الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الخميس 20 أيلول 2018
بيانات/نداءاتتقاريرالمؤتمر الدائم للحوار اللبنانيلبنان في مجلس الأمننداءات مجلس المطارنة الموارنةمحكمة من أجل لبنانانتخابيات
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2008-10-20الكاتب:المصدر: « السابق التالي »
 نص وثيقة "المركز المدني للمبادرة الوطنية"
 أيها اللبنانيون... النظام الطائفي توقف عن العمل
عدد المشاهدة: 1245
إلى أين، هذا الوطن؟
هذا هو السؤال، سؤال كلّ لبناني، إذْ يكون سائلاً أو مسؤولاً، عن نفسه أو عن أحبّائه أو عن عائلته أو عن شعبه.
-1 فمن حوادث أيّار بما عنت من ارتداد إلى ما قبل إنهاء الحروب بين الميليشيات، وبالصلة الوثيقة بغياب الدولة اللبنانيّة السيّدة المستقلّة، وحضور الدول الأجنبيّة المتنافسة على استتباع لبنان واللبنانيّين أو استخدامه واستخدامهم(1)، إلى اتّفاق الدوحة وما نصّ عليه وما تبعه من تكوين السلطة الإجرائيّة، في الصورة التي تمّ بها هذا التكوين المتوّج بجلسة الثقة المفقودة قبل وفور الحصول عليها، واستقالة السيّد حسين الحسيني من عضويّة المجلس النيابيّ، في أثناء تلك الجلسة، تعبيراً عن رفض الاستمرار في هذه اللعبة المدمّرة، إلى ما قد يكون، في الأيّام المقبلة، من وضع قانون انتخابات نيابيّة يجسّد ارتداداً تاريخيّاً في مسار مشروع الدولة اللبنانيّة بما هو مشروع دولة جمهوريّة، أي مشروع دولة يملكها جمهور شعبها لا سلطات المذاهب الدينيّة أو السياسيّة أو سلطات الدول الأجنبيّة ذات الوصاية على تلك المذاهب، فمن هناك إلى هنا إلى ما بعد، السؤال الحقيقيّ هو نفسه وهو: إلى أين هذا الوطن؟
-2 إنّ المركز المدنيّ للمبادرة الوطنيّة لا يسعه إلاّ المبادرة إلى الإجابة عن هذا السؤال من موقع مدنيّ لا طائفيّ ولا مذهبيّ، وفي اتّجاه وطنيّ لا فئويّ ولا حزبيّ:
أ- إذا كان اتّفاق الطائف اتّفاقاً لإنهاء حروب الميليشيات وظروفها وشروطها، من جهة أولى، وطريقاً لتجاوز نظام الطائفيّة، من جهة ثانية، فإنّ اتّفاق الدوحة هو اتّفاق يأخذ علماً بتجدّد هذه الحروب ويكرّس بعض ظروفها وشروطها، من جهة أولى، وهو اتّفاق يتجاوز كلّ نظام دستوريّ طائفيّ أو غير طائفيّ إلى لا نظام من الصفقات المنفصلة، فيرهن تكوين المؤسّسات الدستوريّة وتحديد أصول عملها بما هو متبدّل من الموازين والمواقيت في ما بين القوى المذهبيّة التابعة والدول المتبوعة، من جهة ثانية، وذلك دون الالتفات إلى أحكام
قانونيّة ثابتة، دستوريّة أو غير دستوريّة.
ب- لقد تمّ إسقاط اتّفاق الطائف بما هو اتّفاق مكتوب محدّد وبما هو مشروع ذو وجهة معروفة هي وجهة البناء الوطنيّ للدولة. وكان أوّل سقوطه إذْ أخفق القائمون بأعمال الدولة، بعده، وتنفيذاً لأحكامه، في وضع قانون انتخاب صحيح، وشرعيّ، لا على أساس الدوائر الانتخابيّة التي هي المحافظات، مهما يكنْ حجمها أو عددها فحسب، بل بما يدفع ويمهّد لإقامة النظام البرلماني ذي المجلسين، مجلس شيوخ يمثّل اللبنانيّين بما هم في جماعات عديدة، ومجلس نوّاب يمثّل اللبنانيّين بما هم مواطنون متساوون أحرار في شعب واحد، كما أصبح ينصّ عليه الدستور في مقدّمته(2) وفي متنه(3)، بعد ذلك الاتّفاق. فبعد مرحلة طويلة من التردّد والتظاهر بخلاف الواقع بحجّة هذا الظرف الاستثنائيّ أو ذاك، ظهرت علامة اكتمال هذا الإخفاق في ما نصّ عليه اتّفاق الدوحة، بلا تعلّل أو تعليل، في موضوع قانون الانتخاب، وبالتحديد في موضوع الدائرة الانتخابيّة. فالذي نصّ عليه اتّفاق الطائف في هذا الموضوع، أي المحافظة كدائرة انتخابيّة، وما يلزم بالضرورة عن ذلك النصّ من النسبيّة في نظام الانتخاب(4)، إنّما يشكل الرابط الجدّي الوحيد بين الإصلاحات المؤقّتة المتعثّرة التي جاء بها اتّفاق الطائف وبين ما وعد به من خطوات ثابتة واضحة تؤدّي إلى بناء دولة سيّدة مستقلّة لجميع اللبنانيّين، ذات نظام برلمانيّ. ولو سلّمنا بأنّ الظرف الاستثنائيّ، الآن، يقضي بأنْ يكون القضاء دائرة انتخابيّة، وفي صورة مؤقّتة، فإنّ الاستمرار في خطّ اتّفاق الطائف والدستور الذي تدّعيه مقدّمة اتّفاق الدوحة كان يقضي، في الأقلّ، بالأخذ بالنسبيّة نظاماً انتخابيّاً، وإلاّ يكنْ ما يفرضه أطراف اتّفاق الدوحة، ضمناً، وقد ظهر الآن علناً، من نظام أكثريّ يُماهي بين التيّار السياسيّ الغالب في نطاق كلّ قضاء وبين مذهب الفئة الوحيدة أو الغالبة فيه. وفي هذا إلغاء شبه تامّ لكلّ تمييز بين المذهب السياسيّ والمذهب الدينيّ ممّا يضع البلاد تحت تهديد الحروب المذهبيّة الدينيّة في صورة دائمة. فالخلافات السياسيّة لا بدّ من حصولها. وفي هذا الوضع لا مفرّ من تحوّلها إلى نزاعات مذهبيّة. وفي هذا الوضع نفسه لا شيء يظهر أو يلوح في الأفق القريب أو البعيد ممّا وعد به اتّفاق الطائف من وطن، حرّ، سيّد، مستقلّ، نهائيّ، لجميع أبنائه. وحدها المذاهب السياسيّة في أثواب المذاهب الدينيّة وأسلحتها المادّيّة والمعنويّة هي التي تلوح في هذا الأفق مع ما تحمله من أوهام وانقسامات وتبعيّة وحروب، حروب النفس وحروب الآخرين.
ج - لقد نصّ اتّفاق الدوحة على استئناف الحوار برئاسة رئيس الجمهوريّة "حول تعزيز سلطات الدولة اللبنانيّة على كافّة أراضيها وعلاقاتها مع مختلف التنظيمات على الساحة اللبنانيّة بما يضمن أمن الدولة والمواطنين.."، وذلك بعد انتخاب رئيس للجمهوريّة قد سمّاه الاتّفاق وتشكيل حكومة رسم الاتّفاق نفسه أصول تكوينها وعملها كما رسم أصول تكوين المجلس النيابيّ. وعلى أنْ يكون هذا الحوار "بمشاركة الجامعة العربيّة وبما يعزّز الثقة بين اللبنانيّين". إنّه لأمر مذهل حقّاً تذييل أحكام الاتّفاق هذه بالكلام على "أمن الدولة والمواطنين" أو بالكلام على "الثقة بين اللبنانيّين". إنّه لأمر مذهل حقّاً إلاّ على سبيل التهكّم. فإذا كان محلّ للقول بأنّ الظروف الاستثنائيّة الشهيرة إلى حدّ اعتبارها ظروفاً عاديّةً معياريّة قد حالت دون اللجوء إلى النظام القائم باعتباره غير قائم، مؤقّتاً، في مجال تكوين السلطات الدستوريّة، فلماذا يكون الحوار بل التفاوض في موضوعات كسلطات الدولة على أراضيها أو علاقاتها مع "مختلف التنظيمات على الساحة اللبنانيّة" من صلاحيّة "طاولة" لا يحدّد شكلها أو مفاعيلها دستور أو قانون أو إرادة شعبيّة، بدلاً من أن تكون هذه الموضوعات من صلاحيّة أصحاب الصلاحيّة فيها، أي المؤسّسات الدستوريّة التي تكوّنت أو تتكوّن بفعل اتّفاق الدوحة نفسه؟ ليس للبنانيّين أو لا يحقّ لهم أنْ يكونوا في سذاجة من ينتظر إجابة أطراف اتّفاق الدوحة عن هذا السؤال، سواء أكانوا في علم أم كانوا في جهل، في نيّة حسنة أم في نيّة سيّئة. فالذي يدلّ عليه اتّفاق الدوحة دلالةً بليغةً هو سقوط النظام السياسيّ المعروف، بعد أنْ توقّف عن العمل لفترة طويلة. لقد توقّف هذا النظام عن العمل في أمور خطيرة كتأمين استمرار السلطات الدستوريّة أو توفير الأمن. والتوقّف عن العمل في هذه الأمور لا يعني شيئاً أقلّ من سقوط النظام(5). والذي نراه في اتّفاق الدوحة وقبله بكثير وبعده حتّى الآن هو التظاهر بوجود النظام المعروف والتظاهر باحترام أحكامه. أمّا "التنظيمات على الساحة اللبنانيّة" فاتّفاق الدوحة لم يخلق هذه "التنظيمات" التي يشكّل وجودها "في الساحة اللبنانيّة" وعملها والحديث عن الحوار في علاقاتها بالدولة اللبنانيّة واقعاً جديداً هو واقع الارتداد إلى حروب الميليشيات التي هي حروب محلّية ودوليّة على السواء. اتّفاق الدوحة أخذ علماً بهذا الواقع الذي أنشأه أطرافه وكرّسه بأنْ جعله مستعلياً على السلطات الدستوريّة المعنيّة. أمّا "ثقة اللبنانيّين" فلا سبيل إلى مجرّد الإشارة إليها في هذا السياق من التردّي، ولا نظنّ أنّ مشاركة جامعة الدول العربيّة في الحوار المذكور أو إيداع أمانتها العامّة هذا الاتّفاق كأنّه اتّفاق بين كيانات دوليّة لا بين قوىً يجمعها كيان دوليّ واحد، أمر فيه نفع قليل أو كثير بالنسبة إلى "ثقة اللبنانيّين"، وهذا إذا لم نقلْ إنّ في هذا الأمر من التجارب ما يدعو إلى شديد الارتياب وكلّ الحذر.
د -  لقد توقّف النظام السياسيّ الطائفيّ عن العمل، وأصبحت أحكامه الدستوريّة غير قابلة للتطبيق. وهذا ليس، فقط، لما هو معروف من رفض القوى السياسيّة المذهبيّة التسليم بالأحكام الدستوريّة أو القانونيّة سواء أكانت في الحكم أم كانت في المعارضة، بل أيضاً لما أصبحت عليه تلك الأحكام وما يلازمها من ممارسات وتقاليد من بعد عن الواقع الاجتماعيّ السياسيّ المحليّ وعن الواقع الإقليميّ الدوليّ. وهي أصلاً أحكام ناقصة ذات ثغرات في ما هي عليه، وبعيدة عن آمال اللبنانيّين مع ما قد يكون من تضارب في تلك الآمال، كما أصبحت بعيدة عن واقعهم، وهو واقع واحد بمأساته على تعدّد أو اختلاف  المواقع وتباين التوقّعات. لقد كان النظام السياسيّ، في طائفيّته، طائفيّاً لطائفتين اثنتين، طائفة المسيحيّين وطائفة المسلمين، مع أرجحيّة معروفة في السلطة والإدارة لمصلحة الطائفة المسيحيّة. وهذا في ظلّ القيادة المارونيّة للمجموعة المسيحيّة والقيادة السنيّة للمجموعة الإسلاميّة وفي ظلّ الانتداب الفرنسيّ على سوريّة ولبنان، هذا الانتداب الذي كان يلخّص الواقع الدوليّ والإقليميّ من أوّل العشرينات إلى أواخر الثلاثينات. لقد عرف هذا النظام أوّل تجديد له في بداية فترة الاستقلال عن فرنسا أو تمهيداً لذلك الاستقلال، بتعديل يسير في موضوع الأرجحيّة في التمثيل وبتثبيت المذهبيّة المارونيّة لرئاسة الجمهوريّة والمذهبيّة السنيّة لرئاسة الحكومة، وبرفع متردّد لمستوى مشاركة الشيعة في الحكم عبر رئاسة مجلس النوّاب أو في مجلس الوزراء(6)، وبتعديل كبير بالنسبة إلى تخلّي القيادات المسيحيّة عن الحماية الفرنسيّة وقبولها المبهم بالهويّة العربيّة في مقابل تسليم مبهم بالكيان اللبناني من قبل القيادات السوريّة والقيادات الإسلاميّة اللبنانيّة(7). التجديد الثاني الكبير الذي عرفه هذا النظام، كان بعد اهتزاز شديد بسبب السياسة الخارجيّة الانفصاليّة(8) وبسبب الممارسة الرئاسيّة للحكم(9)، وهذا ما أدّى إلى حوادث سنة 1958 المعروفة. وخلاصة هذا التجديد في الداخل سياسة اجتماعيّة استيعابيّة وإصلاح للإدارة وترويض للزعامات التقليديّة هدفهما اندراج الجميع في سياق الدولة السيّدة في الداخل والمواليّة في سياساتها الخارجيّة للطرف العربيّ الأشدّ تأثيراً في ذلك الداخل. وكان إعلانُ نهاية هذا النهج في تجديد النظام سنة 1970 بيانَ عزوف صاحب النهج عن تولّي الحكم لاستحالة استئناف الإصلاح المطلوب(10). لقد كان النظام الطائفيّ، إلى ذلك الحين وبعده، محكوماً، على الدوام، بمفارقتين اثنتين. الأولى في العلاقات الداخليّة، وهي مفارقة رئاسيّة النظام في الدستور وتعدّديّة رؤوس الحكم في الواقع(11). أمّا الثانية في العلاقات الخارجيّة، وهي انفصاليّة الكيان(12) وتبعيّة الدولة للغرب وسياساته أو للداخل  العربيّ ولسياسات من كان فيه الطرف الأشدّ تأثيراً في الداخل اللبنانيّ(13). ولقد عرف النظام في مستوى المفارقة التي تحكمه اتّجاهات ومحاولات عديدة لحسمها بتكريس عرفيّ أو بتوهّم تكريسها ثنائيّةً في الحكم، مارونيّةً سنّيّةً(14) أو مارونيّةً درزيّة(15) أو سنّيّةً شيعيّةً(16)، أو أحاديّةً، مارونيّةً(17) أو سنّيّةً(18)، أو ثلاثيّةً، مارونيّةً سنّيّةً شيعيّةً(19) أو سنيّةً درزيّةً مارونيّةً(20)، أو رباعيّةً وخماسيّةً، سنّيّةً شيعيّةً درزيّةً مارونيّةً أرثوذكسيّة(21)، وهذا كلّه في ظلّ المفارقة الثانية أي انفصاليّة الكيان وتبعيّة الدولة، مع ما يستدعي ذلك من التدخّل الخارجيّ بل من استدخال الخارج، كأنّ الدولة اللبنانيّة دولة بلا حدود قانونيّة أو جغرافيّة. أمّا في مستوى هذه المفارقة الأخيرة فقد كانت تقلّبات عرفت بعض الهدوء وكثيراً من الاضطراب، من الموالاة إلى الوصاية ومن التوتر إلى القطيعة بين الدولة اللبنانيّة وبين الطرف الأقوى، العربيّ أو الغربيّ.
هـ - وفي هذا المستوى، مستوى الكيان، لم يجد الاستقلال طريقه إلى التحقيق،  بما يعني ذلك بالضرورة من البلوغ والرشد أي من القدرة على ممارسة الحقوق وعلى القيام بالواجبات الوطنيّة أو العربيّة او الدوليّة، لا الانفصال عن الداخل العربيّ وحسب أو التبعيّة للأقوى فيه أو خارجه، رغم كثرة القول بل التغنّي بذلك الاستقلال. كما أنّ النظام البرلمانيّ، بقي  محض ادّعاء لا يجد طريقه إلى التحقّق بين رئاسيّة النظام في الدستور وتعدّد رؤوس الحكم في الواقع. إنّنا الآن أمام واقع من الممكن إيجازه في الصورة الآتية: 1- الأحاديّة أو بالأحرى الأرجحيّة الطائفيّة مستحيلة، لا لسبب إلاّ لأنّ ركيزتها الواقعيّة الداخليّة والخارجيّة قد انعدمت. 2- الثنائيّة الطائفيّة وأخواتها، وصولاً إلى الأحدث عهداً منها أي التوافقيّة، مستحيلة أيضاً لسببين حاسمين، أوّلهما، بالنسبة إلى الثنائيّة، هو أنّ الواقع السياسي الاجتماعيّ أمسى واقعاً مذهبيّاً يتعدّى الثنائيّة، وثانيهما، بالنسبة إلى جميع هذه الصيغ، هو أنّها صيغ لا تحسم أمراً ذا معنى من أمور الحكم. 3- لا سبيل إلى وصاية طرف دوليّ واحد، ولا سبيل إلى إقامة وصاية دوليّة مشتركة بين الدول ذات النفوذ والأطماع. 4- لا قناعة لبنانيّة كافيةً بأنّ الاستقلال هو السبيل الوحيد إلى قيام الدولة ولا تسليم كافياً دوليّاً بذلك الاستقلال. 5- القيادات السياسيّة اللبنانيّة قد وقعت في الأسر، أسر العصبيّات الطائفيّة، أسر الدول ذات الوصاية، أسر تحالفات الضرورة، وأسر أطماعها أو فسادها من قبل.
 إلى أين، إذاً، هذا الوطن؟ ثلاثة احتمالات: 1- تفكّك واقعيّ متزايد، كما هو الحال الآن، بلا تكريس قانونيّ، دستوريّ أو دوليّ، مع التظاهر ببقاء النظام في مؤسّساته الدستوريّة والإداريّة والأمنيّة، ومع انكشاف هذا التظاهر، أحياناً، بوقوع الحوادث الأمنيّة أو عند استفحال الخلاف وتطوّره إلى أعمال عنف صريحة أو مقنّعة. 2- وقوع البلاد كلّها في حالة حرب، في مستوى المنطقة، لا حسم لها، وفي ظلّ قصور الدولة وعجزها عن تأمين حماية الحدود والناس والمؤسّسات، مع ما يرافق ذلك أو يتبعه من أفعال ودعوات ترمي إلى تجاوز النظام أوالكيان، دستوراً وقانوناً دوليّاً. 3- الاتّجاه نحو إعادة بناء الدولة بنظام مناسب من العلاقات الداخليّة والخارجيّة يوفّر ما تتمنّاه أغلبيّة اللبنانيّين من أمن  وعيش لائق.
 -3 يعرف اللبنانيّون الآن معنى العودة إلى تفكّك الدولة وقد عرفوا مطوّلاً معنى حروبهم وحروب الآخرين ومعنى العيش في ظلّ الوصايات الخارجيّة. وقد يكون قول أغلبيّتهم الساحقة قولاً صريحاً واحداً في أنّهم لا يطلبون تلك الحروب بل في أنّهم يريدون قيام الدولة. إنّ السلام بين اللبنانيّين ليس شيئاً بلا قيام الدولة الواحدة، وإنّ السلام مع الغير ليس شيئاً بلا قدرة اللبنانيّين على مقاومة أيّ عدوان محتمل. هذه هي حقيقة تاريخ اللبنانيّين وتاريخ دولتهم. وتاريخ اللبنانيّين وتاريخ دولتهم ليسا شيئاً يُستهان به كما قد يرى بعضهم إذْ يكون عليه أنْ يكون في مستوى هذا المشروع الإنسانيّ، فيجد لنفسه سبباً أو عذراً في التهرّب من واجباته الوطنيّة. المشروع اللبنانيّ مشروع صعب. لكنّ هذا المشروع مشروع يستحقّ. قد نقول إنّ الكيان اللبنانيّ إنّما هو في الأصل مشروع كيان مسيحيّ أو مارونيّ، أو هو مشروع محميّة غربيّة أو فرنسيّة. لكنّ هذا المشروع، ومهما تكن النيّة من إنشائه، وربّما لسبب من بعض النيّة من إنشائه، كان مشروع تحرّر واستقلال لا مشروع امتيازات وانفصال فحسب، بل إنّ دعوى هذه الامتيازات وهذا الانفصال لم تجد سنداً تستند إليه سوى قيم الدولة الحديثة، أي قيم الحريّة والمساواة وتقرير المصير. وهي القيم التي قام على أساسها الدستور اللبنانيّ في أحكامه الأساسيّة الثابتة. أمّا الامتيازات والانفصال فلا يجوز النظر إليهما بمعزل عن سياقهما التاريخيّ وخصوصاً لجهة التمييز على أساس الانتماء الدينيّ أو لجهة إنكار هذا الانتماء أو إنكار حقّ تقرير المصير. إنّ المشروع اللبناني قد بلغ الآن مرحلةً حاسمةً. فإمّا متابعته والارتقاء به إلى ما يناسبه كمشروع استقلال وتحرّر وإنسانيّة وإمّا التخلّي عنه والتقهقر بمكوّناته إلى مسوخ جماعات ودويلات مذهبيّة. ولا يكفي الادّعاء أو إلقاء المسؤوليّة على عاتق الغير. فلا بدّ من المواجهة ولا بدّ من دفع الثمن. فأيّ طلب للسلامة بإدارة الظهر ورفض الانحناء في مواجهة الآخر في موقف السلام لنْ يكون إلاّ طلباً خائباً. وكما أنّ عبء الذات على الذات لا مفرّ منه لوجود الذات، فإنّه لا مفرّ من عبء الصفة اللبنانيّة على حامل الجنسيّة اللبنانيّة لكي يكون مواطناً من المواطنين في شعب من الشعوب.  فلا مفرَ للّبنانيّين إذا أرادوا أنْ يكونوا كذلك في حياتهم الوطنيّة من: 1- التسليم بالمساواة في ما بينهم، 2- دفع الشقيق والصديق والعدوّ إلى التسليم باستقلال لبنان، 3- إيضاح صيغة العلاقات الداخليّة والخارجيّة التي تضع هذين الشرطين موضع التنفيذ.
-4 إنّ الصيغة المطلوبة إنّما هي صيغة الدولة المدنيّة. فهذه الدولة تقوم على أساس الاعتراف بتعدّد المصالح وبضرورة التنسيق والانسجام في ما بينها. وهذه المصالح هي مصالح أربعة أطراف: الدولة، الشعب، الجماعات، الأفراد. وهذا في كلّ مستوى من المستويات، من مستوى الأحوال الشخصيّة إلى مستوى سيادة الدولة واستقلالها مروراً بمستوى التمثيل السياسي والسياسات الاجتماعيّة والثقافيّة والدفاعيّة:
أ - ففي مستوى الأحوال الشخصيّة تختلف الدولة المدنيّة عن الدول الدينيّة والطائفيّة والعلمانيّة، بأنّها تعترف بوجود الجماعات الدينيّة من جهة أولى وبوجود الأفراد من جهة ثانية، فلا سبيل إلى إنكار مفاعيل الشرائع الدينيّة لمن اختارها في مجال أحواله الشخصيّة، كما أنّه لا سبيل إلى إنكار حريّة الاعتقاد وحريّة الانتساب او عدم الانتساب إلى دين أو مذهب، كما أنّه لا سبيل إلى حرمان الدولة من حقّ التشريع المدنيّ في هذا المجال.
ب- وفي مستوى التمثيل السياسي تختلف الدولة المدنيّة عن غيرها من الدول الدينيّة والطائفيّة والعلمانيّة بأنّها تعترف بوجود الجماعات دينيّةً كانت أم غير دينيّة من جهة أولى وبوجود الشعب من جهة ثانية، فالفرضيّة لتجسيد هذا الاعتراف المزدوج في السياق اللبنانيّ هي في أنْ يكون البرلمان من مجلسين واحد يكون فيه تمثيل اللبنانيّين بما هم في جماعات وآخر يكون فيه تمثيلهم بما هم مواطنون، أي شعب واحد.
ج- وفي مستوى السياسات الاجتماعيّة ، لا بدّ للدولة اللبنانيّة مهما تكنْ طبيعتها أو نظرتها الاقتصاديّة من تقديمات اجتماعيّة تحمي الفرد من السقوط في أسر مؤسّسات مذهبيّة لبنانيّة او أجنبيّة تتّخذ من حاجته طريقاً إلى استتباعه والاستحواذ على ولائه الخالص، بينما تقف دولته اللبنانيّة غير عابئة بحاجاته الضروريّة فلا تلتزم سياسات اجتماعيّة ممكنة اقتصاديّاً وضروريّة كيانيّاً. والدولة إذْ توفّر التقديمات الضروريّة هي دولة مدنيّة في هذا المعنى إذْ تعترف بالفرد من جهة أولى وتحفظ كيانها بحفظ ولاء هذا الفرد لها من جهة ثانية.
د- وفي مستوى السياسات الثقافيّة لا بدّ للدولة اللبنانيّة التي تعترف بتعدّد مشاريع حياة الجماعات و بتعدّد مشاريع حياة الأفراد من أنْ تضع هذا التعدّد في إطار ما هو متوجّب لمشروع حياة وطنيّة واحدة، أي لمشروع حياة اللبنانيّين بما هم مواطنون متساوون أحرار، شعب واحد في دولة واحدة. وهذا لا يكون إلاّ إذا كانت القيم المدنيّة هي القيم السائدة في مستوى العلاقات في ما بين الأفراد وفي ما بين الجماعات وفي ما بين الفرد والجماعة.
هـ- وفي مستوى السياسة الدفاعيّة والخارجيّة فإنّ أيّ سياسة دفاعيّة أو خارجيّة ترسمها قيم واعتبارات خاصّة بدين ومذهب دون غيره من الأديان والمذاهب، أو تتجاهل كلّياً انتماءات اللبنانيّين إلى أديان ومذاهب عديدة، تحكم على نفسها بالإخفاق إذْ تخلّ بالوحدة الداخليّة أو بولاء اللبنانيّين لدولتهم وتفتح الباب الواسع أمام التدخّلات الخارجيّة. ومن هنا فإنّ مقاومة اللبنانيّين لأيّ عدوان خارجيّ تتطلّب تعميم المقاومة لا إلغاءها ولا تكريس فئويّتها أو حزبيّتها. كما أنّ استقلال هذه الدولة عن المحاور الإقليميّة الدوليّة، وهو شرط قيامها، لاتوفّره إلاّ مدنيّتها التي هي صفتها العربيّة في هذا المستوى.
أيّها اللبنانيّون واللبنانيّات، في لبنان وفي بلدان الاغتراب،
إنّ وطنكم مشروع يستحقّ. وما زال في الإمكان إنقاذه من الضياع. ولا بديل من هذا الوطن، لكم، وللعالم. إنّ المركز المدنيّ إذْ يُبيّن المخاطر يدعو إلى مواجهتها بما يكون في مستوى التحدّي:
-1 لا سلام بين اللبنانيّين إلاّ بقيام الدولة ذات الحدود الواضحة الرسوم، في القانون وفي الأرض.
-2 لا قيام للدولة إلاّ إذا كانت دولةً مدنيّة، اللبنانيّون فيها مواطنون متساوون أحرار، والجماعات فيها معترف بها مصانة الحقوق.
-3 لا قيام لهذه الدولة اللبنانيّة إلاّ إذا كانت مستقلّة، قائمةً بواجباتها الوطنيّة والعربيّة والدوليّة، غير تابعة لأيّ محور إقليميّ أو دوليّ.
-4 لا سلام بين اللبنانيين وبين غيرهم إلاّ إذا كان اللبنانيّون قادرين ومستعدّين لمقاومة أيّ عدوان محتمل، ومن أيّ جهة أتى، ساعين إلى السلام في المجال العربيّ، هذا المجال الذي يتّسع لجميع الأديان والمذاهب، ولجميع الأقوام والأعراق.
أيّها اللبنانيّون واللبنانيّات، في لبنان وفي بلاد الاغتراب،
ما عاد كافياً تكرار القول بعجز القيادات أو بإخفاقها أو بانحرافها. فهذا ظاهر كلّ الظهور. وهو بذلك الظهور موجب لتكليف كلّ مواطن بأداء واجبه في مواجهة هذا الواقع:
-1 إنّكم مدعوون إلى الإسهام والمشاركة في إيضاح خطّة إقامة الدولة المدنيّة ووضعها موضع التنفيذ،
-2 إنّكم مدعوون إلى الإسهام والمشاركة في إيضاح سياسة الأمن الوطنيّ والعلاقات الخارجيّة ووضعها موضع التنفيذ،
-3 إنّكم مدعوون إلى الإسهام والمشاركة في تكوين القوّة السياسيّة الاجتماعيّة في هذا الاتّجاه.
وفي أقرب وقت، سوف يقدّم المركز المدنيّ للمبادرة الوطنيّة، بالتعاون مع غيره من القوى المدنيّة، إطار العمل في هذا السبيل.
أيّها اللبنانيّون واللبنانيّات، في لبنان وفي بلاد الاغتراب،
 اليوم وليس غداً يمكننا المباشرة في إقامة الدولة المدنيّة التي نريد،
بفخر واعتزاز، بالقدرة وبالمودّة،
بالمبادرة العمليّة كما بالمبادرة الفكريّة،  
بالمبادرة الجماعيّة كما بالمبادرة الفرديّة،
في الكيان الاجتماعيّ كما في الكيان الدستوريّ،
في المستوى الوطني كما في المستوى الدوليّ.
وكلّ مواطن مكلّف بما ملكت يداه.
هوامش:
-1  هذه الحوادث وصفها تقرير الأمين العام للأمم المتّحدة الصادر في 27 حزيران 2008 كما يأتي: "وقد تميزت الفترة المشمولة بالتقرير، في معظمها، باستمرار الأزمة السياسية التي طال أمدها في لبنان والتي بلغت ذروﺗﻬا في مطلع أيار بتدهور بالغ الخطورة للحالة الأمنية الداخلية. فاحتجاجا على قرارين اتخذﺗﻬما الحكومة في ٦ أيار ٢٠٠٨ ، قام حزب الله ومجموعات أخرى في المعارضة بالسيطرة على الطرق المؤدية إلى مطار بيروت الدولي وعلى طرق رئيسية أخرى في أجزاء من  العاصمة وبإغلاقها. وردّا على ذلك، أغلقت اﻟﻤﺠموعات الموالية للحكومة المعبر الحدودي الرئيسي بين الجمهورية العربية السورية و لبنان. وأصيب البلد بالشلل التام من جراء هذه الأعمال. وسرعان ما امتدت إلى عدة أنحاء من البلد اشتباكات مسلحة بين المعارضة واﻟﻤﺠموعات الموالية للحكومة استُخدمت فيها الأسلحة الثقيلة أحيانا. وخلال الاشتباكات التي استمرت من ٨ إلى ١٣ أيار ٢٠٠٨ ، لقي 69 شخصا مصرعهم، من بينهم عدد من المدنيين، وأصيب أكثر من ١٨٠ شخصا بجروح... كادت أعمال العنف التي اجتاحت لبنان في أوائل أيار تؤدي إلى اندلاع نزاع مذهبي واسع النطاق كان من الممكن أي يسفر عن عواقب تتجاوز حدود البلد... وإني إذ أدرك أن أعمال العنف التي حدثت في شهر أيار ازدادت حدة  بسبب الأزمة السياسية التي طال أمدها، فإن الأحداث التي شهدﺗﻬا تلك الفترة أظهرت بجلاء الأخطار المحدقة بأسس الدولة اللبنانية نتيجة أعمال جهات من غير الدول. فوجود مجموعات مسلحة لبنانية وغير لبنانية لا سيطرة للحكومة اللبنانية عليها يعيق ترسيخ سلطة الدولة اللبنانية واستقرارها ويتعارض مع هذا الهدف ". وبالطبع، لا يذكر التقرير صلة هذه الحوادث بالأطراف الدوليّة، ومنها الأمم المتّحدة عبر مبعوث الأمين العام، و الإعداد لهذا التقرير نفسه.
-2 ينصّ البند ح من مقدّمة الدستور على ما يأتي: "إلغاء الطائفيّة السياسيّة هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطّة مرحليّة".
-3 تنصّ المادّة 22 من الدستور على ما يأتي: "مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي يستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية.عند إنشاء أوّل مجلس نوّاب على أساس لا طائفي"، كما تنصّ المادّة 24 منه على ما يأتي: "يتألف مجلس النواب من نواب منتخبين يكون عددهم وكيفية انتخابهم وفاقا لقوانين الانتخاب المرعية الاجراء. وإلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، توزع المقاعد النيابية وفقا للقواعد الآتية: أ - بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين. ب - نسبيا بين طوائف كل من الفئتين. ج - نسبيا بين المناطق".
-4 إنّ القول بصحّة التمثيل السياسيّ لشتّى فئات الشعب وأجياله وفعاليّة ذلك التمثيل (اتفاق الطائف، الإصلاحات الأخرى، بند ج، قانون الانتخابات النيابيّة)، مقترناً بتحديد المحافظة دائرةً انتخابيّة كواحد من الإصلاحات السياسيّة التي يتوقّف على الأخذ بها إنهاء الحرب ثمّ انسحاب الجيش السوري، يلزم عنه الأخذ بالنظام النسبي طالما أنّ هذه الدائرة مهما يكنْ حجمها فلن يقلّ عن حجم القضاء. والنسبيّة، ذات أنظمة عديدة. فمنها ما يكون في دائرة واحدة أو في دوائر كبرى أو في دوائر صغرى. ومثال الدوائر الصغرى، في نظام نسبيّ خالص، دوائر انتخاب المجلس الوطنيّ في سويسرا. فهذه الدوائر يتراوح عدد المقاعد فيها بين واحد(1) وخمسة وثلاثين (35). ومثالها أيضاً مجلس النوّاب المنتخب في جمهوريّة إيرلندا، حيث نجد نظاماً نسبيّاً من نوع آخر في دوائر يتراوح عدد المقاعد فيها بين ثلاثة (3) وخمسة(5).
-5  يأتي ترتيب لبنان في جدول الدول "الساقطة"، لعام 2008، وسطاً بين الصومال الأكثر فشلاً وسورية الأقل فشلاً. وتضمّ هذه المجموعة 35 دولة. أمّا الدول "القائمة" فأوّلها الأفضل النروج وآخرها رومانيا، وهي تضمّ 50 دولة. ومابين هاتين المجموعتين مجموعة تضمّ 92 دولة في أوائلها الأكثر فشلاً مصر وفي أواخرها الأقلّ فشلاً الكويت ربينهما إيران فإسرائيل ثمّ السعوديّة وتركيّا.
www.fundforpeace.orgweb
-6 كان انتخاب النائب الشيعي صبري حماده رئيساً لمجلس النوّاب سنة 1943، وذلك بعد ما قيل إنّه "ميثاق وطنيّ قد قضى بتوزيع المناصب الثلاثة الأولى بين الطوائف الثلاث الكبرى. وفي جلسة مناقشة البيان الوزاري الشهير قال عبد الغني الخطيب ما يأتي: ".. كانت للطائفة السنيّة سابقاً رئاسة المجلس والوزارة معاً، أمّا الآن فأعطيت رئاسة الوزارة فقط لهذا جئت أبيّن الإجحاف الذي لحق بطائفتي طالباً إنصافها". لم يلق هذا الكلام توضيحاً من رئيس الحكومة رياض الصلح ولا من غيره. وبالفعل، أصر النائب الكاثوليكي نقولا سالم على ترشيح نفسه لمنصب رئاسة مجلس النوّاب سنة 1944. لكنّه فشل. وفي سنة 1946 كان انتخاب النائب الأرثوذكسي حبيب أبي شهلا رئيساً للمجلس. وفي هذا السياق نذكر الحكومة الرباعيّة سنة 1958، المؤلّفة من اثنين من السنّة واثنين من الموارنة.
-7 رواية "الميثاق الوطني" الشهيرة. وهو في الحقيقة نوع من التفاهم الدولي العربي ثمّ اللبناني، كتبته الوقائع وأسقطته تطوراتها. أمّا الرواية التأريخيّة التي لا يطابق مضمونها مضمون واقعة التفاهم، فهي نوع من الأسطورة اللاحقة للواقعة استساغ اعتمادها بشارة الخوري في عمليّة تجديد ولايته وأعلن تجاوزها كميل شمعون وأعاد القول بها فؤاد شهاب، في جلسة انتخاب كلّ واحد منهما.
-8 المقصود بالسياسة الخارجيّة الانفصاليّة السياسة التي تتجاهل الاتّجاه المسيطر في الداخل العربي المتّصل بالداخل اللبناني ممّا يًعيد التذكير بمُعطيات تأسيس الكيان اللبناني الحالي. أنظر الهامش 13 اللاحق.
-9 تِبعاً لنصوص الدستور، وبخلاف تقاليد الممارسة التي منها مارونيّة الرئيس.
-10 بيان فؤاد شهاب بتاريخ 5 آب 1970:  "أمام الضغوط التي تعرضت لها بغية ترشيحي للرئاسة الأولى، رأيت من واجبي قبل اتخاذ قرار نهائي بهذا الصدد أن أتفحّص برويّة معطيات الوضع العام وانعكاساتها على مختلف الميادين، وذلك لأتبيّن الإمكانات التي يمكن أن تتوفّر لي لخدمة بلدي، وفقا لمفهومي الشخصي لهذا الواجب، ولما يتطلبه هذا الوضع من أجل مستقبل البلاد ومستقبل أبنائها. وفي ضوء الخبرة التي اكتسبتها خلال ممارستي المسؤوليات المتعددة وخاصة في رئاسة الدولة. وانطلاقا من تطوّر الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومن خلال نظرتي الخاصة لمعنى السلطة، وللمهمّات التي يجب أن تؤدّيها الدولة، والهالة التي يجب أن تلازمها، ونظرا لما يمكن أن يتلاءم وأسلوبي الخاص في العمل، ولِما يأمله ويتطلبه اللبنانيّون، من رجلٍ خبر الحكم، يبدو لي الموقف على الوجه التالي: إنّ المؤسسات السياسية اللبنانية والأصول التقليدية المتبعة في العمل السياسي، لم تعد، في اعتقادي، تشكّل أداةً صالحةً للنهوض بلبنان وفقاً لِما تفرضه السبعينات في جميع الميادين، وذلك أنّ مؤسساتنا التي تجاوزتها الأنظمة الحديثة في كثيرٍ من النواحي سعياً وراء فعالية الحكم، وقوانيننا الانتخابية التي فرضتها أحداثٌ عابرة ومؤقتة، ونظامنا الاقتصادي الذي يسهّل سوء تطبيقه قيام الاحتكارات، كلّ ذلك لا يفسح في المجال للقيام بعملٍ جدي على الصعيد الوطني. إنّ الغاية من هذا العمل الجدي هي الوصول إلى تركيز ديمقراطية برلمانية أصيلة صحيحة ومستقرّة، وإلى إلغاء الاحتكارات ليتوفّر العيش الكريم والحياة الفضلى للبنانيّين في إطار نظامٍ اقتصاديٍّ حرٍّ سليم، يتيح سُبلَ العمل وتكافؤ الفُرص للمواطنين، بحيث تتأمّن للجميع الإفادة من عطاءات الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية الحقّ. إنّ الاتصالات العديدة التي أجريتها والدراسات التي قمت بها عزّزت قناعتي بأنّ البلاد ليست مهيأةً بعد، ولا معدّةً لتقبّل تحولات لا يمكنني تصور اعتمادها إلاّ في إطار احترام الشرعية والحريات الأساسية التي طالما تمسكت بها. وعلى ذلك، واستناداً إلى هذه المعطيات، قررت أن لا أكون مرشحاً لرئاسة الجمهورية. وفي هذا الوقت الذي أعلن فيه قراري هذا أتوجه بالشكر إلى السادة النواب والسياسيّين والهيئات والمواطنين الذين أولوني ثقتهم متمنياً لهم التوفيق في خدمة لبنان".
-11 قبل التعديل الدستوري وفقاً لاتّفاق الطائف كانت المادّة 53 تنصّ على ما يأتي:" رئيس الجمهورية يعين الوزراء ويسمي منهم رئيساً ويقيلهم، ويولي الموظفين مناصب الدولة ما خلا التي يحدد القانون شكل التعيين لها على وجه آخر، ويرئس الحفلات الرسمية". وفي مقابل هذا النصّ، مثلاً، مشهدان واقعيّان، المعارضة التي أنهت الولاية الثانية من عهد بشارة الخوري، والمعارضة التي حالت دون التجديد لكميل شمعون. ففي المشهدين نجد رئيس الجمهوريّة في مواجهة زعماء المناطق والطوائف.
-12 جاء في رسالة وزير خارجيّة فرنسا إلى المفوّض السامي بالوكالة، سنة 1921 ما يأتي: "استقلال لبنان الذي أعلناه نحن أنفسنا السنة الفائتة (والذي علينا أن نحترمه احتراماً دقيقاً) هو إثبات أوّل لسياستنا. هذا البلد المسيحي قابل لأن يُستدرج استدراجاً تامّاً إلى ثقافتنا وإلى أن يتوكّل علينا، فيما بعد، توكّلاً خالصاً، في الوقت نفسه الذي يمثّل تقليديّاً نفوذنا في الشرق. وليس لنا في أيّ حال أن نُغرق هذا العنصر المسيحي في الوسط العربي الذي يفوقه عدداً. على لبنان، إذاً، أن يحتفظ تجاه سورية، في تنظيم الانتداب، بموقع مساوٍ، رغم صِغَر مساحته".  والبيان الذي تلاه عمر الداعوق موقّعاً منه ومن عمر بيهم وخير الدين عدره وخالد شهاب، في أثناء مناقشة المادّة الأولى من الدستور سنة 1926 فقد كان كما يأتي: "لمّا كنّا من ممثّلي البلاد التي أّلحقت بلبنان الصغير بدون استفتاء أهليها، نحتّج على الفصل الأوّل من القانون لأساسي، ونطلب فصل البلاد التي ألحقت بلبنان الصغير أي القديم وجعلها حكومة مستقلّة إداريّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً، على أن يكون لها اتّحاد مع لبنان الصغير والبلاد السوريّة". وأخيراً الطلب الذي تقدّم به يوسف الزين في الجلسة نفسها ووافقه فيه صبحي حيدر وعبّود عبد الرزاّق وصبري حماده وعادل عسيران والذي سقط عند التصويت:  "إنّنا أُلحقنا بلبنان الصغير بناء ً[عليه] نكون مساويين إليه بالضرائب والحقوق، لنا ما له وعليه ما علينا، وكوننا من حين إعلان لبنان الكبير حتّى الآن لم نحصل على تلك المساواة، بناءً [عليه] تكون أراضيه مساوية لبعضها البعض بالحقوق والضرائب دون أدنى استثناء".
-13 بعد إعلان رئيس الحكومة السوريّة "الانفصاليّة" رغبة الحكومة السوريّة ومصلحتها في إقامة علاقات دبلوماسيّة مع لبنان، في 17 تموز سنة 1962، اكتفت الحكومة اللبنانيّة بالقول بأنّها ليست ضدّ إقامة هذه العلاقات، موحيةً بأنّها تنتظر الطلب السوري الرسمي بدلاً من المبادرة إلى اغتنام هذه الفرصة، بحسب منطق المطالبات اللبنانيّة التاريخيّة.  والأقرب إلى الظنّ هو أنّ الحكومة كانت محكومةً بالخوف من الناصريّة، في الداخل وفي الخارج.
-14 بشاره الخوري رياض الصلح، مثلاً.
-15 سليمان فرنجيّه كمال جنبلاط، عند تشكيل حكومة رشيد الصلح، أو محاولة إقامة تحالف بين بشير الجميل ووليد جنبلاط، على أساس هذه الثنائيّة، في عهد الياس سركيس.
-16 القول أو الاتّهام أو التوهّم أو التصرّف بحسب هذه الثنائيّة بعد اتّفاق الطائف.
-17 بشاره الخوري بعد غياب رياض الصلح، وكميل شمعون، وفي بعض عهود سليمان فرنجيّه، الياس سركيس، أمين الجميّل، إميل لحود.
-18 رفيق الحريري، في عهد الياس الهراوي.
-19  بعد اتّفاق الطائف.
-20 حكومة فؤاد السنيورة، بعد استقالة وزراء حزب الله وحركة أمل.
-21 حكومة فؤاد السنيورة عند التحالف الرباعي وحكومته الحاليّة.

اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
تعليقات القراء عدد الردود: 0