الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأحد 22 تمور 2018
بيانات/نداءاتتقاريرالمؤتمر الدائم للحوار اللبنانيلبنان في مجلس الأمننداءات مجلس المطارنة الموارنةمحكمة من أجل لبنانانتخابيات
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2008-11-13الكاتب:المصدر: « السابق التالي »
 الرؤيـة السياسـية والبرنامجيـة الشـاملة للقـاء اليسـار التشـاوري (٢)
 
عدد المشاهدة: 1221

تنشر »السفير« اليوم الحلقة الثانية من الوثيقة التي طرحها اللقاء اليساري التشاوري للنقاش العام بعد استكمال النقاشات الداخلية وإقراره في لجنة الصياغة المكلفة من اللقاء. وتأمل »السفير« مع واضعي الوثيقة بأن تشكل هذه الأخيرة مدخلاً ملائماً للبحث في أوضاع اليسار اللبناني في ظل التغيرات الكبرى التي يشهدها بلدنا وعالمنا.

 

اولاً: الهجمة الأميركية الجديدة، الأهداف والوسائل
لم تنتظر الإدارة الأميركية اكتمال سيرورة الانهيار المتسارع للمعسكر الشرقي كي تفصح علانية عن استعدادها لخوض حروب مباشرة بهدف تأكيد هيمنتها الأحادية على منابع الطاقة في المنطقة العربية، كمدخل أساسي للسيطرة على الاقتصاد العالمي. وهو ما سيتبدّى منذ حرب الخليج الثانية عام ،١٩٩١ التي أطلق خلالها الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الأب، حملة عسكرية على العراق اثر غزو صدام حسين للكويت، وحشد لها جيوشاً من عشرات الدول، من ضمنها العديد من الدول العربية. وسيتعزّز هذا النهج مع وصول المحافظين الجدد، بقيادة بوش الابن، إلى موقع القرار في الإدارة الأميركية، لا سيما بعد عملية ١١ أيلول ،٢٠٠١ التي نفذتها منظمة القاعدة ووفّرت لواشنطن الحجة لتحقيق أهدافها الإمبراطورية عبر الغزو والاحتلال المباشر.
١ ـ الأهداف
إذا كان هدف واشنطن الأهمّ هو تعزيز هيمنتها العالمية، فبالنسبة الى المنطقة العربية وجوارها تبرز أهداف محدّدة، بين أهمها استكمال استتباع الأنظمة العربية، وتصفية القضية الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي والمقاومات التي لا تزال قائمة هنا وهناك، وبوجه أخص في فلسطين ولبنان والعراق. وتندرج هذه الأهداف في إطار العمل على اقامة شرق أوسط جديد، كشكل أمثل لتحقيق مصالح أميركا الاستراتيجية وكذلك مصالح إسرائيل.
٢ ـ الوسائل والأدوات
وتحقيقاً لهذه الاهداف لجأت الادارة الاميركية الى مجموعة من الوسائل، بين اهمها:
أ ـ الاحتلال المباشر: فبعدما كانت الامبريالية، التي تلت الاستعمار المباشر، هي الشكل الذي اتخذته الهيمنة الكولونيالية على بلدان العالم الثالث، والذي تميّز باستنزاف مواردها الطبيعية والبشرية واستتباع السلطات السياسية والتحالف الطبقي المسيطر فيها، تستعيد الامبريالية اليوم سمات أساسية للاستعمار التقليدي، عبر الاحتلال المباشر كما حصل في العراق في الحرب الاميركية الثانية عليه، التي تمت في شتاء ،٢٠٠٣ وقبل ذلك في افغانستان.
ب ـ استكمال عملية التجزئة التي بدأت مع اتفاقية سايكس ـ بيكو، بمساع جديدة لتفتيت العديد من دول المنطقة على أسس عرقية وقومية ودينية وطائفية، كما يحدث حالياً في العراق، وكما يتم التخطيط له في لبنان والسودان وبلدان عربية أخرى، وذلك بغرض تسهيل السيطرة عليها، وضرب إمكانات مقاومتها للمشاريع الاميركية والصهيونية.
ج ـ تحويل الصراع القائم في المنطقة، ولا سيما الصراع العربي ـ الإسرائيلي، إلى صراع يضع هذه الدول أو معظمها، وبخاصّة ما بات يُعرف بدول الاعتدال ذات الغلبة الطائفية السنية، في مواجهة ما سمّاه الملك الأردني الهلال الشيعي، ومن ضمنه إيران. ولا ينعكس هذا المسعى فقط في محاولات تأجيج الصراع المذهبي، بل ينعكس أيضاً في محاولات تأجيج صراع قومي مقيت كان بدأه صدام حسين حين شن حربه على إيران عام ،١٩٨٠ وتريد كل من الإدارة الأميركية وإسرائيل، بالتعاون مع الأنظمة العربية الضالعة المتهافتة، أن يتجدد بأشكال شتى، تسهيلاً لإسقاط النظام الإيراني، الذي يربك المخططات الأميركية والإسرائيلية. فطهران التي تنفذ برنامجاً طموحاً جداً لتخصيب اليورانيوم وتتطلع إلى موقع إقليمي متقدّم، تدعم العديد من المقاومات الوطنية (الإسلامية) في المنطقة العربية. وهذا ما يطول سلباً المشروع الأميركي للهيمنة على المنطقة، كما يطول تطلعات إسرائيل للإبقاء على جبروتها العسكري، الذي هزته مواجهة حزب الله الظافرة في حرب تموز ،٢٠٠٦ إضافة إلى صمود المقاومة في غزة، بقيادة حركات إسلامية حاظية بالدعم الإيراني. كذلك فانه يربك حسابات الأنظمة العربية المستسلمة لواشنطن، والتي باتت موضوعياً في حالة تحالف مع إسرائيل.
بيد أنه في موازاة هذا الدور الإيجابي النسبي الذي يضطلع به النظام الإيراني في مواجهة الإدارة الأميركية وإسرائيل، يبرز في المقابل دور سلبي لهذا النظام الذي سهَّل الاجتياح الأميركي لكل من أفغانستان والعراق، ضمن حساب المصالح الخاص به، ودعم ولا يزال قوى وأحزاباً سياسية عراقية متعاونة مع الاحتلال. وتضاف إلى ذلك غلبة الطابع الديني (الرجعي) على ذلك النظام الذي لا يتوانى عن قمع الحريات الديموقراطية والتعددية السياسية، وإعاقة تحرر المرأة وحرمانها من مكاسب كانت حظيت بها، حتى في ظل النظام الرجعي الإمبراطوري السابق. كذلك فان النظام المذكور يحافظ على الطبيعة الطبقية للسلطة، بما هي سلطة برجوازية تابعة، مع ما لذلك من تبعات على الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء وباقي الفئات الاجتماعية المهمَّشة، ناهيكم عن قمعه للتطلعات القومية المشروعة للقوميات غير الفارسية. وانطلاقاً من ذلك، يمكن إدراك ضرورة اتخاذ موقف متحفظ ونقدي ليس فقط تجاهه، بل أيضاً تجاه الحركات والأحزاب الإسلامية الحاظية بدعمه في وطننا العربي. وفي الوقت عينه ينبغي تدارك المخاطر الأشدّ أثراً لأحصنة طروادة الأخرى في المجتمعات العربية، المتمثلة في الحركات الإسلامية السلفية، على اختلافها، وبخاصة منظمة »القاعدة« التي تسهِّل، موضوعياً، المخطط الأميركي ـ الإسرائيلي، وتلقى الدعم المالي واللوجستي من أجنحة أساسية في النظام العربي، ولا سيما داخل النظام السعودي.

ثانياً: دور اليسار ومسؤولياته
إن شراسة الهجمة الأميركية الحالية ومخاطرها على المنطقة وشعوبها الرازحة تحت نير أنظمة التبعية والاستسلام، تتطلب تعبئة أوسع الفئات والقوى الاجتماعية والسياسية الوطنية والتقدمية وتنظيم جهودها في إطار برنامج شامل للمواجهة. والتناقض الأساسي الذي يفترض أن تتصدى له هذه القوى إنما هو التناقض مع المشروع الإمبريالي الأميركي والصهيونية العالمية، ومع النظام الرسمي العربي في تركيبته الراهنة. وهذا التناقض، إذ يحدد الأعداء المباشرين فإنه يحدد معهم طبيعة البرنامج النضالي وأولوياته، ومن ابرز عناوينه:
١ ـ مقاومة الهجمة الأميركية ـ الصهيونية
ولأجل ذلك لا بد من الالتزام بالخطوات التالية:
أ ـ أن يتخذ اليسار موقعه الطبيعي في مقاومة الهجمة الأميركية ـ الصهيونية المتمثلة اليوم بالاحتلال المباشر والتهديد بالاحتلال والحرب، وأن تأخذ هذه المقاومة كل الأشكال الممكنة، عسكرياً، وسياسياً، واقتصادياً وثقافياً، الأمر الذي يؤكد تلازم النضالين الوطني والاجتماعي، كوجهين للصراع الطبقي في بلادنا.
ب ـ أن يبلور صيغة ملموسة للعمل المقاوم تستند الى جبهة تضم شتى قوى اليسار في لبنان، وتعمل بالتنسيق الوثيق مع المقاومة الإسلامية متمثلة بحزب الله.
ج ـ أن يطوّر الآليات المناسبة لتنسيق العمل المقاوم على المستوى العربي وتوحيد النضال في ما بين شتى أطرافه ضد الأعداء المشتركين، بما يساعد في عزل وحصار القوى الدخيلة عليه التي تخدم عملياً المشروع الأميركي ـ الصهيوني، ولا سيما تلك المحسوبة على منظمة القاعدة الإرهابية المشبوهة وأشباهها.
د ـ أن ينشر ثقافة المقاومة بما يؤمن أوسع انخراط شعبي فيها وأوثق التضامن المدني معها، والتوجه الجدي الحثيث نحو تأمين أقصى درجات التعاون والتضامن مع حركات المقاومة والنضال المعادي للإمبريالية، عبر العالم.
إن مواجهة المشروع الأميركي ـ الصهيوني تقتضي النضال الدائب من اجل: تصفية القواعد العسكرية الأميركية من كامل المنطقة العربية والدول المجاورة، بما فيها تركيا؛ وإزالة الاحتلال الأميركي للعراق وإحباط التهديدات بالمزيد من الاحتلال؛ ووقف الهجمة الإسرائيلية المتمادية ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، ومواجهة الأشكال المختلفة لاضطهاد فلسطينيي الأراضي المحتلة عام ،١٩٤٨ وصولا إلى تحرير الأراضي المحتلة في حزيران ،١٩٦٧ كخطوة على طريق ممارسة الفلسطينيين لحقهم في تقرير مصيرهم على كامل أرضهم في فلسطين التاريخية.
٢ ـ الوحدة العربية مجدداً وقضية الأقليات
بالتلازم مع التراجع الخطير للوعي القومي العربي بسبب الهزائم المتعاقبة، تظهر تجزئة الأمة العربية اليوم ـ واكثر مما في أي وقت مضى ـ كتجزئة معاكسة للتقدم التاريخي. فهي تقف عائقاً في وجه التطور الاقتصادي للمنطقة العربية، ولا سيما في ظل أنساق العولمة الراهنة، عبر منعها قيام سوق عربية موحدة وحيلولتها دون مواجهة الآثار السلبية لهذه العولمة على الاقتصادات العربية. فالتوحيد القومي العربي يبرز كضرورة تاريخية واقتصادية: فهو الشرط الذي لا غنى عنه لإنجاز تصنيع حقيقي للبلدان العربية ضمن شروط دقيقة لحماية البيئة، ولإنضاج إصلاح زراعي جذري يؤّمن الاستخدام السليم للأرض وترشيد الاستثمار للموارد المائية، والتفاعل بشكل أعمق مع الثورة التقنية والعلمية. وتتطلب عملية التوحيد هذه طاقات ثورية هائلة، حيث أن ضرورات المجابهة لا تقتصر على أطر قطرية أو محلية وحسب، بل هي تشمل مواجهة الإمبريالية العالمية أيضاً. ويجب التمييز بوضوح تام بين المهام القومية الثورية من جهة والنزعة القومية »الماضوية« التي تشكل من جهة ثانية عائقاً على طريق التغيير الثوري، وتؤخّر تشكّل الوعي الطبقي لدى الجماهير العربية.
وينبغي الاعتراف أن مشكلات قومية أخرى قد أضيفت إلى المسألة القومية العربية، من جراء التقسيم الإمبريالي للمنطقة العربية، ومن ضمنها مشكلة الجماعات البربرية غير المعربة ومشكلة الأكراد، فضلاً عن مشكلة السكان اليهود في دولة إسرائيل. إن اللقاء اليساري ينظر إلى توحيد الأمة العربية من وجهة نظر أممية بحتة، إذ لا يمكن أن يكون التوحيد مفروضاً ضد إرادة أحد الشعوب. وعلى هذا اليسار أن يقرّ بحق الجماهير البربرية في تقرير مصيرها، في الوقت نفسه الذي يشجعها فيه على الاندماج في المنطقة العربية مع احترام خصائصها الثقافية. وينطبق هذا الأمر أيضاً على الأقليات القومية المضطهدة في موريتانيا وجنوب السودان وكردستان العراق، والمناطق الكردية في سوريا، حيث ينبغي احترام حقّ هذه الأقليات في تقرير مصيرها بنفسها.
أما الوضع الإسرائيلي فمختلف تماماً. فالأغلبية اليهودية في دولة إسرائيل الحالية أقامت اضطهادها أساساً على طرد السكان الأصليين العرب. وبهذا المعنى فان الموقف الثوري الوحيد هو الاعتراف بالحق الكامل وغير المشروط للشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره، أي حقه في العودة إلى مجمل الأراضي التي طرد منها وفي العيش متحرراً من كل اضطهاد قومي، واستيفاء الشروط التي تمكّنه من الممارسة العملية لهذا الحق. ويقتضي هذا تفكيك الدولة الصهيونية القائمة على أسس عنصرية، بالتلازم مع معالجة مسألة حقوق الأقلية القومية اليهودية في فلسطين. وترتبط هذه المعالجة بإنجاز المهمة التاريخية الضرورية للثورة العربية، ونجاحها في إطلاق سيرورة قادرة على استقطاب الجماعات اليهودية بعيدا عن الصهيونية. ولا يمكن تصوّر إنجاز هذه المهمّة بمعزل عن تحول ثوري في عموم الشرق الأدنى، مع توفير موازين القوى التي تسمح بتحرير فلسطين من السيطرة الصهيونية والإمبريالية؛ وقد يعني هذا اقتران عملية تفكيك الدولة الإسرائيلية بزوال دول عربية أخرى، باتجاه خلق دولة عربية موحدة. هكذا فان الطابع القومي للثورة في الشرق الأدنى لا تحدده قضية الشعب الفلسطيني فحسب، بل أيضاً وبالأخص المشكلة العامة للوحدة العربية، وذلك ضمن سيرورة يفترض أن تدمج المهام الوطنية الديموقراطية بمنظور التحوّل نحو الاشتراكية.
٣ ـ المهام الوطنية الديمقراطية والمنظور الاشتراكي
لقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة تراجعاً واسعاً في وزن اليسار العربي، وفي القلب منه الأحزاب الشيوعية العربية، التي فوّتت ـ بسبب ضخامة مشكلاتها العضوية الذاتية وتقيّدها بتوجيهات المركز الستاليني وبنظرياته حول مسألة المراحل والتحالفات الطبقية ـ فرصاً ذهبية في اكثر من بلد عربي لطرح برامج متقدمة وفرض تحقيق أجزاء أساسية من تلك البرامج، خصوصا على مستوى المهام الوطنية الديموقراطية. وفي مرحلة أولى حصل هذا التراجع في مصلحة القوى القومية البرجوازية الصغيرة التي تنطحت، هي بالذات، لتنفذ على طريقتها، وبالقدر الذي تسمح به حدودها الطبقية، بعضاً من تلك المهام، منتجة ثورات ناقصة وفارضة على تلك الأحزاب عموما اللهاث خلفها والالتحاق بقيادتها . وحصل التراجع في مرحلة ثانية، ولا سيما في العقدين الأخيرين، لمصلحة قوى إسلامية استفادت من إخفاق تلك الأحزاب كي تتموضع في واجهة النضال الوطني. إن هذا الأمر يستدعي من اليسار اللبناني، بوجه خاص، واليسار العربي عموما، العمل على اكتشاف الطرق والآليات المناسبة لتجاوز هذا العجز وتجسيد ما تطرحه من مهام، بالتلازم في الوقت نفسه مع محاولة الإفادة من الجانب الإيجابي من عمل تلك القوى الإسلامية في إطار مقاومتها للاحتلال. والمقصود هنا بوجه أخص ما يضطلع به حزب الله من دور متقدم في مواجهة الدولة الصهيونية، وما تضطلع به ضمن حدود أدنى، القوى الإسلامية الفلسطينية، كحماس والجهاد الإسلامي، من دور إيجابي نسبياً في مواجهة العدو عينه، ومناهضة سياسة الاستسلام لدى السلطة الفلسطينية. وينبغي أن لا يؤدي هذا التوجه إطلاقاً إلى خلط الرايات أو الامتناع عن نقد الحليف الموضوعي المؤقت، على الصعيد الإيديولوجي والاقتصادي والاجتماعي والممارسة السياسية. ذلك أن هذه الإيديولوجيا المحكومة برؤية سلفية، تبقى معرضّة لاستجرار أشكال من الظلامية والتأثير سلبا على قضية المرأة وعلى المسألة الديموقراطية عموما، إضافة إلى واقع تخلّف برامجها الاقتصادية ـ الاجتماعية، العاجزة عن الخروج عن الإطار الرأسمالي التابع. إن هذه المخاطر هي من النوع الذي لا يكتفي بإعاقة التغيير الجذري للبنى المتحجرة لمجتمعاتنا العربية، بل يعرقل أيضاً سيرورة التحرر من الهيمنة الإمبريالية على منطقتنا، ومن الدور الموكل إلى إسرائيل في هذا الإطار.
إن ذلك يستتبع ضرورة حرص اليسار على الالتزام ببرنامج واضح يتضمن مهام وطنية ديموقراطية أساسية، بين أهم بنودها قضايا التحرر القومي وإزالة الاحتلالات والقواعد العسكرية من الأرض العربية، وإطاحة الديكتاتوريات وإطلاق الحريات الديموقراطية، وإلغاء قوانين الطوارئ، وفرض انتخابات نزيهة في كل مواقع السلطة، على أساس النسبية والمساواة الكاملة بين المواطنين والدفاع عن التعددية ودولة القانون وتحرير المرأة، وإحداث إصلاحات اقتصادية جذرية تحدّ من غلبة اقتصاد الريع والتبعية للشركات والأسواق الأجنبية وتضمن تنمية مستدامة للقدرات الوطنية والموارد البيئية، وتفعّل استعادة الأدمغة المهاجرة. وينبغي أن يتلازم هذا المسعى مع بلورة وتنفيذ استراتيجية اجتماعية تحمي مصالح العمال والفئات الوسطى والمهمّشة، عبر سياسات نقدية ومالية وضريبية وتوزيعية تسترشد بمثل العدالة والتنمية الاجتماعية والتقدم الاقتصادي، ويكون من ضمن أهدافها تحسين وزيادة القيمة الحقيقية للأجر وتعزيز الطابع التصاعدي للنظام الضريبي وتوسيع حجم ونوع الضمانات الاجتماعية، ومكافحة الفقر والبطالة والتهميش والتمييز الاجتماعي واحترام حقوق العمال الأجانب. ويجب أن تكون هذه التوجّهات جزءاً لا يتجزّأ من برنامج الانتقال نحو الهدف الأساسي لليسار أي بناء الاشتراكية.
إن الوطن العربي مرشّح لأن يشهد في المدى المتوسط وربما القريب مواجهات شرسة من النوع الذي من شأنه تسريع أفول الإمبراطورية الأميركية. وهذا ما سوف يضعف هيمنة واشنطن وقدرتها على حماية حلفائها في الخليج ومصر وباقي الوطن العربي، ويشجع انعتاق الجماهير العربية التي تضامنت مع المقاومة اللبنانية خلال مواجهتها لعدوان تموز ،٢٠٠٦ مفسحاً في المجال أمام تحرير الثروات والموارد العربية من شبكات المصالح الإمبريالية. ونحن نؤكد على ذلك، بوجه أخص، في مرحلة نشهد فيها كيف يجري تضييع هذه الثروات والموارد هباءً، وفي حين نرى آلاف المليارات من دولارات النفط العربية ـ ثلاثة آلاف مليار بحسب بعض التقديرات ـ توضع في مصارف الغرب، وتوظف في البورصات الأميركية وتتعرض لعواقب الانهيارات المالية على شاكلة تلك التي حدثت أخيراً في الولايات المتحدة، وانعكست سلباً وإلى أبعد الحدود على العالم الرأسمالي بأسره، ومن ضمنه الدول العربية، وبوجه أخص المملكة السعودية وباقي الممالك والإمارات الخليجية. علماً بأنه وحدها الخسائر التي منيت بها هذه الأخيرة في تلك الانهيارات ـ وقد قُدِّرت بعد مرور أقل من أسبوع على بدئها، بأكثر من مئتي مليار دولار ـ لو وظفت في تنمية المنطقة العربية لأمكن أن تلعب دوراً حاسماً في تصنيعٍ متقدمٍ لها وفي تطوير قدراتها الزراعية الكامنة، إلى الحد الذي قد تُحَلُّ معه مشكلة العوز والبؤس لمئات الملايين من أبنائها، وتتم استعادة أعداد غفيرة من الأدمغة المهاجرة، مع وقف هجرة المزيد من هؤلاء، ما يسهم بصورة حاسمة في استكمال شروط لحاق الوطن العربي بالعالم المتقدم. ونحن نقول الخسائر المعترف بها في الأيام الأولى للانهيار، فكيف لو تحول التوظيف، عربياً، ليشمل الجزء الأكبر من الإيداعات والتوظيفات الخليجية في الغرب!
إن تطورات كتلك الواردة أعلاه، فيما لو حدثت، سوف تجعل قضية الاشتراكية قضية راهنة في وعي الجماهير العربية الواسعة، ولا سيما إذا نجح اليسار العربي، ومن ضمنه اليسار اللبناني، في أن يضطلع بشكلٍ حيّ بالمهمات والإصلاحات البرنامجية الملقاة على عاتقه.
وكما اضطلع الشعب اللبناني بدور ريادي في مواجهة إسرائيل ـ لم يسبق لأيّ من الدول العربية أن لعبته ـ سوف يكون على اليسار اللبناني أن يضطلع هو الآخر بدور ريادي، ليس فقط في قيادة الشعب اللبناني نحو إحداث التغيير الجذري في البنى اللبنانية المتحجرة، بل كذلك في تفعيل اليسار العربي وإعداده لاستقبال تطورات الحقبة القريبة القادمة، انطلاقا من توازنات للقوى تتيح له تجاوز مسار الهزائم القاتلة، التي أنتجتها قيادة طبقية محكومة بالتجزئة القطرية والتبعية للمركز الإمبريالي والاستسلام أمام إسرائيل، ناهيكم عن انحيازها ضدّ مصالح الجماهير الشعبية العربية ووعيها. وسوف يشكّل الفشل أو النجاح في الارتقاء بهذا الوعي مستقبلا، حلقة مفصلية وحاسمة على مفترق يؤدي إما إلى المزيد من الانهزام وإما إلى التأسيس لحقبة جديدة تنجز خلالها مهمات »العملية الثورية التاريخية« في الإطار العربي.
ـ ٣ ـ
لبنان
في نظامه السياسي الطائفي المترهل
وواقعه الاقتصادي ـ الاجتماعي المأزوم

لا يمكن الفصل بين النظام السياسي الطائفي المترهل في لبنان، وواقع هذا الأخير الاقتصادي ـ الاجتماعي المأزوم. فثمة ارتباط وثيق بين استمرار النظام الطائفي المذكور وطبيعة السلطة الطبقية المهيمنة، من حيث هي سلطة برجوازية تابعة استعصى عليها التحوّل الى برجوازية وطنية حقيقية ضمن شروط عصر الإمبريالية، وتفاقم هذا الاستعصاء في الطور الحالي لذلك العصر، المتمثل بالعولمة الرأسمالية، في وقت لم يفلح فيه اليسار المحلي في قيادة تحالف اجتماعي متقدم نحو الانخراط في سيرورة قادرة على إنجاز المهام الوطنية والديموقراطية.
ان مناقشة هذه المسائل ترمي الى الاحاطة بالوضع اللبناني المعقّد والمتأزم، وما ينطوي عليه من احتمالات متفجرة ومخاطر كامنة، مع التأكيد أن الحؤول دون هذه الأخيرة بات رهناً، اكثر فأكثر، بقيام يسار جماهيري يمتلك برنامجاً متقدماً للتغيير الديموقراطي الجذري.
أولاً: النظام السياسي الطائفي المترهل
يعيش لبنان، منذ نشأته في اطار كيانه السياسي الحديث، أزمة متمادية تنفجر احياناً ثم تنتقل أحياناً أخرى الى مرحلة من الكمون المتفاوت، لتعود فتنفجر مجدداً كلما احتدمت تناقضات النظام السياسي وانعقدت على تناقضات إقليمية ودولية تحفز هذا الانفجار او تسرّعه. وتكمن الازمــة المتمادية هذه في عجز النظام القائم عن مواجهة مواطــن الخلل البنيوية التي تنخر مرتكزاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عبر آليات ثلاث أساسية:
أ ـ البنية الطائفية الموروثة من أيام المتصرفية ومجلس الإدارة الذي أقرت قيامه الدول الخمس الكبرى في الستينيات من القرن التاسع عشر، وكان »ينتخب أعضاءه ويعينهم رؤساء طوائفهم بالاتفاق مع كبراء الطائفة«، بحسب المادة الحادية عشرة من بروتوكول العام ،١٨٦١ التي تعدلت بموجب بروتوكول ١٨٦٤ بحيث بات ينتخب هؤلاء مشايخ القرى، ولكن مع الحفاظ على التمثيل الطائفي في مجلس الادارة المشار اليه. وهذه البنية تكرّست، في الواقع، في ظل الانتداب الفرنسي، سواء عرفاً، عبر التقاسم الطائفي للرئاسات الثلاث الأساسية، أو دستورياً وبنص مكتوب، بخصوص الوظائف والمناصب الإدارية، وفقاً للمادة ٩٥ من دستور العام ،١٩٢٦ الصامد إلى الآن، في جوانب أساسية منه، على الرغم من تأكيد تلك المادة مذاك على الطابع المؤقت لما ورد فيها. ولم يفعل الاستقلال عام ،١٩٤٣ وما سُمّي بالميثاق الوطني الذي تم التوافق عليه بين ممثلي الطائفتين الأكثر بروزاً وغلبة في تلك الحقبة، غير تثبيت هذا الواقع، علماً بان البيان الوزاري الذي على أساسه حصلت الحكومة الاستقلالية الأولى على ثقة المجلس النيابي، أشار بوضوح إلى مكامن الخطر التي ينطوي عليها استمرار الأخذ بالتقاسم الطائفي لمواقع السلطة السياسية، بقوله إن الطائفية »كانت في معظم الأحيان أداة لكفالة المنافع الخاصة كما كانت أداة لإيهان الحياة الوطنية في لبنان إيهاناً يستفيد منه الأغيار. ونحن واثقون انه متى عمر الشعب الشعور الوطني، الذي يترعرع في ظل الاستقلال ونظام الحكم الشعبي، يُقبل بطمأنينة على إلغاء النظام الطائفي المضعف للوطن«، ليعود فيضيف: »إن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في لبنان. وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة بإذن الله!!«. بيد أن حساب الحقل لم يكن ليتفق مع حساب البيدر وهذه الساعة لم تأزف على رغم مرور ٦٥ عاماً على صياغة ذلك البيان!

 

الرؤية السياسية والبرنامجية الشاملة للقاء اليساري التشاوري (١)

 


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
تعليقات القراء عدد الردود: 0