الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأحد 22 تمور 2018
بيانات/نداءاتتقاريرالمؤتمر الدائم للحوار اللبنانيلبنان في مجلس الأمننداءات مجلس المطارنة الموارنةمحكمة من أجل لبنانانتخابيات
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2008-11-12الكاتب:المصدر: « السابق التالي »
 الرؤية السياسية والبرنامجية الشاملة للقاء اليساري التشاوري (١)
 
عدد المشاهدة: 1243

تنشر »السفير« اليوم الحلقة الأولى من الوثيقة التي طرحها اللقاء اليساري التشاوري للنقاش العام بعد استكمال النقاشات الداخلية وإقراره في لجنة الصياغة المكلفة من اللقاء. وتأمل »السفير« مع واضعي الوثيقة بأن تشكل هذه الأخيرة مدخلا ملائما للبحث في أوضاع اليسار اللبناني في ظل التغيرات الكبرى التي يشهدها بلدنا وعالمنا.

حول الأوضاع الدولية الراهنة


يشهد النسق الراهن للرأسمالية المعولمة انهياراً لم تكتمل فصوله منذ صيف عام ،٢٠٠٨ وإن كانت ملامحه قد بدأت في البروز قبل فترة وجيزة، ربما تعود إلى أوائل الألفية الثالثة. وإذ تتركز معالم هذا الانهيار أساساً في أسواق المال والبورصات العالمية ـ عبر إفلاس أو تداعي أو اندماج عدد من كبريات المصارف والمؤسسات المالية وبنوك الاستثمار وشركات التأمين، تحت وطأة تفجُّر أزمة الرهن العقاري التي ضربت الاقتصاد الأميركي قبل نحو عام ـ إلا أن الوقائع المصاحبة للأزمة أو المتولدة عنها في غير بلد من العالم، تؤكد أن هذه الأزمة لا تختصر فقط بأزمة الفقدان المؤقت للسيولة أو بتعاظم المضاربات أو بهشاشة أنظمة الرقابة على الأسواق أو بالاختلال العابر في ثقة المودعين والمستثمرين... بل إن ما يجري اليوم من »تصحيحات« كونية ذات طابع عنيف ومكلف على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، واستطراداً على المستوى السياسي، هو تعبير كامن ومكثّف عن مرحلةٍ انتقاليةٍ بامتياز يعيشها العالم. إنها مرحلة الانتقال المتدرج لهذا العالم من حقبة من التطور الرأسمالي الذي ساده فلتان الأسواق والتطرف النيوليبرالي، إلى حقبة أخرى لم تتوضح فيها إلى الآن معالم التوازن الجديد الذي يفترض أن يعاد إنتاجه بين الدولة والسوق، ولم تتوضح فيها أيضاً المضامين الاجتماعية التي سوف يرتديها هذا التوازن. وغني عن البيان أن محدّدات هذا الانتقال ليست وليدة التطورات والأحداث الراهنة المتسارعة، بل هي تضرب جذورها العميقة في التناقضات البنيوية المعتملة في الطور الراهن من نمو النظام الرأسمالي العالمي، بحسب ما سيجري تناوله أدناه.
ويأتي هذا الانهيار، بغض النظر عن أسبابه الأساسية المرتبطة بالنظام الرأسمالي بحد ذاته، في طوره المعولم، في سياق تطورات سياسية بالغة الأهمية أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي وظهور عالم القطب الأوحد، وانفلات نزعة الخوض في الحروب الإمبراطورية لدى هذا الأخير، ومشاريع تعميم الهيمنة على العالم بأسره، وبوجه أخص على المناطق التي تتجمع فيها النسبة العليا من احتياطي النفط والغاز، ولا سيما في المنطقة العربية، وحتى دول آسيا الوسطى وبحر قزوين. بيد أنه لا بد من التنويه بأن هذه النزعة قد منيت بهزائم حقيقية، كما يظهر بخاصة من نتائج الحربين الأكثر أهمية اللتين خاضهما البنتاغون الأميركي، في هذا العقد، في كل من أفغانستان والعراق، مع عواقب ذلك الوخيمة على الهيبة العسكرية للدولة الأعظم، وأهدافها السياسية. علماً بأن هذا الواقع يتلازم مع تراجعات ملحوظة للطرف عينه في أنحاء متفرقة من العالم: بدءاً بأميركا اللاتينية حيث يتقدم اليسار ويستلم الحكم في معظم دولها، ويصل في تحدي هيمنة واشنطن إلى حدود طرد السفراء، مروراً بباكستان ـ التي سقط فيها حصان سباقها الأساسي، برويز مشرف، ويتنامى رفض جيش هذه الأخيرة للعمليات الأميركية على الحدود بينها وبين أفغانستان إلى حد الاشتباك العسكري ـ، وصولاً إلى لبنان وفلسطين والسودان وحتى الصومال. ناهيكم عن تزايد التحدي الروسي للعجرفة الأميركية الذي عبر عن نفسه بالهجوم على جورجيا ودعم انفصال كل من أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا عن هذه الأخيرة، كرد على قرار نشر الصواريخ الأميركية في بولونيا وتشيكيا، والتمهيد لدخول أوكرانيا وجورجيا الحلف الأطلسي، وعلى الدعم الغربي، قبل ذلك، لانفصال كوسوفو عما تبقى من يوغسلافيا القديمة. وهذا غيض من فيض يكشف تراجع الهجمة الأميركية، والمسار الواضح نحو وضع حد للقطبية الواحدة في اتجاه تعددية قطبية تطالب بها بوضوح دول كبرى عديدة في مقدمتها روسيا والصين، وليست أوروبا الموحدة ضدها، في الواقع، وإن كانت رغبتها في بلوغها لا يزال يشوبها الكثير من التردد و....الحياء! نقول ذلك، من دون أن نعتبر أن الوحش الإمبريالي المترنح قد فقد كامل أنيابه. على العكس، ففي حالة التراجع هذه، يمكن أن يندفع في مغامرات يائسة مدمِّرة جديدة، ولا سيما، كما يعتقد كثيرون، في الأشهر الأخيرة من ولاية بوش التي ستنتهي في كانون الثاني/ يناير القادم. وهو ما تتحسب له، وتعد نفسها لمواجهته، الدولة الإيرانية في الفترة الراهنة.
[[[
ـ لقد فتح انتهاء الحرب الباردة المجال أمام حقبة جديدة على مستوى العلاقات الدولية: انتقال الإمبريالية عموما من استراتيجية الردع والاحتواء إلى استراتيجية الهجوم والتوسع والهيمنة (على الأصعدة كافة، العسكرية والسياسية والاقتصادية وخصوصا الثقافية والإعلامية)، إلى الحد الذي شجّع على ترويج فكرة انتهاء التاريخ، أي انتهاء التناقض الأساسي مستقبلا بين الرأسمالية وأيّ من أنماط الإنتاج البديلة. فقد بات العالم أكثر من ذي قبل يدار من »المركز« الرأسمالي، عبر ما يقرره هذا الأخير من آليات (تحرير الأسواق، توسيع مبادلات السلع والخدمات، تعميم ثورة المعلومات، تنميط وتوحيد المقاييس والمواصفات في غير مجال....) وما يقرره كذلك من نظم تشريعات واتفاقات دولية جديدة في شتى الحقول (التجارة، الاستثمار، التحويلات المالية والمصرفية، الملكية الفكرية، انتقال التكنولوجيا،....) متوسّلا تطبيقها بالترغيب والترهيب بواسطة مؤسسات دولية تدور في فلكه (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التجارة الدولية، وكالة الطاقة الدولية، النظام المصرفي والمالي العالمي، شبكة أسواق البورصات والمال العالمية، المؤسسات القطاعية المتخصصة...). وبذلك يكون العالم قد اتجه، تحت ستار تحقيق المزيد من الليبرالية، نحو أشكال من »دكتاتورية السوق« التي يتولى ادارتها والتحكم بمسارها كبار »اللاعبين«.
ـ بيد أن »المركز الرأسمالي« يشهد هو الآخر تحولات. فإخلاء الساحة الدولية من قبل قوى »الاشتراكية المحققة« خلق واقعا جديدا أمام آليات تقاسم العالم من جانب التشكيلات السياسية ـ الاقتصادية العالمية المختلفة. فبعد زوال القطبية الثنائية بين »المعسكرين« اتجه العالم، وسط اشتداد التنافس المتعدد الأشكال، نحو مسار محكوم بمنطقين: منطق يدعم استمرار الغلبة الحاسمة للقطبية الأحادية التي تختزلها الولايات المتحدة راهنا، ومنطق آخر يدعم تنويع هذه الغلبة لصالح قطبية متعددة الأطراف تتشارك فيها الكتل السياسية ـ الاقتصادية الدولية الأساسية، ويضمن على الأرجح دورا ما لتلك الكتل التي بدأت تفد حديثا من خارج »المعسكر الغربي« التقليدي (الصين والهند مثالا) والتي بات يحسب لها حساب. ومع أن هذين الاتجاهين قد لا يختلفان كثيرا من حيث جوهر الفكر الاقتصادي الذي يحكمهما ـ والذي يتغذى من المصالح العضوية المشتركة للشركات العملاقة العابرة للقارات ـ الا أن التشكيلات العالمية المعنية بهما قد لا تعدم وسيلة، بما في ذلك الاقتصادية منها، لمحاولة التأثير أو التحكم في مجرى التقدم أو عدم التقدم على طريق الانتقال من نظام دولي الى نظام دولي آخر. وفي هذا الاطار من الطبيعي أن يعمد كل من تلك التشكيلات الى محاولة الاستفادة قدر المستطاع مما انطوى عليه تعاظم ظاهرة العولمة وتشعّبها على غير صعيد، من تفاوت في عناصر القوة والضعف وفي حجم ونوع المخاطر والتحديات التي تخصّه، وصولا الى تحسين شروطه في عملية اعادة تقاسم العالم. وهذا ما سوف يخلّف مفاعيل سياسية شديدة الأثر على المستوى الكوني.
ـ وفي إطار تفاعلات ظاهرة العولمة وما ينجم عنها من ازدياد كبير في حدّة المنافسة على المستوى الدولي، من الواضح أن يتجه العامل الاقتصادي نحو الاضطلاع بدور أكبر فأكبر في إعادة صياغة منظومة العلاقات الدولية عموما وتوازنات القوى بين التشكيلات المختلفة بصورة خاصة، حتى لو استمر العامل السياسي طاغيا على السطح. بيد أن دلائل عدّة تشير إلى أن إحدى أهم السمات المميزة لواقع العلاقات الاقتصادية الدولية الراهن، تتمثّل في تراجع الوزن النسبي لاقتصاد الولايات المتحدة الأميركية في شبكة المصالح الدولية، أو على الأقل اتجاه هذا الوزن بصورة متزايدة نحو عدم التناسب مع الوزن السياسي ـ العسكري لهذه الدولة. وهذا ما تؤكده المقارنات الدولية لمعدلات التراكم الرأسمالي وتطور حجم وبنية المبادلات الخارجية وكذلك تطور معدلات نمو الإنتاجية وغيرها من المؤشرات. وهذا على الأرجح ما دفع ويدفع الولايات المتحدة إلى السعي المحموم للتعويض من تراجعها الاقتصادي النسبي عبر هجوم سياسي شامل ذي طابع وقائي واستباقي، مستندة في ذلك إلى ما ينطوي عليه هذا الهجوم من تصعيد في عسكرة العلاقات الدولية. وليس خافيا أن هذه العسكرة تخدم المصالح الاستراتيجية والبعيدة المدى للمجمع الصناعي ـ العسكري ـ النفطي الأميركي وتبرّر مسوّغات الاستمرار في تركيز الاستثمارات الرأسمالية في النشاطات التي يغطيها هذا المجمع.
ـ إن المجمّع الصناعي ـ العسكري ـ النفطي الذي يلعب دوراً حاسماً في اقتصاد الولايات المتحدة، قد وجد ـ بعد انتهاء الحرب الباردة ـ أن وقف تراجع الوزن النسبي للاقتصاد الأميركي، يستوجب استيلاد أعداء جدد على المستوى الكوني وبالتالي استحداث تناقضات جديدة من النوع الذي يبرر استمرار استقطاب العالم سياسيا لصالح الولايات المتحدة. هكذا تمّ الترويج لحرب الحضارات تارة وللحرب الشاملة على الإرهاب تارة أخرى، من دون التحديد الدقيق لحيثيات هذا النوع من الحروب التي تنطوي على مصالح سياسية وطبقية بعيدة المدى. وقد ظلّ الهدف واحدا في جميع الأحوال: إعادة إحكام النفوذ السياسي والعسكري على عالم يتغير ـ وتميل بعض مكوناته وكتله نحو الانعتاق النسبي مستفيدة من فرص كامنة ومتناقضة أتاحتها ظاهرة العولمة ـ والحرص بالتالي على استمرار الإمساك بقرارات العالم الأساسية بما يتيح الفرصة أمام استعادة زمام المبادرة على الصعيد الاقتصادي، عبر تعزيز وإعادة تجديد مقوّمات هيمنة المجمّع الصناعي ـ العسكري ـ النفطي داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ـ إن النسق الجديد لليبيرالية الرأسمالية في زمن العولمة قد انطوى على تداعيات سياسية واجتماعية عميقة وشاملة طاولت بلدان »المركز« الرأسمالي نفسها كما طاولت معظم بلدان العالم الأخرى. ففي الفئة الأولى من البلدان، تعاظم الدور السياسي للتشكيلات اليمينية بأطيافها المختلفة وبخاصة اليمين المحافظ، وتعزّز الهجوم على مكاسب الطبقة الوسطى والفئات الفقيرة وسط سعي محموم لتحجيم دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي وإطلاق العنان أمام حرية رأس المال. وقد شهدت معظم تلك البلدان تراجع معدلات التراكم والاستثمار المنتج وانتفاخ وزن الاقتصاد المالي الريعي والمضارب على حساب الاقتصاد الحقيقي، الأمر الذي انعكس تراجعا في الأجر الوسطي وارتفاعا في الأرباح الرأسمالية وفي معدلات البطالة والتضخم وبالتالي في معدلات الاستغلال... مما يشير بما لا لبس فيه إلى أن »التسوية« الطبقية التاريخية التي صيغت في الغرب غداة الحرب العالمية الثانية عبر إنشاء وتطوير تجربة »الدولة ـ الراعية« أصبحت متجهة نحو التلاشي والسقوط. أما في البلدان الأخرى من العالم فإن الليبيرالية المعولمة قد أثمرت مجموعة من التناقضات العصية على المعالجة: تعايش جزر من النمو مع بحار من الفقر والتهميش والاستبعاد، تعزيز آليات التبعية بأشكالها المختلفة، تدمير بنى الإنتاج المحلي وفرص العمل المنتج، تقليص الحيّز الفعلي لممارسة السيادة الفعلية على القرارات والموارد الوطنية لصالح »الراعي« الدولي الذي يفتي بالوصفات الجاهزة عبر المؤسسات الدولية الدائرة في فلكه... وهذا ما جعل نسق الليبرالية الجديد يذكّر بتلك الأشكال من الليبيرالية »التايلورية« التي ازدهرت قبل نحو مئتي عام، مما يسهّل وصف الرأسمالية المعاصرة بالرأسمالية »النيو ـ تايلورية«.
ــ إن موضوع الطاقة وبخاصة النفط يشكل بالنسبة للمجمّع الصناعي ـ العسكري الأميركي حقلا استراتيجيا بامتياز لمحاولة كسب معركة تجديد السيطرة الاقتصادية والسياسية على العالم في زمن العولمة. ففي وقت تؤكد فيه كبريات مراكز الأبحاث الدولية أن النفط سوف يبقى لعقود عدّة ومن دون منازع مصدر الطاقة الأول في العالم ، وأن الجزء الأهم من احتياجات النفط العالمية الجديدة (المقدرة بنحو ٥٠ مليون برميل إضافي يوميا خلال العقدين المقبلين) سوف يتأمن من البلدان العربية المنتجة تحديدا ، فإنه من الطبيعي في مثل هذه الظروف أن لا يتخلى هذا المجمّع عن خططه وبرامجه الدؤوبة لمواصلة السيطرة بل الوصاية الشاملة على هذا المورد الحيوي حيثما وجد سواء في دول العالم الأول أو العالمين الثاني والثالث. والهدف الأساسي بالنسبة للإدارة الأميركية لا ينحصر فقط في ضرورة تأمين سلامة إمدادات النفط العالمية من زاوية مصلحة النظام الرأسمالي العالمي ككل. بل هو يتعداها الى محاولة استخدام النفط العربي من جانب هذه الإدارة بالذات ـ وعبر الشركات الأميركية العملاقة التي تعمل في القطاع النفطي منذ البدايات الأولى لإنتاج النفط ـ كرافعة أساسية للتأثير في آليات التنافس بين الكتل الاقتصادية الدولية ولتوظيف هذا التأثير في خدمة عملية إعادة إنتاج التفوق الاقتصادي الأميركي في إطار الاقتصاد العالمي. وبالنسبة للولايات المتحدة تهون إزاء مثل هذا الهدف الاستراتيجي البالغ الأهمية كل أنواع المجازفات والمراهنات العدوانية التي قد تقدم عليها راهناً ومستقبلاً.
ـ إن هذه الأهداف ليست جديدة بالنسبة للولايات المتحدة، ولكن ما يكسبها مزيدا من الأهمية في الظرف الراهن يتمثّل في حاجتها الملحة والاستثنائية إلى مثل هذه الرافعة كي تساعدها في تغيير اتجاه تطور موازين القوى الاقتصادية الدولية في مصلحتها. ومما شجّع ويشجع الولايات المتحدة على المضي في هذا السبيل اصطفاف العديد من البلدان المنتجة، وبخاصة المملكة العربية السعودية، إلى جانبها أو بالأحرى خلفها. ومن المؤكد أن هذا الاصطفاف التبعي للسعودية وراء »اللاعب« الأميركي يعود إلى عهود مضت وبالتحديد إلى أواسط الأربعينيات من القرن المنصرم، التي سُجِّل فيها الخروج المنتصر للولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية بالتزامن مع بدء الاكتشافات النفطية الواعدة في المملكة. وقد شكّل التحالف التبعي العضوي بين الأسرة السعودية الحاكمة والإدارات الأميركية المتعاقبة إحدى الثوابت الأكثر تأثيرا في صياغة معالم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، خصوصا بعد هزيمة الرئيس جمال عبد الناصر عام ١٩٦٧ . وقد احتلت السعودية منذ ذلك التاريخ سدّة رئاسة النظام الرسمي العربي واستخدمت كل وسائل الترغيب والترهيب السياسي والاقتصادي والديني والإعلامي لإسباغ نوع من الديمومة على وظيفتها هذه (استمالة النخب السياسية في بلدان المنطقة تارة وتمويل حركات المعارضة في هذه الدول تارة أخرى، إنشاء الصناديق الإنمائية وإصدار الهبات والأمانات والقروض والتسهيلات وإطلاق الاستثمارات البينية وتدفقات العمالة المهاجرة والتدفقات السياحية...). وراهنت السعودية طوال هذه الفترة على الدعم المكثّف والمتعدد الأشكال الذي حصلت عليه، في مقابل أكلاف هائلة، من جانب الولايات المتحدة في وقت كانت هذه الأخيرة لا تعدم فرصة الا وتؤكد فيها بشكل علني وسافر على أولوية تحالفها المطلق مع اسرائيل كوكيل اقليمي رئيسي وكنقطة ارتكاز أساسية للسياسة الأميركية في المنطقة. وعبر إمساكها بمفاصل النظام الرسمي العربي وتوظيفها لهذا الأخير في مصلحة المجمّع الصناعي ـ العسكري الأميركي، اضطلعت المملكة العربية السعودية بدور مؤثّر في مجمل التطورات السياسية البارزة التي شهدها التاريخ العربي المعاصر. فما من حدث ذي أهمية في أي من ساحات المشرق العربي الا وكانت لهذا اللاعب السعودي بصمات واضحة فيه.
ــ إن الدور السعودي ـ المرتبط بتحالف عضوي مع الولايات المتحدة من جهة والممسك بالنظام العربي الرسمي من جهة أخرى ـ قد مال نحو التعاظم عربيا في السنوات الأخيرة بفعل عاملين أساسيين: أولهما ازدياد الاستقطاب السعودي السياسي والاقتصادي لبلدان الخليج عموما عبر آليات تعاون وتنسيق متنوعة؛ وثانيهما تعاقب صدمات أسعار النفط ولا سيما الصدمة الثالثة التي ما برحت مفاعيلها مستمرّة منذ عام ،٢٠٠٢ الأمر الذي ضاعف القدرات المالية للمملكة على نحو غير مسبوق. ومن الواضح أن ما يجري منذ سنوات على هذا الصعيد قد كرّس انقسام العالم العربي ـ اقتصاديا ـ إلى ثلاث مجموعات متباينة: المجموعة الأولى هي المجموعة الغنية بالموارد والمستوردة لليد العاملة وتضم بلدان الخليج، والمجموعة الثانية هي التي تتميّز كذلك بوفرة الموارد ولكنها ذات كثافة سكانية عالية (العراق، الجزائر، سوريا، اليمن...)، والمجموعة الثالثة هي التي تفتقد إلى الموارد مع تميزها هي أيضا بثقل ديموغرافي مرتفع نسبياً (مصر، المغرب، الأردن، تونس، لبنان..). ومن خلال تحليل مقارن لتطور أوضاع هذه المجموعات الثلاث منذ أوائل السبعينيات يتبيّن أن المجموعة الأولى قد ضاعفت حصتها من إجمالي الناتج العربي القائم إلى نحو ٥٥٪ عام ٢٠٠٧ مع العلم أن وزنها الديموغرافي النسبي ظل في حدود ٨٪ من إجمالي سكان المنطقة. في المقابل تراجع نصيب المجموعة الثالثة من الناتج المحلي العربي بصورة حادة خلال هذه الفترة بالتزامن مع ميل حصته من إجمالي المقيمين نحو الارتفاع على نطاق واسع. ومع توقع استمرار زيادة إنتاج بلدان الخليج من النفط، ولا سيما المملكة العربية السعودية، واستمرار الارتفاع المطرد في فوائضها النفطية، من الطبيعي أن يعمل هذا البلد على تعزيز دوره كقاطرة سياسية واقتصادية للعالم العربي، مدعوما في ذلك من قبل الولايات المتحدة التي تطمح لاستخدام تلك القاطرة كأداة لإحكام السيطرة المتعددة الأشكال على المجموعتين الثانية وخصوصا الثالثة عبر علاقة التحالف التبعي الذي تفرضه على المجموعة الأولى.
ـ إن الموارد الضخمة التي تزخر بها المنطقة العربية (الموقع الجغرافي، الثروات النفطية والغازية، الكثافة السكانية، الموارد البشرية الفتية، المساحات الزراعية....) كان يفترض أن تؤمن لشعوب هذه المنطقة قدرا أكبر من التنمية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي، وهذا ما لم يحصل. ويشهد على ذلك واقع الأوضاع المعيشية البائسة أو الصعبة التي تعاني منها معظم تلك الشعوب. وتثبت المقارنات الدولية أن العديد من البلدان التي كان مستواها الاقتصادي والاجتماعي في الخمسينيات يقل بكثير عن مستوى البلدان العربية، باتت في الوقت الحاضر تتجاوز هذه الأخيرة بشكل حاسم، بالرغم من تسجيل المنطقة العربية معدلات نمو وسطية مرتفعة نسبيا في السنوات الخمس المنصرمة. ويطرح هذا الواقع إشكالية أساسية تتعلق بحجم ونوع المخاطر التي ارتبطت تاريخيا بوجود الثروة النفطية في هذا الجزء من العالم، وتتعلق كذلك بنسق تعاطي وإدارة الأنظمة العربية لهذه المخاطر على مدى العقود المنصرمة. فقد تمّ تدمير أو تبديد جزء أساسي من هذه الثروة عبر استجلاب وتكرار الغزوات والحروب الخارجية أو التواطؤ معها (الحروب العربية ـ الإسرائيلية، حرب الخليج الأولى ومن ثمّ الثانية، التدخلات الأميركية والأطلسية الموضعية، ...)، وعبر تعميم وتمويل العديد من الحروب والنزاعات الأهلية في غير بلد من بلدان المنطقة. وينطبق هذا البعد التدميري والتبديدي كذلك على واقع انتشار أنساق نمو وتقسيم عمل يغلب عليها الطابع الريعي في معظم تلك البلدان، ما ساهم في إنتاج مجتمعات هجينة تحتكر فيها القلة من أمراء السلطة والمال والمنتفعين من العائلات الحاكمة الجزء الأعظم من الموارد والثروات الوطنية المتاحة فيما تنحسر رقعة الطبقات الوسطى وتتوسع جيوش الفقراء والمهمَّشين والمتعطلين عن العمل والمستبعدين.

- II -
الوضع العربي في ظل الهجوم الكولونيالي ومهام اليسار


يصعب الحديث عن المنطقة العربية في هذا العصر، من دون النظر الى واقعها الراهن في ضوء مشاريع السيطرة الكولونيالية عليها. فقد شهدت هذه المنطقة منذ الحرب العالمية الأولى حدثين أساسيين لعبا دوراً حاسماً في تشكيل معالم هذا الواقع: اتفاقية سايكس ـ بيكو التي كرّست البنية التقسيمية للوطن العربي من جهة، ووعد بلفور الذي أدى إلى قيام دولة إسرائيل من جهة أخرى. وانطوى هذان الحدثان على نتائج كارثية سواء بالنسبة الى هدف استعادة وحدة هذا الجزء من العالم، أم بالنسبة الى هدف استعادة السيطرة على ثرواته وتوظيفها في التنمية والتحوّل الديموقراطي الثوري على طريق الانتقال إلى الاشتراكية.
وإذا كان التدخل الكولونيالي الكثيف لأجل تغيير خارطة المنطقة والتحكم بمصيرها، قد حدث على أيدي الدولتين الاستعماريتين الأوروبيتين الأساسيتين، إنكلترا وفرنسا، فإنه سرعان ما بدأ يتحول عملياً منذ أواسط القرن الماضي، لصالح الولايات المتحدة الأميركية. وسوف تلعب هذه الأخيرة دوراً كبيرا في قيام دولة إسرائيل عام ،١٩٤٨ كثكنة أمامية في خدمة مشاريعها في المنطقة، كما سوف تبذل بعد ذلك مساعي محمومة للسيطرة على هذه المنطقة وما حولها. وسوف تنعكس هذه المساعي في مجمل التطورات والصراعات التي شهدها الوطن العربي آنذاك ـ في مرحلة صعود النزعة القومية العربية وحركات التحرر الوطني والاجتماعي ـ مرتدية إما شكلاً مباشراً أو متوسّلة الدولة الصهيونية الغاصبة، وأحياناً حلفاءها من الأنظمة العربية ـ ولا سيما المملكة العربية السعودية ـ من أجل فرملة تلك النزعة التحررية وإفشالها.
وهذا ما تجلى بوضوح في الفترة التي سبقت حرب الخامس من حزيران ،١٩٦٧ ثم بوجه أخص غداة تلك الحرب التي انتهت بهزيمة تاريخية ليس فقط لنظام رجعي كالنظام الأردني بل أيضاً لنظامين بورجوازيين قوميين كانا يناديان بمثل التقدم والاشتراكية. وتعتبر تلك الهزيمة تاريخية لأنها شكّلت بداية انكفاء التطلعات القومية والتقدمية لدى حركة التحرر العربية، ولا سيما ما يتعلق منها بتحرير فلسطين وإنجاز الوحدة العربية والسعي لبناء الاشتراكية؛ ناهيك عن تمكّن إسرائيل من الاستيلاء على كامل الأرض الفلسطينية، وتمكّن الولايات المتحدة الأميركية من توسيع هيمنتها في المنطقة بعد وفاة جمال عبد الناصر عام ،١٩٧٠ وارتقاء الممثل الفعلي للبيروقراطية البرجوازية المصرية الفاسدة، ذات الميول اليمينية الاستسلامية، أنور السادات، إلى سدة الحكم في الدولة العربية الأقوى والأهمّ. بيد أن هذه الهزيمة أدت في الوقت عينه إلى نقيضها، ولو جزئيا، عبر إحداثها تجذرات على صعيد العديد من قوى التحرر العربية، ولا سيما في الساحة الفلسطينية، حيث تلازم صعود المقاومة حتى صيف عام ١٩٧٠ مع تضامن شعبي معها في العديد من الأقطار العربية الأساسية. ولكن سرعان ما ستظهر حدود هذه الظاهرة بعد نجاح الأنظمة العربية النفطية ـ التي تعتمد على اقتصاد ريعي تتحكم بمفاتيحه الشركات الإمبريالية، وعلى عمالة أجنبية رخيصة تخضع لشتى أنواع الاستغلال والحرمان من الحقوق ـ في »ثلم نصلها الثوري«، متوسّلة العطاءات السخية التي أغدقتها على قياداتها وعلى جهاز بيروقراطي شديد الفساد وهمّه الأساسي الحفاظ على هذه »النعمة«. وسوف يساهم هذا الواقع في انفراط التضامن العربي الواسع والتمهيد لهزائم متلاحقة أحاقت بظاهرة المقاومة بدءا من أيلول ١٩٧٠ في الأردن وصولا إلى الاجتياح الصهيوني للبنان صيف عام .١٩٨٢ وهذا الانهزام العسكري والسياسي سوف يتواصل مذاك، بدءاً من التنازلات المتمثلة في التراجع عن الميثاق الوطني الفلسطيني الأساسي والاعتراف بإسرائيل عام ،١٩٨٨ مروراً باتفاقيات أوسلو، ووصولاً إلى قيام السلطة الحالية اللاهثة خلف الإدارة الأميركية وإسرائيل. وهذا ما جعل الوقوف عملياً في وجه تنازلات هذه السلطة، ينحصر في الحركات السلفية المسيطرة راهنا في غزة وذات النفوذ أيضا حتى في الضفة الغربية بالذات، والمزوّدة ببرنامج اجتماعي متخلف وعاجز عن تحفيز الجماهير الفلسطينية الواسعة، وبالتالي العربية ضد الاحتلال الصهيوني.
لقد شكّل انهيار الاتحاد السوفياتي عام ١٩٩١ مقدمة لانهيار متدرج للبقية الباقية من مقومات الصمود الشكلي للعديد من الأنظمة البورجوازية القومية، في مواجهة الهجمة الأميركية التي لعبت حرب تشرين ١٩٧٣ دوراً هاماً في تسهيل مسارها الزاحف، وقضمها المتسارع للإنجازات التي سبق أن تحققت في غير بلد عربي، ولا سيما في مصر، وصولاً إلى خروج هذه الأخيرة من الصراع العربي ـ الإسرائيلي عبر اتفاقية كامب ديفيد. وهذا ما شجّع واشنطن على ممارسة هيمنة أحادية على الساحة العالمية، في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضاً، مع تركيز على المنطقة العربية والشرق الأوسط ككل.


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
تعليقات القراء عدد الردود: 0