الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأحد 22 تمور 2018
بيانات/نداءاتتقاريرالمؤتمر الدائم للحوار اللبنانيلبنان في مجلس الأمننداءات مجلس المطارنة الموارنةمحكمة من أجل لبنانانتخابيات
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:1995-12-30الكاتب:المصدر: « السابق التالي »
 مراحل التحضير-التوجهات-المبادرات
 
عدد المشاهدة: 1275

عقد "المؤتمر الدائم للحوار اللبناني" جلسته التأسيسية في 23/12/1995، استناداً الى ترخيص بموجب علم وخبر رقم 575/ أ.د تاريخ 2/9/1994، وذلك بعد سلسلة من الأعمال التحضيرية والحوارات امتدت على نحو ثلاث سنوات ابتداءً من كانون الثاني 1993.

للمؤتمر هيكليته العامة بموجب نظامه الداخلي والشروط التي يحددها قانون الجمعيات اللبناني. وهو واقعاً وعملياً إطار واسع، نكاد نقول بلا ضفاف ، للتواصل والتلاقي والتفاعل بين أفراد ومجموعات وفاعليات وحساسيات متنوعة، آتية من مصادر وتجارب مختلفة، ومنفتحة على وجهة تيارية عريضة أساسها القناعة بصيغة العيش اللبناني المشترك وتجديد معنى لبنان ودوره، على قاعدة الحوار (الانفتاح والتفاعل والتضامن)، في إطار وحدة الاجتماع السياسي اللبناني ونهائية الوطن.

إن المؤتمر، بهذه المعاني وبحكم تكوينه وتوجهاته، هو في زعمنا وتقديرنا غير مهيّأ للانحباس في عصبية ضيقة، أكانت طائفية أو مناطقية أو سياسية حزبية أو فردية محورية.

 

أولاً: فـي معنـى الحـوار

 

يقوم الحوار بين مختلفين متعدّدين. فإما أن نؤمن بالحوار، وهذا يستبطن اعترافاً بالتعدد والاختلاف، وإما أن نزعم بأننا متطابقون، فلا تكون لنا حاجة بالحوار.

والاختلاف (التعدد والتنوع) ليس حالة شاذة، بل هو قاعدة تكوينية شاملة، ومتحقّقة بداهةً، في أي اجتماع انساني. لذلك فإن السعي الى إلغائه، بدعوى التوحّد والمطابقة، هو سعي عقيم ينمّ عن سوء تقدير، في أحسن الأحوال.

ثمة أيضاً، نزوع أصيل وحاجة حيوية الى اعتماد "مشتركات" لا تنهض بدونها حياة اجتماعية. من هنا يشكل التهاون أو التفريط بالمشترك سوء تدبير خطير، تترتّب عليه نتائج وخيمة عاينّا –نحن اللبنانيين- نماذج منها في تجربتنا الخاصة، ولا نزال نرى تجليات مماثلة في بلدان عدة من حولنا.

إن المشكلة في حدّ ذاتها لا تنشأ من وجود الاختلاف، ولا من وجود أنظمة للمصالح مختلفة، بل تنشأ من العجز عن إقامة نظام مشترك، أو من تخريب هذا النظام من بعد إيجاده.

ينطلق الحوار إذاً، من الاعتراف بالآخر كما هو، شريكاً مختلفاً، مع احترام هذا الاختلاف وفهم أسبابه، واعتباره حافزاً الى التكامل لا داعياً الى الافتراق.

وعليه فإن الحوار لا يدعو الآخر الى مغادرة موقعه الطبيعي والتخلّي عن تطلباته المشروعة، ولا يسعى الى استيعابه، كما لا يسعى الى التماهي معه. إن الجهد الحواري ينصبّ على اكتشاف المساحة المشتركة، وبلورتها، والانطلاق منها مجدداً ومعاً في النظر الى الأمور، ما يسمح بتحصيل خلاصات جديدة ينبني عليها تفاهمٌ اكثر عمقاً ومواقف اكثر ايجابية.

الحوار بهذا المعنى يتجاوز خطة "التقريب" ليدخل في مشروع "التضامن" مع الشريك، من خلال اعتبار المشتركات شأناً أساسياً لكل طرف، لا همّاً فائضاً عن اهتماماته الخاصة. ولا يبلغ الحوار نهاياته المنطقية مع العجز عن ممارسة التضامن.

والحوار الحقيقي يتطلب من المحاور شجاعة في المراجعة ومساءلة الذات وهو في معناه الأعمق قدرة على رؤية الذات من موقع الآخر، وقدرة على فهم الآخر بلحاظ اعتباراته ومعاييره الخاصة.

إن النجاح في بلورة المشترك، مع القدرة على التزامه، هو عينُه النجاح في إقامة "التسوية" على أساس من الوعي والقناعة. وما التسوية إلا عقدٌ ينطوي على أخذ وعطاء، وتنازلات متبادلة  بالضرورة . فالعقود الاجتماعية التي يقوم عليها السلم الأهلي في المجتمعات إنما هي في الجوهر تسويات كبرى مركّبة، تتطلّب عناية مستمرة وحسن تدبير من قبل أصحابها، مثلما تتطلّب إبداعاً في تجديدها بموازاة مستجدات الحياة.

إن الحوار بحاجة الى "فكر" يحترم الفروق والتنوع، ويرى الى الحقائق المجتمعية ماهيّات مركّبة ذات وجوه وأبعاد، لا جواهر بسيطة مطلقة ذات بعد واحد. إنه فكر يجيد التبادل والتأليف، انطلاقاً من توسّط مُشرِف من غير أن يجنح الى دمجيّة كلاّنية تلغي المسافات والتخوم أو يقع في تفريعية انقسامية تقطّع العلائق وتعدم التواصل.

إن الانغلاق على عصبية واحدة سرعان ما يُلغي الديموقراطية بسبب عدم اعترافه بالفروق والمغايرة. وقد أظهرت وقائع الحرب اللبنانية أن التصادم داخل الجماعة الواحدة الصافية كان أشدّ فتكاً من تصادم الجماعات المختلفة...

إن مجمل المفاهيم المتصلة بالحوار تحملنا على الاعتقاد بأنه نهج حياة وأسلوب عيش، وليس مجرد وسيلة تنتفي الحاجة اليها عند تحقيق غرض معيّن. لذلك هو دائم متجدّد، يستجيب لبداهة الحياة وضرورات التواصل والاجتماع. وهو الى ذلك موقف في غاية الإقدام والشجاعة ولا سيما أثناء صعود الغرائز والعصبيات، لأنه يتجنب الهروب الى الأمام بالتطرف، أو الهروب الى الوراء بالسلبية والانسحاب التطهّري.

ولا ينجو مفهوم الحوار في بلادنا من تحريفات متنوعة تنأى به عن غايته الحقيقية، فيغدو أحيانا شكلاً من أشكال النزاع البارد حين يعتبره البعض مناقشة ومجادلة (استقصاءً في محاسبة الآخر ومخاصمته) أو مساجلة (مباراةً ومفاخرة وسعياً الى الغلبة)؛ كما يغدو أحياناً أخرى آليةً قاصرة وعقيمة، حين يعتبره البعض تبادلاً لوجهات النظر بديبلوماسية ماكرة، أو هدنة بين وقتين للنزاع، أو أنه أفضل المتاح مؤقتاً من بين خيارات كلها سيئة. وفي مختلف الأحوال فإن انتفاخ الذات وركوب الرأس يحولان دون التواصل والتبادل، أي الحوار الحقيقي.

نزعم مجدداً، أن الحوار بحثٌ دائم عن المشترك، بانفتاح وتواضع، على أساس فكرة التسوية، واستنداداً الى قيم التوسّط والاعتدال. أما بدائل الحوار فتعني عملياً الاستمرار في الخصام، وتحيّن الفرص للانقضاض على الآخر، مع ما يرافق ذلك من إضعاف لمقومات المجتمع وإهدار اما راكمته الحياة المدنية والعيش المشترك؛ وهذا كله يتجاوز في أثره الحاضرَ والراهنَ ليمثل اعتداءً على مقومات المستقبل.

 

ثانياً: في معنـى المؤتمـر الدائـم للحـوار اللبنانـي     
      وصيغـة العلاقات الحوارية

 

1-    يقدّم "المؤتمر الدائم" نفسه إطاراً مفتوحاً للتواصل والتضامن بين جميع المؤمنين بصيغة العيش المشترك، العاملين من مواقع مختلفة على تجديد معنى لبنان ودوره.

2-    والمؤتمر بهذا المعنى مكان مشترك للتفاعل والحوار، يساهم في بلورة مفاهيم سياسية واجتماعية وثقافية ذات خصوصية لبنانية، يجري فحصُها واختبارها في الواقع اللبناني بمعايير يأتي في مقدّمها معيار حماية المجتمع وصالحه العام.

3-    إن الواقع اللبناني بعد الحرب بحاجة ماسّة الى انطلاق دينامية تكامل وتوحيد في مجتمع أهلي آخذٍ في استعادة وعيه واستخلاص دروس التجربة. والمؤتمر يحدد موقعه في إطار هذه الدينامية، احتراماً لهذا الوعي واستجابة لمتطابات إعادة البناء والانخراط في الشأن العام.

4-    إن اعتماد "منهجية الحوار" يفترض أن لا ينطلق المؤتمر مسبقاً من نظام فكري متكامل أو مرجعية فكرية بعينها. فالمفاهيم المشتركة التي يبلورها الحوار، ويجري اختبارها وتطويرها باستمرار، هي المرجعية المعتمدة في إطار المؤتمر.

في هذا المجال تضمّنت "الوثيقة التأسيسية" جملة من المفاهيم والمنطلقات حول معنى لبنان ودوره وحول معنى الحوار. فضلاً عن طرح إشكاليات محدّدة حول موضوعات أساسية متعلقة بالدولة والمجتمع وبناء المؤسسات والوحدة الداخلية. إن هذه المفاهيم والمنطلقات تمثل حصيلة حوارات واختبارات امتدت على نحو ثلاث سنوات من الجهد التحضيري، وهي تشكّل مبدئياً المساحة المفاهيمية المشتركة التي ينطلق منها المؤتمر الدائم للحوار اللبناني. هذا من دون ادعاء نهائية التصورات واكتمال الاطروحة.

5-    إن التعدّد والتنوّع الموجودين في إطار المؤتمر الدائم، حيث تشمل مساحة التواصل والتفاعل والتضامن أوساطاً طائفية ومناطقية وشرائح اجتماعية مختلفة، بالاضافة الى تنوّع الاتجاهات الثقافية والفكرية، كل ذلك من شأنه أن يجعل التعبيرات عن المشترك متنوعة بتنوّع الظروف المتصلة بأطراف الحوار. هذا الواقع نعتبره نقطة ايجابية لصالح إغناء الحوار ومصدر قوة وطنية للتضامن اللبناني الذي يعمل عليه المؤتمر.

6-    إن التنوّع المشار إليه في المؤتمر مع اتساع رقعته باستمرار، هو في الجانب الأساسي منه تضامنٌ اسلامي-مسيحي حول تجديد الصيغة الانسانية اللبنانية على أسس الشراكة والتكافؤ والدور الحضاري المشترك للمسيحية والاسلام. وإذا أخذنا بالاعتبار المفاعيل التفتيتية للحرب، يمكن ادراك الحاجة القصوى الى مثل هذا النوع من التضامن بعد الحرب. خاصة وأنه في اهتماماته وتطلعاته ينتمي كلياً الى مرحلة السلم الأهلي ومواجهة أعباء المرحلة المقبلة، في حين لا تزال القوى السياسية والاجتماعية في معظمها مشدودةً الى الذات، مهتمةً بإعادة إنتاج نفسها على صورةٍ ومثالٍ ماضيين.

إن المؤتمر، باعتبار هذا الجانب الأساسي، يعتني عنايةً خاصةً بمراعاة مقتضى الشراكة والتكافؤ في ادارة الحوار.

7-    إن ادارة الحوار، لتأمين التواصل والتراكم والفاعلية، تتطلّب درجة من تنظيم العلاقات (إدارة) تلبي الحاجات الفعلية للحوار ولا تفيض عنها. ونرى أن هذا المستوى المطلوب هو نوع منى علاقات التنسيق والتكامل بين جهود جماعية وفردية في مختلف المناطق والطوائف والقطاعات والميادين، وذلك من خلال هيئات مشتركة منفتحة على أي رافد حواري تضامن.

8-    إن مكونات المؤتمر ومنهجيته في التفكير والسلوط تضعه في وجهة تيارية غير حزبية، تحدّدها وتحفزها القناعات الكبرى المشتركة. وعليه فإن التنسيق والتضامن يوجّهان الحركة لا سلطة التنظيم ومركزية القرار.

9-    والمؤتمر لا يسعى الى أن يكون حزباً، لعدم قناعته بجدوى العمل الحزبي في هذه المرحلة. ولعل حاجة المجتمع اللبناني الماسّة اليوم هي الى التواصل واستعادة الحياة السياسية من منطلق الانفتاح الجامع لا الانغلاق المفرِّق.

وبخلاف المنطق الحزبي التقليدي الذي يُخرج الانسان من بيئته الطبيعية المباشرة ليضعه في بيئة ضيقة جديدة هي الحزب، فإن المؤتمر يسعى الى محاورة الانسان من موقعه في بيئته، أكانت مناطقية، طائفية، عشائرية، عائلية أو حزبية،  عبر تفاعل تجري مراكمة نتائجه باستمرار، بهدف الوصول الى مشروع مشترك يتخطى الاطار الضيّق، فيصبح من مهمات هذا الانسان غير المنسلخ عن بيئته المساهمة في تأهيلها للإنخراط في المشروع العام المشترك

إن معيار الأهلية للحوار لا يحدّده وجود الانسان في دائرة معيّنة من دوائر الانتماء الطبيعي، ولا انخراطه السابق في تجربة سياسية على اختلاف حظها من النجاح أو الفشل. ولا حتى وجوده الحالي –بفعل الاستمرار وعدم وضوح البدائل- في إطار سياسي معيّن، وإنما يتحدّد بقدرته على المراجعة واستخلاص دروس التجربة التي عاشها، بما يؤمن جهوزاً يستند الى المعرفة والتضامن.

إن صيغة العلاقات في إطار المؤتمر هي صيغة تنسيق وتضامن، ينطلقان من "مكان مشترك" للتفكير الذي يجد تعبيراته المتنوعة في أوساط ومجالات مختلفة، من غير أن يجنح الى افتعال حواجز مصطنعة أو الى القفز من فوق الاعتبارات الخاصة المشروعة. ونحن في هذا الصدد نؤمن بقابليات المساحات المشتركة للتطور والارتقاء مع استمرار التزامها ورعايتها، بينما تضمر تدريجياً وتتلاشى اذا اعتُبرت شأناً إضافياً من خارج الاهتمامات الأصلية لأطراف العلاقة الشركاء.

 

ثالثاً: في تاريخ المؤتمر الدائم والخطوات التحضيرية

إن تاريخ "المؤتمر الدائم" ارتبط عضوياً بحركة التفاعلات السياسية والاجتماعية والفكرية التي رافقت انتهاء الحرب اللبنانية، وبالمساعي الكثيرة التي بذلت ولا تزال للدخول في السلم الأهلي الثابت وإعادة بناء الدولة. ويمكن القول أن فكرة المؤتمر، على الصعيد الواقعي والعملي، كانت استجابةً ومواكبةً لمتطلبات العمل الوطني في هذه المرحلة بلحاظ ثلاثة معطيات أساسية:

1-    حال التشرذم اللبناني الذي استمر بعد العام 1990، بالرغم من اتفاق الطائف. وقد أضافت انتخابات 1992 تعقيدات جديدة وعمقت مشكلات سابقة، فضلاً عن استمرار التعثّر في إعادة بناء الدولة على أسس سليمة. والفكرة الأساسية التي انطلق منها المؤتمر في هذا المجال هي أن الخروج المأمون من الحرب لا يتحقق الا بإنجاز المصالحة الوطنية العامة بأبعادها السياسية والاجتماعية والطائفية والثقافية-التربوية، على أن تشكّل الدولة ببنيتها وأدائها أبرز تعبيرات المصالحة والعقد الاجتماعي. إن سائر المشكلات والتحديات، على أهميتها وخطورة بعضها، تبقى مرهونة بإنجاز هذه الخطوة.

2-    تفاعل عدد من الأزمات الطائفية والمذهبية والمناطقية كأنها جزر معزولة عن بعضها، ووصولها في معظم الأحيان الى طريق مسدود نتيجة المعالجات المجتزأة والتوجهات الأحادية، بحيث بدا وكأن لا مشكلة لبنانية جامعة وإنما هناك مشكلات فئوية متعددة على كل واحدة منها أن تجد لنفسها حلاً بمعزل عن الآخرين. هذا في ظل ضعف قنوات التواصل نتيجة الحرب، وقيام عقبات دونها في بعض الآحيان. وفي هذا الصدد، انطلقت حركة المؤتمر الحوارية من النظر الى المشكلات الخاصة على أنها تجلّيات لمشكلة وطنية عامة في أوساط مختلفة، وبالتالي فإن الخروج من الأزمة الخاصة لا يكون الا بالتواصل مع الآخرين وبالعمل المشترك، إذ ننهض معاً أو لا ننهض أبداً. هذا مع وعي الآليات الداخلية الخاصة بكل أزمة. ذلك أن قانون الخلاص وطنيٌ واحد، ولكن آلياته متعددة متنوعة.

3-    انطلاق حركة مراجعة واسعة منذ ما قبل الطائف، لدى العديد من الأفراد والمجموعات ممن استخلصوا الدروس المناسبة من تجربة الحرب، في أوساط النخب والقوى السياسية والطائفية وأطر المجتمع الأهلي. تلك المراجعات كانت تصوّب، بشكل أو بآخر ومن مواقع مختلفة، نحو ما يمكن تسميته "حالة العودة الى لبنان" بما تعنيه من: الالنفور المتزايد من العنف والتطرف؛ الاقلاع عن مشاريع الغلبة؛ ضمور المراهنة على الاستقواء بالخارج لتحقيق استهدافات داخلية؛ الثقة والقناعة بوحدة المصير اللبناني؛ والقراءة الايجابية لتجربة العيش المشترك ولأهمية لبنان كمساحة للحرية يختبر فيها الانسان قدرته على التفاعل نع الآخر واستيعاب التنوّع.

إن تلك الحركة، على اتساعها وأهميتها، عانت مما يعانيه الوضع اللبناني العام وهو ضعف قنوات الاتصال والقدرة على التواصل. لذلك راوح الكثيرون في أماكنهم، وتراجع آخرون. إن فكرة "المؤتمر الدائم" في هذا المجال ارتكزت الى الأهمية الحاسمة لتواصل تلك المراجعات، والحاجة القصوى لايجاد إطار للتلاقي والتفاعل والتفكير المشترك بين مختلف المؤمنين بـ"العودة الى لبنان". ولا نُخفي أن النجاح الأساسي للموتمر، والذي ترتّبت عليه نجاحات لاحقة، كان في تلك البداية المشتركة الواحدة من الوسطين الاسلامي والمسيحي، من دون ارتحال أي طرف عن بيئته الطبيعية ونطاق فعله المباشر.

إن التوجهات المشار اليها كانت في أساس حركة المؤتمر التحضيرية، فضلاً عن الفهم المشترك لمعنى الحوار ومنهجيته على نحو ما تقدّم. آخذين بالاعتبار الواقع اللبناني المركّب وتعقيدات ما بعد الحرب والظروف المحيطة. ونشير سريعاً الى أهم الخطوات التحضيرية التي ساهمت في تحقيق مراكمة فعلية خلال سنوات ثلاث على غير صعيد، ما سمح بتأسيس المؤتمر كإطار جامع منفتح متنوع بتاريخ 23/12/1995.

 

يمكـن تلخـيـص الخطـوات تحـت أربعــة عنـاويـن أسـاسيـة:

الأول: المـؤتمـرات التـحضيـريـة الجـامعـة (الخلـوات)

وأبرز هذه الخلوات سبعة:

1-    خلوة 16-17/1/1993 (سيدة الجبل-كسروان) بمشاركة نحو ثلاثين شخصية وفاعلية مهتمة بالأزمة الناجمة عن انتخابات صيف 1992، خاصة في الوسط المسيحي.

2-    خلوة 12/4/1993 (سيدة الجبل-كسروان) بمشاركة 100 شخصية وفاعلية سياسية وثقافية واجتماعية من المسيحيين. وقد توصل المجتمعون الى ضرورة الانفتاح سريعاً على قوى وشخصيات وحلقات حوارية في الأوساط اللبنانية المختلفة، خاصة في الوسط الاسلامي، ما سمح بانعقاد الخلوة التالية المشتركة بعد نحو ثلاثة أشهر من التواصل والحوار.

3-    خلوة 18/7/1993 (سيدة الجبل-كسروان) شارك فيها 130 شخصية وفاعلية من المسيحيين والمسلمين. وقد ناقشت من ضمن أعمالها مشروع وثيقة تأسيسية وتشكيل هيئات تحضيرية في المناطق والقطاعات، كما وسّعت الهيئة التحضيرية العامة. هذه الخلوة أطلقت عملياً فكرة "المؤتمر الدائم للحوار اللبناني".

4-    خلوة 26/9/1993 (سيدة الجبل-كسروان) شارك فيها 150 شخصاً من الناشطين في الحركة التحضيرية للمؤتمر. وقد أظهرت هذه الخلوة اتساع علاقات الحوار وشمولها قوى ومناطق جديدة، بالاضافة الى تجاوزها النطاق النخبوي.

5-    خلوة 22/5/1994 (مدرسة الحكمة-بيروت) ضمت نحو 300 شخصية وفاعلية، وكانت مخصصة للبحث في "الأزمة المسيحية". شارك في الخلوة ممثلان عن البطريرك الماروني ورئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى، الى قيادات روحية وسياسية. أقرّت هذه الخلوة وثيقة حوارية حول الأزمة المسيحية من منظار وطني، وانبثق عنها هيئة متابعة موسعة للتحضير لمؤتمر مسيحي عام ومواكبة الأعمال التحضيرية للسينودس. وقد شكلت هذه الخلوة خطوة بارزة على طريق الخروج مما سمي "الاحباط المسيحي". إن وثائق هذه الخلوة ومجمل الأنشطة المتصلة بها انطلقت من تصور مشترك اسلامي-مسيحي في إطار حركة التفاعل والحوار الجارية.

6-    خلوة 13/8/1994 (فندق الكارلتون-بيروت) شارك فيها 101 من أعضاء الهيئات التحضيرية في المناطق والقطاعات. بحثت في علاقات الحوار والمبادرات الممكنة على غير صعيد. كما ناقشت الوضع اللبناني العام واتجاهات القوى في البلاد بين خطّي التفكيك والتوحيد.

7-    خلوة 23/12/1995 (مدرسة الحكمة-بيروت) وهي الجلسة التأسيسية للمؤتمر، بمشاركة المندوبين من مختلف أنشطة وعلاقات الحوار. ناقشت التقارير المقدمة حول مختلف جوانب المرحلة التحضيرية السابقة، وأقرّت التوجهات الأساسية الجامعة. وقد انبثق عن هذه الجلسة العامة هيئة تنسيق وتضامن موسّعة تشمل جميع المناطق والقطاعات، وهيئة تنسيق وطنية مصغرة (هيئة تنسيق الحوار في المؤتمر الدائم).

إن تلك الخلوات الجامعة تمثل العناوين البارزة، وكان بموازاتها على مدى سنتين خلوات مناطقية عديدة (العباسية، الصرفند، حاروف، كفيفان، الضاحية الجنوبية، بيروت، جونية، عنايا، صور، النبطية، عاليه، الشوف، قرطبا، البترون، تنورين، طرابلس، زغرتا، بخعون، سير الضنية، شربيلا، طاريا، بدنايل، تمنين، شتورة، شبطين، بعلبك...) ولقاءات موسعة، فضلاً عن لقاء دوري لمنسقي الحوار في المناطق.

إن امتداد العمل التحضيري على فترة "طويلة" نسبياً إنما يعبّر، في نظرنا، بشكل أساسي عن حرص المتحاورين في إطار المؤتمر على أن تكون الانطلاقة التأسيسية واسعة، مستندة الى مراكمة فعلية ومعطيات واضحة، لا الى مجرد تصوّرات ونوايا أو رغبة ظرفية عاجلة.

 

الثاني: الـوثـائـق الأسـاسـيـة

 

1-    "مشروع الوثيقة التأسيسية": أنجزت منذ نحو سنتين، ووزّع منها نحو 9 آلاف نسخة. وقد نوقشت على نطاق واسع، وشكلت أساساً منهجياً لعملنا ومجمل مقارباتنا السياسية والثقافية في اللاحق من الوثائق والنشرات والكتابات. وهي في تقدير الكثيرين ممن اطلعوا عليها وناقشوها تشكل مساهمة ذات شأن في بلورة مفهوم الحوار في الواقع اللبناني، وفي قراءة القضايا الأساسية التي تواجه المجتمع والدولة في لبنان. إن هذه الوثيقة غير منقطعة عن وثيقتين سبقتاها  (الأولى إثر خلوة 17/1/1993 والثانية مع خلوة 18/7/1993) بل هي تطوير لهما. وهي تشكل مع الملاحظات والاضافات عليها (بعد النقاش الواسع) أساس الوثيقة التأسيسية للمؤتمر التي هي قيد الطبع بعنوان: "في سبيل كتلة تاريخية لبنانية لتجديد معنى لبنان ودوره". والوثيقة الجديدة تطرح مشروعاً وطنياً للحوار والتضامن اللبناني في وجهة تيارية عريضة وكتلة تاريخية جامعة.

 

2-    وثيقة "الأزمة المسيحية" المقدَّمة الى خلوة الحكمة 22/5/1994: وهي ترجمة للوثيقة العامة في قضية محددة. وقد حاولت أن تفتح أفاقاً جديدة لمعالجة الأزمة المسيحية وإعادة طرحها على نحو صحيح كأحد تجليات الأزمة اللبنانية العامة

3-    وثيقة خلوة الكارلتون 13/8/1994: وهي محاولة للانتقال بالطرح من المستوى المنهجي المبدئي الى مقاربة الوضع السياسي والخطوط البرنامجية.

 4-    الوثيقة الشمالية "من أجل إعادة التواصل بين الشمال والدولة": وهي ترجمة مناطقية للوثيقة العامة. تتميز في انها حاولت الربط المنهجي والسياسي والوطني لقضايا الشمال بالدولة والمسألة الوطنية العامة، خاصة وأن الهموم الشمالية تعاني تاريخياً من انقطاعات عدة من الشأن الوطني العام بفعل السياسات التقليدية المحدودة الآفاق والاهتمامات

5-    الوثيقة/المشروع "لإعادة تكوين تيار الشرعيةالتاريخية في الوسط المسيحي": وهي فضلاً عن كونها تطويراً لوثيقة الأزمة المسيحية المشار اليها آنفاً. واستلهاماً معمقاً لوثيقة المؤتمر الأساسية، فإنها تحمل مقومات المشروع السياسي. وقد وزّعت مؤخراً على نطاق واسع، وتجري مناقشتها وتسجيل الملاحظات عليها. وعلى أساسها يجري التحضير لمؤتمر مسيحي عام تقريباً. 

إن جميع وثائق المؤتمر مطروحة للحوار الواسع، وهي نصوص مفتوحة، غير نهائية، همّها الأساسي بلورة المشتركات من خلال التواصل والتفاعل والحوار، واقتراح صيغ التضامن اللبناني حول القضايا الأساسية.

 

الثالث: النـشـرات الـحـواريـة الـدوريـة

 

1-    "قضايا الأسبوع" نشرة اسبوعية، تواكب الحوار اللبناني وتطرح قضاياه، بإشراف الهـيـئـة التحضـيـريـة للمـؤتمـر. صدر منها ثمانون عدداً ما بين 4/6/1993 و16/12/1994. وكانت توزع في جميع المناطق اللبنانية بمعدل 4500 نسخة اسبوعياً. شكلت هذه النشرة وسيلة تواصل ناجحة، وقدمت باستمرار مادة حوارية حيّة، في لغة متجددة، وذلك بشهادة المتابعين. وقد توقفت عن الصدور لأسباب من بينها الضائقة المالية.

2-    سلسلة "قضايا لبنانية": اهتمت بالملفات الأساسية في قضايا المجتمع والدولة وقضايا الفكر المعاصر. وقد صدر منها أربعة كتب حتى الآن هي: "الثروة المائية في لبنان بين الاطماع والمفاوضات"، "خمسون لبنان المستقل"، "اللامركزية حين تكون صيغة للإدارة والمطالب"، و "كارل بوبر: مدخل الى العقلانية النقدية".

3-    "أوراق الحوار": نصف شهرية صدر العدد الأول بتاريخ 1/9/1995 وهي مستمرة في الصدور بدعم المشتركين وعدد من المؤازرين. تستند هذه النشرة-الأوراق الى رصيد تجربة "قضايا الأسبوع" على نحو أكثر تطوراً. وهي عبارة عن أوراق مصنّفة تحاول كل ورقة منها أن تعالج إشكالية محددو وأن تقارب موضوعاً حوارياً من زاوية إشكاليته الأساسية. وأوراق الحوار، بحسب تصديرها "تسعى لأن تكون مجالاً مفتوحاً لمشاركة المثقفين اللبنانيين وأهل الرأي والتجربة في إغناء مضامينها، فضلاً عن مشاركة المعبّرين عن قوى المجتمع المدني والسلم الأهلي، ولا سيما الاتجاهات المنفتحة على فكرة تكوين "الكتلة التاريخية". بما هي حاملٌ لحركة نهوض وطني شامل، وحيوية ثقافية، وتجديد للحياة السياسية".

 

الرابع: المبـادرات والنشـاطـات المختلفـة

كان للمؤتمر الدائم خلال الفترة الماضية مبادرات ونشاطات متنوعة في الإطار اللبناني وفي المجال الحواري العام. نشير الى بعضها:

1-    المساهمة في تطوير الحوار الاسلامي-المسيحي في لبنان: إن مشروع المؤتمر هو في جانب أساسي منه مساهمة في في هذا الحوار، لجهة إعادة التواصل، وبلورة مساحات العمل المشترك والتضامن، وتوحيد الخطال الوطني. وفي هذا الصدد واكب المؤتمر منذ البداية انعقاد "القمة الروحية الاسلامية المسيحية" في بكركي إثر الاعتداء الاسرائيلي على الجنوب صيف 1993 وما كان لتلك القمة مندور كبير في توحّد اللبنانيين بوجه الاعتداء. كما كان لعدد من وجوه المؤتمر مشاركة فاعلة في الجهود التي أدت الى قيام "الأمانة الدائمة للقمة الروحية الاسلامية" و"اللجنة الوطنية الاسلامية-المسيحية للحوار" التي أصدرت "ورقة العمل المشتركة الاسلامية-المسيحية" في 5/1/1995. والمؤتمر على صلة دائمة بمختلف المساعي والأنشطة الهادفة الى تعزيز التفاهم الاسلامي-المسيحي في لبنان.

2-    المشاركة في مؤتمرات الحوار الاسلامي-المسيحي وحوار الأديان في المنطقة: من ذلك النشاطات الحوارية المتصلة بمجلس الكنائس العالمي ومجلس كنائس الشرق الأوسط وغيرهما، في قبرص ولبنان ومصر والسودان وغير ذلك.

3-    مواكبة التحضيرات بشأن السينودس من أجل لبنان على غير صعيد، ومشاركة اثنين من أعضائه (بصفتهم الشخصية بحسب نظام السينودس) في الأعمال التي جرت في حاضرة الفاتيكان ما بين 26 تشرين الثاني و14 كانون الأول 1995.

4-    المشاركة في التحضير للمؤتمر الاسلامي-المسيحي العربي حول القدس الذي سيعقد في القاهرة في 13/5/1996.

5-    الاهتمام بالقضايا النقابية والقطاعية: فكان للمؤتمر، خلال مرحلة التحضير، عدد من المساهمات والمبادرات في هذا المجال، نشير من ينها الى تشكيل "جمعية إنماء وصحة" وخوض انتخابات نقابة الأطباء (19/3/1995). وقد نال مرشح المؤتمر لعضوية النقابة منفرداً 429 صوتاً. وفي انتخابات نقابة المهندسين في الشمال فاز مرشح المؤتمر بمركز النقيب. وفي انتخابات رابطة أطباء الأسنان في الضاحية الجنوبية فاز مرشحا المؤتمر بعضوية الهيئة الادارية. هذا الى المشاركة في انتخابات رابطات الاساتذة الجامعيين والمعلمين ونقابة المحامين وغيرها.

6-    تشكيل "ندوة الحوار الدائم" في الشمال ومركزها طرابلس في 17/12/1995. وقد افتتح المركز بحفل استقبال وتعارف ضم نحو ثلاثة آلاف مشارك من المثقفين والوجوه السياسية والاجتماعية والنقابية.

7-    تشكيل "ندوة الحوار الدائم" في النبطية: وقد أقامت الندوة خلال السنة الماضية عشرات المحاضرات واللقاءات الحوارية.

8-    تشكيل "ندوة الحوار الدائم" في ساحل المتن الجنوبي: وقد أقامت الندوة عدداً من المحاضرات واللقاءات الحوارية.

9-    الاهتمام بقضية المهجرين بشكل عام ومهجري الجبل على نحو خاص. ويتابع المؤتمر هذه القضية من خلال هيئة  متابعة من أبناء الجبل وضعت مشروعاً بعنوان "المصالحة الدرزية المسيحية في الجبل" وهي ناشطة في عملها واتصالاتها بالمعنيين على مختلف المستويات.

10-تشكيل هيئات "تنسيق الحوار" في مختلف المناطق اللبنانية وعدد من القطاعات. وتقوم هذه الهيئات بتنشيط المبادرات في المناطق والقطاعات، متفاعلة مع تشكيلات المجتمع الأهلي ومؤسسات المجتمع المدني، وبالتواصل مع الاتجاهات الحوارية المنفتحة في الأحزاب والقوى السياسية. وقد ساهم المؤتمر بشكل فاعل في اطلاق بيانات المثقفين وفي التحضيرات لاطلاق "الهيئة الوطنية لمتابعة الانتخابات".


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
تعليقات القراء عدد الردود: 0