الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأحد 22 تمور 2018
بيانات/نداءاتتقاريرالمؤتمر الدائم للحوار اللبنانيلبنان في مجلس الأمننداءات مجلس المطارنة الموارنةمحكمة من أجل لبنانانتخابيات
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2008-10-11الكاتب:ريتا شرارةالمصدر: « السابق التالي »
 وثيقة "المركز المدني للمبادرة المدنية": مشروعنا الدولة المدنية
 "على الدولة أن تحمي الفرد من مؤسسات مذهبية تسعى إلى الاستحواذ على ولائه "
عدد المشاهدة: 1047
لا يقل رد الرئيس حسين الحسيني على المداخلات التي اعقبت تلاوة بيان "المركز المدني" في فندق بريستول امس عما ورد في الصفحات الـ18 للبيان.
فكان جازماً في قوله ان "لا امكان لتأجيل اقامة الدولة المدنية"، وان "المهم حرية الاعتقاد، وهذا ما نص عنه الدستور، لان هذه الحرية مطلقة، والدولة بتأديتها فروض الاجلال لله انما تحمي الانسان في ان يمارس اعتقاده كما يشاء". وان على الدولة "واجب ان تحمي المواطن، وألا تتخذ لنفسها صفة دينية ومذهبية لان في ذلك اخراجاً للمذاهب الاخرى في الوطن، وهذا يتصل بحقوق الانسان".
ولم يتوان عن المجاهرة بفخره ان لبنان "هو البلد الوحيد في هذه المنطقة الشرق أوسطية حيث في صلب دستوره التزام شرعة حقوق الانسان، وهذا  غير قائم في دستور اي دولة اخرى". وهذه ميزة "مكنتنا من القول ان تصوير الشعب اللبناني متخلفاً هو ظلم حقيقي لانه ارتقى في تاريخه الطويل ارتقاء واضحا في طريق الحريات العامة". وأكد ان هذه الحريات "غير ممنوحة من الحاكم، وهذا امر يتفرد به لبنان، ولم تستطع الحكومات او الدول ذات الطابع الاستبدادي ان تطوع اللبنانيين وتخرجهم من الحرية".
وأسف لان يكون لبنان في المرتبة 18 من 20 من الدول "الفاشلة في العالم". والقاسم المشترك بين هذا النوع من الدول "عدم وجود سلطة دستورية وقيادة قانون"، مما يؤدي الى فساد، وتخلف، وبطالة، وعدم تقدم. وعزا الفشل ايضا الى قانون الانتخاب "الذي وضع على الشاكلة الراهنة، في حين ان الدول الناجحة انظمتها فردية على دورتين او تقوم على النظام النسبي".
الى اين؟
انطلق الحسيني في تلاوته بيان "المركز المدني" امام حشد كبير سياسي وغير سياسي، من السؤال الرئيسي: "الى اين هذا الوطن؟"، على اساس:
- حوادث ايار "بما عنت من ارتداد الى ما قبل انهاء الحروب بين الميليشيات".
- اسقاط اتفاق الطائف وصولا الى اتفاق الدوحة الذي "اخذ علما بتجدد هذه الحروب وتكريسه بعض ظروفها وشروطها"، وأخطار الاتفاق الاخير الذي "ظهر راهنا علنا باعتماد نظام اكثري يماهي بين التيار السياسي الغالب في نطاق كل قضاء ومذهب الفئة الوحيدة او الغالبة فيه. وفي هذا إلغاء شبه تام لكل تمييز بين المذهب السياسي والمذهب الديني مما يضع البلاد تحت تهديد الحروب المذهبية الدينية في صورة دائمة".
- العودة الى "تفكك الدولة"، وقد عرف اللبنانيون "طويلاً معنى حروبهم وحروب الآخرين، ومعنى العيش في ضوء الوصايات الخارجية".
ومن ابرز الكلام الذي ختم به البيان ان "المشروع اللبناني بلغ راهنا مرحلة حاسمة. فاما متابعته والارتقاء به الى ما يناسبه كمشروع استقلال وتحرر وانسانية، وإما التخلي عنه والتقهقر بمكوناته الى مسوخ جماعات ودويلات مذهبية".
وربما كان الأبرز في المداخلات، عدا التساؤل عن آلية العمل لانشاء المجتمع المدني مع أخذ في الاعتبار للوقت "الذي ضاع" (النائب السابق صلاح الحركة)، وضرورة فصل الدين عن الدولة (السيدة ليندا مطر عن "الحركة النسائية)، ان كل ما قيل موجه الى الجيل ما دون الـ50 سنة لانه سيكون مستقبل لبنان.
المذاهب السياسية بالأثواب الدينية
وجاء في البيان الذي تلاه الحسيني:
"(...) إذا كان اتّفاق الطائف اتّفاقاً لإنهاء حروب الميليشيات وظروفها وشروطها، وطريقاً لتجاوز نظام الطائفيّة، فإنّ اتّفاق الدوحة هو اتّفاق يأخذ علماً بتجدّد هذه الحروب ويكرّس بعض ظروفها وشروطها، وهو اتّفاق يتجاوز كلّ نظام دستوريّ طائفيّ أو غير طائفيّ إلى لا نظام من الصفقات المنفصلة، فيرهن تكوين  المؤسّسات الدستوريّة وتحديد أصول عملها بما هو متبدّل من الموازين والمواقيت بين القوى المذهبيّة التابعة وتلك المتبوعة، من دون الالتفات إلى أحكام قانونيّة ثابتة، دستوريّة أو غير دستوريّة.
أسقط اتّفاق الطائف بما هو اتّفاق مكتوب محدّد وبما هو مشروع ذو وجهة معروفة هي وجهة البناء الوطنيّ للدولة. وكان أوّل سقوطه إذْ أخفق القائمون بأعمال الدولة، بعده، وانفاذا لأحكامه، في وضع قانون انتخاب صحيح، وشرعيّ، لا على أساس الدوائر الانتخابيّة التي هي المحافظات، مهما يكنْ حجمها أو عددها، فحسب، بل بما يدفع ويمهّد لإقامة النظام البرلماني ذي المجلسين، مجلس شيوخ يمثّل اللبنانيّين بما هم في جماعات عدة، ومجلس نوّاب يمثّل اللبنانيّين بما هم مواطنون متساوون أحرار في شعب واحد، كما أصبح ينصّ عنه الدستور في مقدّمته وفي متنه، بعد ذلك الاتّفاق. فبعد مرحلة طويلة من التردّد والتظاهر بخلاف الواقع بحجّة هذا الظرف الاستثنائيّ أو ذاك، ظهرت علامة اكتمال هذا الإخفاق في ما نصّ عليه اتّفاق الدوحة، بلا تعلّل أو تعليل، في موضوع قانون الانتخاب، وتحديدا في الدائرة الانتخابيّة. فاتّفاق الطائف نص على المحافظة كدائرة انتخابيّة، وما يلزم بالضرورة عن ذلك النصّ من النسبيّة في نظام الانتخاب، مّما يشكل الرابط الجدّي الوحيد بين الإصلاحات الموقّتة المتعثّرة التي جاء بها الاتّفاق وما وعد به من خطوات ثابتة واضحة تؤدّي إلى بناء دولة سيّدة مستقلّة لجميع اللبنانيّين، ذات نظام برلمانيّ.
ولو سلّمنا بأنّ الظرف الاستثنائيّ، الآن، يقضي بأنْ يكون القضاء دائرة انتخابيّة، موقتا، فإنّ الاستمرار في خطّ اتّفاق الطائف والدستور الذي تدّعيه مقدّمة اتّفاق الدوحة كان يقضي، اقله، بالأخذ بالنسبيّة نظاماً انتخابيّاً، وإلاّ يكنْ ما يفرضه أطراف اتّفاق الدوحة، ضمناً، وقد ظهر الآن علناً، من نظام أكثريّ يُماهي بين التيّار السياسيّ الغالب في نطاق كلّ قضاء ومذهب الفئة الوحيدة أو الغالبة فيه. وفي هذا إلغاء شبه تامّ لكلّ تمييز بين المذهب السياسيّ والمذهب الدينيّ ممّا يضع البلاد تحت تهديد الحروب المذهبيّة الدينيّة في صورة دائمة. فالخلافات السياسيّة لا بدّ من حصولها. وفي هذا الوضع لا مفرّ من تحوّلها نزاعات مذهبيّة. وفي هذا الوضع نفسه لا شيء يظهر أو يلوح في الأفق القريب أو البعيد ممّا وعد به اتّفاق الطائف من وطن، حرّ، سيّد، مستقلّ، نهائيّ، لجميع أبنائه. وحدها المذاهب السياسيّة في أثواب المذاهب الدينيّة وأسلحتها المادّيّة والمعنويّة هي التي تلوح في هذا الأفق مع ما تحمله من أوهام وانقسامات وتبعيّة وحروب، حروب النفس وحروب الآخرين.
نصّ اتّفاق الدوحة على استئناف الحوار برئاسة رئيس الجمهوريّة بعد انتخاب رئيس للجمهوريّة سمّاه الاتّفاق وتشكيل حكومة رسم الاتّفاق نفسه أصول تكوينها وعملها كما رسم أصول تكوين مجلس النواب. وعلى أنْ يكون هذا الحوار "بمشاركة جامعة الدول العربيّة وبما يعزّز الثقة بين اللبنانيّين". إنّه لأمر مذهل حقّاً تذييل أحكام الاتّفاق هذه بالكلام على "أمن الدولة والمواطنين" أو بالكلام على "الثقة بين اللبنانيّين". إنّه لأمر مذهل حقّاً إلاّ على سبيل التهكّم. فإذا كان محلّ للقول بأنّ الظروف الاستثنائيّة الشهيرة إلى حدّ اعتبارها ظروفاً عاديّةً معياريّة حالت دون اللجوء إلى النظام القائم باعتباره غير قائم، موقّتاً، في مجال تكوين السلطات الدستوريّة، فلماذا يكون الحوار بل التفاوض في موضوعات كسلطات الدولة على أراضيها أو علاقاتها مع "مختلف التنظيمات على الساحة اللبنانيّة" من صلاحيّة "طاولة" لا يحدّد شكلها أو مفاعيلها دستور أو قانون أو إرادة شعبيّة، بدل أن تكون هذه الموضوعات من صلاحيّة أصحاب الصلاحيّة فيها، أي المؤسّسات الدستوريّة التي تكوّنت أو تتكوّن بفعل اتّفاق الدوحة نفسه؟ ليس للبنانيّين أو لا يحقّ لهم أنْ يكونوا في سذاجة من ينتظر إجابة أطراف اتّفاق الدوحة عن هذا السؤال، سواء أكانوا في علم أم كانوا في جهل، في نيّة حسنة أم في نيّة سيّئة. فما يدلّ عليه اتّفاق الدوحة دلالةً بليغةً هو سقوط النظام السياسيّ المعروف، بعدما توقّف عن العمل مدة طويلة. توقّف هذا النظام عن العمل في أمور خطيرة كتأمين استمرار السلطات الدستوريّة أو توفير الأمن. والتوقّف عن العمل في هذه الأمور لا يعني شيئاً أقلّ من سقوط النظام. وما نراه في اتّفاق الدوحة وقبله بكثير وبعده حتّى الآن هو التظاهر بوجود النظام المعروف والتظاهر باحترام أحكامه. أمّا "التنظيمات على الساحة اللبنانيّة" فاتّفاق الدوحة لم يخلق هذه "التنظيمات" التي يشكّل وجودها "في الساحة اللبنانيّة" وعملها والحديث عن الحوار في علاقاتها بالدولة اللبنانيّة واقعاً جديداً هو واقع الارتداد إلى حروب الميليشيات التي هي حروب محلّية ودوليّة على السواء.
اتّفاق الدوحة أخذ علماً بهذا الواقع الذي أنشأه أطرافه وكرّسه بأنْ جعله مستعلياً على السلطات الدستوريّة المعنيّة. أمّا "ثقة اللبنانيّين" فلا سبيل إلى مجرّد الإشارة إليها في هذا السياق من التردّي، ولا نظنّ أنّ مشاركة جامعة الدول العربيّة في الحوار المذكور أو إيداع أمانتها العامّة هذا الاتّفاق كأنّه اتّفاق بين كيانات دوليّة لا بين قوىً يجمعها كيان دوليّ واحد، أمر فيه نفع قليل أو كثير بالنسبة إلى "ثقة اللبنانيّين"، وهذا إذا لم نقلْ إنّ في هذا الأمر من التجارب ما يدعو إلى شديد الارتياب وكلّ الحذر (...).
عرف النظام في مستوى المفارقة التي تحكمه اتّجاهات ومحاولات عدة لحسمها بتكريس عرفيّ أو بتوهّم تكريسها ثنائيّةً في الحكم، مارونيّةً سنّيّةً أو مارونيّةً درزيّة أو سنّيّةً شيعيّةً، أو أحاديّةً، مارونيّةً أو سنّيّةً، أو ثلاثيّةً، مارونيّةً سنّيّةً شيعيّةً أو سنيّةً درزيّةً مارونيّةً، أو رباعيّةً وخماسيّةً، سنّيّةً شيعيّةً درزيّةً مارونيّةً أرثوذكسيّة، في ظلّ المفارقة الثانية أي انفصاليّة الكيان وتبعيّة الدولة، مع ما يستدعي تدخّلا خارجيّا بل من استدخال الخارج، كأنّ الدولة اللبنانيّة دولة بلا حدود قانونيّة أو جغرافيّة. أمّا في مستوى هذه المفارقة الأخيرة، فكانت تقلّبات عرفت بعض الهدوء وكثيراً من الاضطراب، من الموالاة إلى الوصاية ومن التوتر إلى القطيعة بين الدولة اللبنانيّة وبين الطرف الأقوى، العربيّ أو الغربيّ. وفي هذا المستوى، مستوى الكيان، لم يجد الاستقلال طريقه إلى التحقيق،  مما يعني بالضرورة من البلوغ والرشد أي من المقدرة على ممارسة الحقوق والقيام بالواجبات الوطنيّة أو العربيّة او الدوليّة، لا الانفصال عن الداخل العربيّ وحسب أو التبعيّة للأقوى فيه أو خارجه، على رغم كثرة القول بل التغنّي بذلك الاستقلال. كما أنّ النظام البرلمانيّ، بقي محض ادّعاء لا يجد طريقه إلى التحقّق بين رئاسيّة النظام في الدستور وتعدّد رؤوس الحكم في الواقع.
واقع لبنان اليوم
إنّنا الآن أمام واقع من الممكن إيجازه في الصورة الآتية:
- الأحاديّة أو بالأحرى الأرجحيّة الطائفيّة مستحيلة، لا لسبب إلاّ لأنّ ركيزتها الواقعيّة الداخليّة والخارجيّة قد انعدمت.
- الثنائيّة الطائفيّة وأخواتها، وصولاً إلى الأحدث عهداً منها أي التوافقيّة، مستحيلة أيضاً لسببين حاسمين، أوّلهما، بالنسبة إلى الثنائيّة، هو أنّ الواقع السياسي الاجتماعيّ أمسى واقعاً مذهبيّاً يتعدّى الثنائيّة، وثانيهما، بالنسبة إلى جميع هذه الصيغ، هو أنّها صيغ لا تحسم أمراً ذا معنى من أمور الحكم.
- لا سبيل إلى وصاية طرف دوليّ واحد، ولا سبيل إلى إقامة وصاية دوليّة مشتركة بين الدول ذات النفوذ والأطماع.
- لا اقتناع لبنانيّاً كافياً بأنّ الاستقلال هو السبيل الوحيد إلى قيام الدولة  ولا تسليم كافياً دوليّاً بذلك الاستقلال.
- القيادات السياسيّة اللبنانيّة وقعت في الأسر، أسر العصبيّات الطائفيّة، أسر الدول ذات الوصاية، أسر تحالفات الضرورة، وأسر أطماعها أو فسادها من قبل. إلى أين، إذاً، هذا الوطن؟ ثلاثة احتمالات:
- تفكّك واقعيّ متزايد، كما هو الحال الآن، بلا تكريس قانونيّ، دستوريّ أو دوليّ، مع التظاهر ببقاء النظام في مؤسّساته الدستوريّة والإداريّة والأمنيّة، ومع انكشاف هذا التظاهر، أحياناً، بوقوع الحوادث الأمنيّة أو عند استفحال الخلاف وتطوّره إلى أعمال عنف صريحة أو مقنّعة.
- وقوع البلاد كلّها في حالة حرب، في مستوى المنطقة، لا حسم لها، وفي ظلّ قصور الدولة وعجزها عن تأمين حماية الحدود والناس والمؤسّسات، مع ما يرافق ذلك أو يتبعه من أفعال ودعوات ترمي إلى تجاوز النظام أو الكيان، دستوراً وقانوناً دوليّاً.
- الاتّجاه نحو إعادة بناء الدولة بنظام مناسب من العلاقات الداخليّة والخارجيّة يوفّر ما تتمنّاه غالبية اللبنانيّين من أمن وعيش لائق.
يعرف اللبنانيّون الآن معنى العودة إلى تفكّك الدولة وقد عرفوا مطوّلاً معنى حروبهم وحروب الآخرين ومعنى العيش في ظلّ الوصايات الخارجيّة. وقد يكون قول أغلبيّتهم الساحقة قولاً صريحاً واحداً في أنّهم لا يطلبون  تلك الحروب بل في أنّهم يريدون قيام الدولة. إنّ السلام بين اللبنانيّين ليس شيئاً بلا  قيام الدولة الواحدة، وإنّ السلام مع الغير ليس شيئاً بلا قدرة اللبنانيّين على مقاومة أيّ عدوان محتمل. هذه هي حقيقة تاريخ اللبنانيّين وتاريخ دولتهم. وتاريخ اللبنانيّين وتاريخ دولتهم ليسا شيئاً يُستهان به كما قد يرى بعضهم إذْ يكون عليه أنْ يكون في مستوى هذا المشروع الإنسانيّ، فيجد لنفسه سبباً أو عذراً في التهرّب من واجباته الوطنيّة. المشروع اللبنانيّ مشروع صعب. لكنّ هذا المشروع مشروع يستحقّ. قد نقول إنّ الكيان اللبنانيّ إنّما هو في الأصل مشروع كيان مسيحيّ أو مارونيّ، أو هو مشروع محميّة غربيّة أو فرنسيّة. لكنّ هذا المشروع، ومهما تكن النيّة من إنشائه، وربّما لسبب من بعض النيّة من إنشائه، كان مشروع تحرّر واستقلال لا مشروع امتيازات وانفصال فحسب، بل إنّ دعوى هذه الامتيازات وهذا الانفصال لم تجد سنداً تستند إليه سوى قيم الدولة الحديثة، أي قيم الحريّة والمساواة وتقرير المصير. وهي القيم التي قام على أساسها الدستور اللبنانيّ في أحكامه الأساسيّة الثابتة. أمّا الامتيازات والانفصال فلا يجوز النظر إليهما بمعزل عن سياقهما التاريخيّ وخصوصاً لجهة التمييز على أساس الانتماء الدينيّ أو لجهة إنكار هذا الانتماء أو إنكار حقّ تقرير المصير.
إنّ المشروع اللبناني قد بلغ الآن مرحلةً حاسمةً. فإمّا متابعته والارتقاء به إلى ما يناسبه كمشروع استقلال وتحرّر وإنسانيّة وإمّا التخلّي عنه والتقهقر بمكوّناته إلى مسوخ جماعات ودويلات مذهبيّة. ولا يكفي الادّعاء أو إلقاء المسؤوليّة على عاتق الغير. فلا بدّ من المواجهة ولا بدّ من دفع الثمن. فأيّ طلب للسلامة بإدارة الظهر ورفض الانحناء في مواجهة الآخر في موقف السلام لنْ يكون إلاّ طلباً خائباً. وكما أنّ عبء الذات على الذات لا مفرّ منه لوجود الذات، لا مفرّ من عبء الصفة اللبنانيّة على حامل الجنسيّة اللبنانيّة كي يكون مواطناً من المواطنين في شعب من الشعوب.  فلا مفرَ للبنانيّين إذا أرادوا أنْ يكونوا كذلك في حياتهم الوطنيّة من التسليم بالمساواة في ما بينهم، دفع الشقيق والصديق والعدوّ إلى التسليم باستقلال لبنان، إيضاح صيغة العلاقات الداخليّة والخارجيّة التي تضع هذين الشرطين موضع التنفيذ.
إنّ الصيغة المطلوبة إنّما هي صيغة الدولة المدنيّة. فهذه الدولة تقوم على أساس الاعتراف بتعدّد المصالح وبضرورة التنسيق والانسجام في ما بينها. وهذه المصالح هي مصالح أربعة أطراف: الدولة، الشعب، الجماعات، الأفراد. وهذا في كلّ مستوى من المستويات، من الأحوال الشخصيّة إلى سيادة الدولة واستقلالها مروراً بالتمثيل السياسي والسياسات الاجتماعيّة والثقافيّة والدفاعيّة:
ففي الأحوال الشخصيّة، تختلف الدولة المدنيّة عن الدول الدينيّة والطائفيّة والعلمانيّة، بأنّها تعترف بوجود الجماعات الدينيّة والافراد. فلا سبيل إلى إنكار مفاعيل الشرائع الدينيّة لمن اختارها في أحواله الشخصيّة، ولا إلى إنكار حريّة الاعتقاد والانتساب او عدم الانتساب إلى دين أو مذهب، ولا إلى حرمان الدولة من حقّ التشريع المدنيّ.
وفي التمثيل السياسي، تختلف الدولة المدنيّة عن غيرها من الدول الدينيّة والطائفيّة والعلمانيّة بأنّها تعترف بوجود الجماعات دينيّةً او غير دينيّة وبوجود الشعب. فالفرضيّة لتجسيد هذا الاعتراف المزدوج في السياق اللبنانيّ هي في أنْ يكون البرلمان من مجلسين، واحد يكون فيه تمثيل اللبنانيّين بما هم في جماعات، وآخر يكون فيه تمثيلهم بما هم مواطنون، أي شعب واحد.
وفي السياسات الاجتماعيّة، لا بدّ للدولة اللبنانيّة، مهما تكنْ طبيعتها أو نظرتها الاقتصاديّة من تقديمات اجتماعيّة تحمي الفرد من السقوط في أسر مؤسّسات مذهبيّة لبنانيّة او أجنبيّة تتّخذ من حاجته طريقاً إلى استتباعه والاستحواذ على ولائه الخالص، بينما تقف دولته اللبنانيّة غير عابئة بحاجاته الضروريّة. فلا تلتزم سياسات اجتماعيّة ممكنة اقتصاديّاً وضروريّة كيانيّاً. والدولة إذْ توفّر التقديمات الضروريّة هي دولة مدنيّة. فهي تعترف بالفرد وتحفظ كيانها بحفظ ولاء هذا الفرد لها.
وفي السياسات الثقافيّة، لا بدّ للدولة اللبنانيّة التي تعترف بتعدّد مشاريع حياة الجماعات وبتعدّد مشاريع حياة الأفراد من أنْ تضع هذا التعدّد في إطار ما يتوجّب لمشروع حياة وطنيّة واحدة، أي لمشروع حياة اللبنانيّين بما هم مواطنون متساوون احرار، شعب واحد في دولة واحدة. وهذا لا يكون إلاّ إذا كانت القيم المدنيّة هي السائدة في العلاقات بين الأفراد والجماعات والفرد والجماعة.
وفي السياسة الدفاعيّة والخارجيّة، فإنّ أيّ سياسة دفاعيّة أو خارجيّة ترسمها قيم واعتبارات خاصّة بدين ومذهب دون غيره من الأديان والمذاهب، أو تتجاهل كلّياً انتماءات اللبنانيّين إلى أديان ومذاهب عديدة، تحكم على نفسها بالإخفاق. إذْ تخلّ بالوحدة الداخليّة أو بولاء اللبنانيّين لدولتهم وتفتح الباب الواسع أمام التدخّلات الخارجيّة. من هنا، فإنّ مقاومة اللبنانيّين لأيّ عدوان خارجيّ تتطلّب تعميم المقاومة لا إلغاءها ولا تكريس فئويّتها أو حزبيّتها. كما أنّ استقلال هذه الدولة عن المحاور الإقليميّة الدوليّة، وهو شرط قيامها، لا توفّره إلاّ مدنيّتها التي هي صفتها العربيّة في هذا المستوى. إنّ وطنكم مشروع يستحقّ. وما زال في الإمكان إنقاذه من الضياع. ولا بديل من هذا الوطن، لكم، وللعالم. إنّ المركز المدنيّ إذْ يُبيّن الأخطار يدعو إلى مواجهتها بما يكون في مستوى التحدّي:
- لا سلام بين اللبنانيّين إلاّ بقيام الدولة ذات الحدود الواضحة الرسوم، في القانون وفي الأرض.
- لا قيام للدولة إلاّ إذا كانت دولةً مدنيّة، اللبنانيّون فيها مواطنون متساوون أحرار، والجماعات فيها معترف بها مصانة الحقوق.
- لا قيام لهذه الدولة اللبنانيّة إلاّ إذا كانت مستقلّة، قائمةً بواجباتها الوطنيّة والعربيّة والدوليّة، غير تابعة لأيّ محور إقليميّ أو دوليّ.
لا سلام بين اللبنانيّين وغيرهم إلاّ إذا كان اللبنانيّون قادرين ومستعدّين لمقاومة أيّ عدوان محتمل، ومن أيّ جهة أتى، ساعين إلى السلام في المجال العربيّ، هذا المجال الذي يتّسع لجميع الأديان والمذاهب، ولجميع الأقوام والأعراق.
ما عاد كافياً تكرار القول بعجز القيادات أو بإخفاقها أو بانحرافها. فهذا ظاهر كلّ الظهور. وهو بذلك الظهور موجب لتكليف كلّ مواطن أداء واجبه في مواجهة هذا الواقع:
- إنّكم مدعوون إلى المساهمة والمشاركة في إيضاح خطّة إقامة الدولة المدنيّة ووضعها موضع التنفيذ،
- إنّكم مدعوون إلى المساهمة والمشاركة في إيضاح سياسة الأمن الوطنيّ والعلاقات الخارجيّة ووضعها موضع التنفيذ،
- إنّكم مدعوون إلى المساهمة والمشاركة في تكوين القوّة السياسيّة الاجتماعيّة في هذا الاتّجاه.
وفي أقرب وقت، سوف يقدّم المركز المدنيّ للمبادرة الوطنيّة، بالتعاون مع غيره من القوى المدنيّة، إطار العمل في هذا السبيل (...)".

اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
تعليقات القراء عدد الردود: 0