا الصراع في اتجاه التغيير الجذري على مختلف المستويات. والمقصود هنا بالتحديد هو الصراع الطبقي الذي لم تنقطع المساعي لأجل ضربه وإضعافه وشلّ الأدوات الأهم لتنظيمه وتوجيهه في المسار الذي يخدم مصالح الغالبية الساحقة من الجماهير الشعبية، أي مسار الإصلاح الجذري والثورة الاجتماعية. ولا تتمثل هذه الأدوات فقط بأحزاب الطبقة العاملة ومنظماتها السياسية، بل تشمل أيضاً النقابات والاتحادات العمالية وسائر الأطر النقابية والشعبية.
»الثورة المجهَضة« والإصلاح المعاق
في إطار بنية النظام السياسي اللبناني المحكوم بطغيان التناقضات الطائفية، بات خطر شبه دائم يهدد، في تواريخ اكثر تقارباً، باندلاع انفجارات أهلية مدوية. هذا ما شهدنا ملامحه ونتائجه على مدى حقبة طويلة نسبياً في النصف الثاني من القرن الماضي. ولكن إذا كان الانفجار الأول عام ١٩٥٨ لم يعمّر طويلاً وأعقبته محاولة إصلاحية »متنوّرة« نسبيا هي المرحلة الشهابية ، فان الانفجار الثاني قد استغرق زمنا متماديا بحيث يئس الكثير من اللبنانيين من إمكانية الوصول إلى نهايته، ودفع نسبة عالية منهم إلى الهجرة الدائمة أو المؤقتة. والمفارقة الكبرى أن هذا الانفجار قد بدأ متلازما مع مشروع إصلاحي اكثر جذرية بوضوح من المشروع الشهابي، هو ذلك الذي أعلنت عنه الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، في ١٨ آب ،١٩٧٥ ضمن ظروف اعتبرتها مؤاتية للتغيير الديموقراطي الجذري، وتميزّت بتنامي الصراعين الوطني (نتيجة الوزن الذي اتخذته المقاومة الفلسطينية المسلحة آنذاك في لبنان، وحلفاؤها اليساريون والقوميون المحليون)، والطبقي (مع تعاظم تجليات الأزمة الاقتصادية ـ الاجتماعية للنظام اللبناني). وهذا ما دفع بكمال جنبلاط إلى وصف المسعى المذكور بأنه شيء يشبه، لبنانياً، ثورة عام ١٧٨٩ الفرنسية، ولا سيما عبر ما دعا إليه من فصل للدين عن الدولة واعتماد قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، إلى غير ذلك من المطالب والطروحات على صعيد القضية الوطنية وقضية الديموقراطية والحريات والعدل الاجتماعي. بيد أن المعركة لأجل هذا المنظور سرعان ما توقفت، ولكن ليس بسبب عدم وجود المقاتلين - stnattabmoc ed etuaf - بحسب عبارة الشاعر الفرنسي، بل لأن الحركة الوطنية تلك، التي كانت تضم بين صفوفها الغالبية الساحقة من يسار تلك الفترة، عجزت عن الاحتفاظ بجوهر مشروعها الديموقراطي والسياسي الإصلاحي وعن الحؤول دون تحوّل المواجهة إلى صراع طائفي دموي مقيت، ساهم تدخل دمشق العسكري آنذاك إلى جانب قوى اليمين الرجعي المحلي في تسعير حدّته.
إن الإخفاق المدوي الذي عرفه مشروع يسار السبعينيات في حرب السنتين سوف يسّهل التطورات البائسة اللاحقة، وفي مقدمتها الاجتياح الصهيوني للبنان عام ،١٩٨٢ وخروج المقاومة الفلسطينية مهزومة من لبنان، والتراجع الخطير لوزن قوى اليسار والتقدم أمام نمو القوى الطائفية والدينية، فضلاً عن إطالة أمد الحرب الأهلية وانعكاساتها الوخيمة على أوضاع الشعب اللبناني (والفلسطينيين المقيمين في لبنان) وعلى وعيه وتوجهاته الفكرية والسياسية.
ومع أن اليسار قد عرف كيف يجد لنفسه موقعاً طليعياً رائداً، في تلك الفترة، في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي ودحره عن جزء أساسي من الأرض اللبنانية، لقاء تضحيات جسيمة، إلا أنه فشل في المحافظة على موقعه هذا حتى النهاية، ووجد نفسه مضطراً لمغادرته أواخر الثمانينيات، وذلك لأسباب شتى، أهمها القمع الذي تعرض له على يدي القوى الدينية والطائفية، بتشجيع من النظام السوري الذي استعاد عام ١٩٨٧ ما كان خسره من مواقع عسكرية في لبنان نتيجة اجتياح عام .١٩٨٢ وهو ما ستكون له عواقب وخيمة على وزن هذا اليسار ودوره اللاحق، وإن كان يجب الاعتراف، مع ذلك، بأن حزب الله الذي أريد له احتكار قضية المقاومة العسكرية للاحتلال مذاك، نجح في إجبار إسرائيل على الانسحاب من الشريط الحدودي في العام ،٢٠٠٠ كما نجح بعد ذلك بإفشال الحرب الشعواء التي شنتها إسرائيل على لبنان عام ٢٠٠٦ بهدف تصفية مقاومته ووجودها المسلح. وهو نجاح لا يلغي واقع أن الوزن الفعلي، الذي بات يتخذه الحزب المذكور في الحياة السياسية والاجتماعية ـ الاقتصادية اللبنانية، ومعه شتى القوى الدينية والطائفية السلفية، التي يطلق عليها البعض تسمية الإسلام السياسي، سوف يشكل دائماً عائقاً هاماً دون تحقيق تطلعات اليسار إلى مجتمع ودولة علمانيين ديموقراطيين، ويهدد بصورة أو بأخرى بتسهيل انفجار حروب طائفية ومذهبية تدخل بامتياز في مشاريع إسرائيل والإدارة الأميركية للسيطرة على المنطقة.
إن اتفاق الطائف في خريف عام ١٩٨٩ قد جاء ليشكل تتمة منطقية لهذا الواقع، وان كان سجل بعض النقاط الإيجابية النسبية المتمثلة بوقف الحرب وبإقرار نصّ حول إصلاحات دستورية، وإن جزئية، كان يفترض أن تؤدي في مدى زمني معقول إلى إلغاء الطائفية السياسية. والواقع أنه لا يمكن فهم هذا الاتفاق انطلاقاً فقط من المعطيات والمسببات الداخلية، بل انطلاقا كذلك من علاقته الوثيقة بصفقة أميركية ـ سورية محدّدة أعطت دمشق، للمرة الثانية في العقود الأخيرة، اليد الطولى في ترتيب الواقع السياسي اللبناني بالتنسيق مع العراب السعودي، الذي كان دوره يتنامى طوال الحرب الأهلية اللبنانية، وأصبح أكثر وزناً وفاعلية بكثير، منذ البدء في تطبيق هذا الاتفاق، ولا سيما مع صعود الحالة الحريرية الشديدة الارتباط به. وقد صبّت النتائج الملموسة لهذا الاتفاق ضمن موازين القوى الفعلية المحكومة بالسيطرة السورية ـ حتى خروج الجيش السوري من لبنان في ربيع العام ٢٠٠٥ ـ في اتجاه آخر معاكس يغلب عليه الطابع السلبي، ويتلخّص كما يلي:
أ ـ الاكتفاء من الإصلاحات الدستورية التي نص عليها الاتفاق بالجانب الذي كانت قد نصت عليه الوثيقتان اللتان سبق أن لعبت دمشق الدور الأساسي في إنتاجهما بخصوص الوضع اللبناني، أي الوثيقة الدستورية التي عاد بها من العاصمة السورية الرئيس الأسبق سليمان فرنجية أوائل العام ،١٩٧٦ ثمّ مشروع الاتفاق الثلاثي الذي أُقر في دمشق عام .١٩٨٥ ويتمثل هذا الجانب بالمناصفة في عدد النواب والوزراء، والتكريس الفعلي لطائفية الرئاسات الثلاث، إضافة إلى تحجيم سلطات الرئاسة الأولى لصالح رئيس الوزراء، ومجلس الوزراء مجتمعاً. وهذا ما أبقى الانقسام الطائفي والمذهبي كالنار تحت الرماد، وإن جرى تعديل مواقع الهيمنة على حساب البرجوازية المارونية ولمصلحة نظيرتها السنية بوجهة أخص.
ب ـ تشجيع المحاصصة الطائفية بين شتى رموز السلطة، ولا سيما على صعيد الرئاسات الثلاث، مع ما لازم ذلك من تعزيز للفساد وتسعير فعلي للعصبيات المذهبية والطائفية. أي بالضبط عكس ما كان يفترض أن يحصل فيما لو جرى التطبيق الدقيق لنص الاتفاق، الذي كان سيشكل مدخلاً لضبط تلك الظاهرات، وان كان البعض يعتقد أن الاكتفاء بإلغاء الطائفية السياسية، من دون علمنة الأحوال الشخصية والتعليم، قد يؤدي إلى عكس ما يفترض منه إنتاجه على صعيد وعي الناس ومشاعرهم ومواقفهم وبالتالي على مستوى الواقع السياسي.
ج ـ إن الشكل الذي اتخذه التطبيق الفعلي (الجزئي جداً والمشوّه) لاتفاق الطائف، وما لازم ذلك من مشاعر الغبن المستجدة لدى الكثير من المسيحيين، سيفاقم في ما بعد تشويه قضية الديموقراطية البرجوازية (الممكنة في مجتمع رأسمالي). وهذا ما لمسناه بقوة، في السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد صدور القرار ١٥٥٩ عن مجلس الأمن واغتيال الرئيس الحريري وإخراج القوات السورية من لبنان. فوسط تغير موازين القوى السلطوية لصالح إحلال هيمنة أميركية محل هيمنة دمشق ـ وهو تغير جوبه بممانعة شديدة من جانب أنصار هذه الأخيرة الذين سعوا إلى إحباط مشاريع واشنطن في إطار ما يوصف بالشرق الأوسط الكبير ـ اندرج تشويه الديموقراطية تحت ستار تسمية الديموقراطية التوافقية، المبرّرة بالتعددية الطائفية والمذهبية في المجتمع اللبناني. وقد خيضت على أساس ذلك معركة المعارضة لأجل المشاركة السلطوية على امتداد السنتين الأخيرتين، وهي المعركة التي توّجت بانتصار هذه المعارضة وباتفاق مؤتمر الدوحة المشهور، الذي فك الحجز أخيراً عن انتخاب رئيس للجمهورية، وأعطى حزب الله وحلفاءه سلة المطالب التي كانوا ينادون بها.
ثانياً: الوضع الاقتصادي ـ الاجتماعي المأزوم
١ـ لا يمكن النظر إلى الوضع الاقتصادي ـ الاجتماعي بمعزل عن سياقه العام الذي شهد في العقود الأخيرة تعرض البلد لحرب مديدة مركَّبة، أهلية وخارجية في آن معا، أدت، فضلاً عن الخسائر البشرية الهائلة، إلى دمار كبير جداً، طال المدن الكبرى والقرى والأطراف. وقد أوصلت هذه الحرب إلى السلطة، بعد أن وضعت أوزارها، خليطاً من القوى الطبقية، بعضها الأهمّ قادم بشكل أساسي من عالم المال والمصارف المدعوم بتدفقات الرساميل الخليجية النفطية، وبعضها الآخر يتشكّل من قوى الأمر الواقع التي أفرزتها تلك الحرب. وحمل الطرف المهيمن في هذا الخليط برنامجاً لإعادة الإعمار يتبنى بالكامل السياسات النيوليبرالية المنفلتة من عقالها والمستوحاة من تعاظم آليات العولمة الرأسمالية التي تعكس توجّه رأس المال الكبير لتصفية كل الحواجز الوطنية والقومية التي تعترض سيطرته أو تحدّ من قدراته على عبور الأسواق، عبر تسويق اتفاقات الغات وفرض الالتحاق بمنظمة التجارة العالمية والالتزام الدقيق بوصفات المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها.
٢ ـ هذا الواقع عبّرعن نفسه عموماً بسياسات مدمِّرة لاقتصاد البلد، الواهن أصلاً بنتيجة الإعاقات التاريخية التي كانت تحول دون نموه وازدهاره، ولكن كذلك بسبب الحرب المتمادية الطويلة التي أنهكته. وقد أدت هذه السياسات عملياً إلى تراجع كبير في القطاعين الإنتاجيين الأساسيين، الصناعة والزراعة، لصالح المضاربات المالية والعقارية، وإلى إمساك البرجوازية المصرفية والمالية عموماً بالخيوط الأساسية لفروع النشاط الاقتصادي المختلفة، وذلك في جو من الهدر في موازنات الدولة، وتعميم في حالة الفساد والإفساد، بالترافق مع انخراط متزايد في سياسة استدانة داخلية و»خارجية« شرسة عبر الإفراط في بيع سندات الخزينة والتلاعب بقيمة الفائدة لصالح المصارف الدائنة، وبوجه أخص تلك التي يمتلكها أو يمتلك الجزء الأكبر من أسهمها النافذون من أهل الحكم. علماً بأن الجزء القليل فقط من هذه الديون، التي وصلت رسميا إلى ما يزيد عن ٤٥ مليار دولار، قد أنفق فعلا على الإعمار (يقدره الخبراء الاقتصاديون بما لا يزيد على السبعة مليارات من الدولارات)، فيما ذهب الباقي، في معظمه، هدراً ونهباً، وفوائد ذات طابع جرمي.
٣ ـ إن ذلك قد تزامن مع تراجع مشهود وخطير في وزن القوى الاجتماعية والسياسية القادرة على مقاومة الهجوم النيوليبرالي الرأسمالي، والمتمثلة في أحزاب اليسار والحركة النقابية عموما. وقد ساهم في إضعاف هذه القوى خضوع البلد إجمالاً للسيطرة الخانقة للنظام السوري. يضاف إلى ذلك إصرار الحكومات المتعاقبة، بصورة واعية ومقصودة، على توجيه مزيد من الضربات لكل الأدوات الطبقية القادرة على تشكيل سد في وجهها، الأمر الذي سهّل تحميل أوسع الطبقات الشعبية المتوسطة والفقيرة وزر تلك السياسات وأعباءها وتكاليفها. ولم يطل ذلك فقط الأحزاب والمنظمات السياسية اليسارية، إجمالاً، بل كذلك وبوجه خاص الاتحاد العمالي العام والحركة النقابية، بصورة عامة، وذلك بالتنسيق والتوافق الوثيقين مع سلطة الوصاية وأدواتها المحلية. وقد كان من بين نتائج تلك السياسات تراجع مشهود في معدلات نمو الاقتصاد المحلي ككل، وانحسار الاستثمارات المنتجة وفرص العمل، والازدياد الكبير في التفاوت الاجتماعي والمناطقي، مع انتشار ظاهرات الفقر والتهميش إلى حدودها القصوى، بالتلازم مع هجرة كثيفة، على صعيد الكفاءات العلمية والتقنية وخريجي الجامعات.
٤ ـ كل ذلك كان يكشف حقيقة أن الأزمة هي أزمة نسق تاريخي للتطور الاقتصادي، أي أزمة نموذج زادته تفاقماً السياسات الاقتصادية ـ الاجتماعية لمرحلة ما بعد الحرب الأهلية، وهو نموذج لا يمكن إصلاحه في ظل التحالف الطبقي ـ الطائفي الحالي. وأبرز سمات النموذج تتحدد على الشكل التالي:
ـ إنه نموذج اقتصرت محددات النمو فيه على رافعتين تقليديتين أساسيتين هما الاستهلاك، من جهة، والاستثمار في المضاربات العقارية والمالية، من جهة أخرى، فيما أهملت إجمالاً الرافعات القطاعية الأخرى، ولا سيما تلك المرتبطة أساساً بالعلم والثقافة والأنشطة المولدة للقيمة المضافة العالية.
ـ وهو نموذج أدى إلى فتح الأبواب على مصراعيها أمام تصدير الموارد البشرية، ولا سيما المؤهلة وعالية التأهيل بينها، وبوجه أخص على صعيد العناصر الشابة، وذلك بدلاً من تصدير السلع والخدمات التي تتمتع بميزات عالية الجودة.
ـ وهو نموذج قام في الجوهر، في خلفيته الاجتماعية والسياسية،على تحالف طبقي ضيق يجمع حيتان المال والمصارف، بوجه أخص، إلى زعماء الطوائف وأمراء الحرب، بحيث يلعب كل من هؤلاء دوره، مع محاولة إسباغ شرعية رسمية وشعبية طائفية على خيارات اقتصادية ـ اجتماعية يحاولون تصوير أنها تخدم مصالح أوسع المواطنين، فيما هي تخدم أساساً مصالح القوى التي يتشكل منها هذا التحالف وشبكة المنتفعين من الأزلام والأتباع.
ـ وهو نموذج أخضع السياسة المالية لأغراض السياسة النقدية، وكرَّس بنية للإيرادات الضريبية متحيزة بشدة ضد مصالح غالبية المواطنين، في شكل ضرائب غير مباشرة تقتطع مما تبقَّى من مداخيل شحيحة للسكان المحليين، بعد أن كان قد قوّض منذ عام ١٩٩٣ مرتكزات الضريبة التصاعدية.
ـ وهو نموذج تعامل مع المسألة الاجتماعية كحقل للهدر بامتياز ولتبادل المنافع بين مكونات التحالف الطبقي، والتشكيلات المذهبية والطائفية التي يدعي تمثيلها، بعيداً عن أي رؤية استراتيجية للتنمية الاجتماعية يتساوى إزاءها المواطنون، انطلاقاً من حقهم في العلم والصحة والسكن والعمل، والمساواة الاجتماعية، والشروط البيئية الفضلى، والتقاعد والضمانات وسائر أوجه الحماية الاجتماعية.
ثالثاً ـ بعض الخلاصات والتوجهات الإجمالية
إن التنمية الاقتصادية ـ الاجتماعية لا يمكن أن تكون مستعارة أو مستوردة (مؤتمرات باريس ١ و٢ و٣ وما شابهها)، وهي لا تتحقق فقط عبر تدفقات أموال النفط، أكانت عربية خليجية أو إيرانية أو غيرها. فأقصى ما يمكن أن يترتب على ذلك تقديم منعشات مؤقتة جداً لا تؤمن أي حل جدي لمسألة تزايد الفقر والبؤس. لا بل إن الأسوأ من ذلك أنها تجعل الفقراء المتزايدين باستمرار، ولا سيما في الأطراف، مطية لحيتان السلطة السياسية والمال، بتسهيل من تدفقات الأموال تلك. والسعي الجدي لإيجاد حلول دائمة للمعضلات الاقتصادية والاجتماعية يتم بالضرورة عبر إعادة بناء أسس الدولة والإصلاح السياسي الجذري، وكسر نظام التوافقات الفوقية للقوى السياسية والطبقية المسيطرة. وتشكّل هذه السيرورة عملية مركبة، وهي تتطلب خوض كل أشكال النضال الطبقي والاجتماعي من جانب أصحاب المصلحة في التغيير، عبر حركة شعبية ونقابية كفاحية تتجاوز أطر الاصطفافات الطبقية ـ الطائفية السائدة. ويفترض بهذه العملية ألا تسهم فقط في تقريب المواطنين عموماً من العدل الاجتماعي والتحرر والمساواة، بل أن تشمل أيضا بتلك الأهداف كل الشغيلة والمنتجين والفقراء من شتى الجنسيات والأجناس، ومن ضمنهم العمال والعاملات الأجانب، ولا سيما الخادمات اللواتي يتعرضن لاضطهاد مركّب مشين يجب أن تحول الدولة والقوانين اللبنانية دون استمراره. وذلك من دون أن ننسى الفلسطينيين، بوجه أخص، الذين يجب ضمان حقوقهم في شتى المجالات الإنسانية، بما في ذلك شمولهم بالحق في العمل والتملك وسائر الضمانات الاجتماعية طالما هم فوق الأراضي اللبنانية. إن إعادة بناء الدولة ضمن هذا المنظور، توفّر الأساس الموضوعي للربط العضوي ما بين مقاومة الشعب اللبناني، بشتى أشكالها، ضد إسرائيل والقوى الإمبريالية، من جهة، ومقاومة هذا الشعب للسياسات الاقتصادية الرجعية الموصوفة، من جهة ثانية، وللإسهام جدياً في تحرير لبنان من مخاطر الارتهان السياسي والاقتصادي للخارج.
١ـ البديل المطلوب ودور اليسار على المستوى السياسي
إذا كان البعض يرى أن الرد على الواقع الراهن المفتوح باستمرار على احتمالات الصدام العسكري والانفجار الأهلي، يتمثل في التطبيق السليم والكامل لاتفاق الطائف، خصوصاً في المسائل المؤجلة إلى الآن والتي قد تكون لها سمة ديموقراطية، إلا أن ذلك يبقى قاصراً عن تأمين المعالجة الجذرية لأزمة النظام اللبناني، من دون إجراء جملة من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية. وهذه المهمة تبدو في ظروف بلادنا اليوم مهمة تاريخية، ومن دون إنجازها سوف يكون من الصعب بل من المستحيل العبور بالشعب إلى مناخ مختلف جذرياً قوامه وحدة شعبية راسخة ومؤسسات ديموقراطية عصرية، وامتلاك للقدرات الذاتية التي تتيح مواجهة التحديات المستجدة في الداخل والخارج، فضلاً عن التحديات التي يطرحها وجود إسرائيل العدواني ومخططاتها ضد لبنان وأرضه ومياهه ودوره المقاوم، ومشاريع الإدارة الأميركية بخصوص المنطقة العربية ككل ومن ضمنها لبنان.
هذا ولقد كان اتفاق الطائف ـ مثله مثل الميثاق الوطني، وأي اتفاق آخر في تاريخ الدولة والمجتمع اللبنانيين، يعيد تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، ويحدد الخيارات المستقبلية بخصوصهم ـ عملاً فوقياً يتم في كواليس السلطة، أو في اجتماعات رموز الطبقة السائدة ومؤتمراتهم، وفي أحيان عديدة بإسهام أساسي للقوى النافذة الإقليمية والدولية، وتحت تأثيرها. وهو الأمر الذي يجعل من بين المهام التي يفترض أن يضطلع بها اليسار اللبناني تنظيم حملة شعبية حول مطلب انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستوراً جديداً للبلد ينتقل به من نظامه السياسي الطائفي الراهن إلى نظام علماني ديموقراطي.

 

 

الرؤيـة السياسـية والبرنامجيـة الشـاملة للقـاء اليسـار التشـاوري (٢)

الرؤية السياسية والبرنامجية الشاملة للقاء اليساري التشاوري (١)

 

 


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
تعليقات القراء عدد الردود: 0