الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأحد 22 تمور 2018
بيانات/نداءاتتقاريرالمؤتمر الدائم للحوار اللبنانيلبنان في مجلس الأمننداءات مجلس المطارنة الموارنةمحكمة من أجل لبنانانتخابيات
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2008-04-15الكاتب:المصدر: « السابق التالي »
 قانونية توقيف الضباط المتهمين باغتيال الحريري و توافقه مع مبادئ القانونين الدولي واللبناني
 مذكرة من الحكومة الى المفوضية العليا لحقوق الانسان رداً على توصيف "الاعتقال التعسفي"
عدد المشاهدة: 1436
اكدت الحكومة اللبنانية ان توقيف المتهمين الثمانية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن ضمنهم الضباط الاربعة يتوافق مع القانون اللبناني والدولي.
هذا الموقف جاء خلال مذكرة ارسلتها الى فريق العمل المعني بالاعتقال التعسفي في المفوضية العليا لحقوق الانسان في جنيف حول موضوع توقيف المتهمين الثمانية بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد الحريري ضمنتها سلسلة ملاحظات اشارت فيها الى وقائع القرارات الصادرة عن مجلس الامن والمتعلقة بارسال بعثة تقصي الحقائق الى لبنان للتحقيق على الفور في هذا العمل الارهابي، ثم انشاء لجنة تحقيق دولية لمساعدة السلطات اللبنانية في تحقيقها، وانشاء المحكمة الخاصة من اجل لبنان ذات الطابع الدولي بهدف محاكمة جميع الذين ثبتت مسؤوليتهم في عملية الاغتيال.
وعرض التقرير الواقع في 40 صفحة فولسكاب باسهاب وتعليل قانوني الى قرارات مجلس الامن الصادرة بهذا الشأن والزاميتها واوليتها وتطبيق المحقق العدلي للقانون اللبناني مع مراعاة مبادئ القانون الدولي.
وخلصت الحكومة الى ان استمرار التوقيف الاحتياطي للمتهمين الثمانية المتخذ من قبل قاضي التحقيق العدلي في محله القانوني وتفوق تلك المزعومة لاتخلاء السبيل، ودعت الى الرجوع عن الرأي رقم 37/2007 الصادر عن فريق العمل المعني في المفوضية والمتعلق بالموقوفين الثمانية: اللواء جميل السيد، اللواء علي الحاج، العميد مصطفى حمدان، العميد ريمون عازار، ايمن طربيه، مصطفى طلال مستو، ومحمود عبد العال، لان هؤلاء لا يعتبرون وبالاستناد الى كل ما تقدم في حال توقيف واعتقال تعسفيين وذلك وفقاً للاصول.
وفيما يأتي نص المذكرة:
جانب فريق العمل المعني بالاعتقال التعسفي
في المفوضية العليا لحقوق الانسان في جنيف
الموضوع: ملاحظات الحكومة اللبنانية بشأن توقيف ثمانية أشخاص لبنانيين في قضية اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري
المرجع: الرأي رقم 37/2007 الصادر عن فريق العمل بتاريخ 30/12/2007
بالإشارة إلى الموضوع والمرجع المذكورين اعلاه، وبعد الاطلاع على مضمون الرأي رقم 37/2007 ومندرجاته، وبناء على تعليمات دولة رئيس مجلس الوزراء الاستاذ فؤاد السنيورة بالطلب إلى أمين عام مجلس الوزراء إبلاغ فريقكم الموقر ملاحظات الحكومة اللبنانية ردا على ما ورد في الرأي رقم 37/2007 يهمنا ان نلفت فريق العمل المعني بالاعتقال التعسفي في المفوضية العليا لحقوق الانسان إلى ما يلي:
أولاً: ان الحكومة اللبنانية، إذ تقدر لفريق العمل المعني بالاعتقال التعسفي في المفوضية العليا لحقوق الانسان اهتمامه بموضوع الاعتقال التعسفي عموما، فإنها كانت تتمنى، وحرصاً منها على صدقية عمل الفريق وشفافيته، لو ان الفريق أبلغ الحكومة اللبنانية "الاخبار" الذي تلقاه وبني عليه الرأي الصادر عنه، وذلك ليتسنى للحكومة اللبنانية الاطلاع على ما ورد فيه والاجابة عليه قبل إصدار الفريق لرأيه، سيما وان فريق العمل يعترف للحكومة اللبنانية بتجاوبها معه.
ثانياً: ان الحكومة اللبنانية، إذ تقدر ايضاً للفريق اهتمامه بمن يدّعي اعتقاله تعسفاً، فانها كانت تتمنى، وحرصاً منها على شمولية عمل الفريق وعلى السلم والأمن، لو ان الفريق دعا أو استمع إلى الفريق الممثل للضحايا البريئة التي سقطت في العمل الإرهابي الذي أدى إلى استشهاد رئيس مجلس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ورفاقه.
ثالثاً: ان الحكومة اللبنانية، وعلى الرغم من تحفظاتها المذكورة في البندين أولاً وثانياً أعلاه، وتأكيداً على سياستها الثابتة في احترام مختلف الهيئات والمنظمات الدولية، وعلى تعاونها المستمر مع أي جهاز أو فريق ينبثق عنها، فانها تجد ان ما ورد في الرأي رقم 37/2007 تاريخ 30/12/2007 بما يتعلق منه بموقف الحكومة اللبنانية أو قرارات سلطاتها القضائية المستقلة، لا يتوافق مع الفقه والاجتهاد الدوليين.
وعلى ذلك، وبعد الوقوف من السلطات المعنية في الدولة اللبنانية على الحقائق والوقائع الثابتة في موضوع توقيف الأشخاص موضوع الرأي رقم 37/2007، ولا سيما النيابة العامة التمييزية، فإن الحكومة اللبنانية تبدي الملاحظات التالية رداً على ما ورد في الرأي المذكور:
بتاريخ 14/2/2005 قُتل رئيس مجلس وزراء لبنان السابق الشهيد رفيق الحريري مع عشرين شخصاً بانفجار استهدفه في وسط العاصمة بيروت.
I ـ بعثة تقصي الحقائق
1) ظروف نشأتها
في 18/2/2005 أعلن سعادة الأمين العام للأمم المتحدة السيد كوفي أنان إرسال بعثة تقصي حقائق إلى لبنان للتحقيق على الفور في الأسباب والظروف ونتائج هذا العمل الإرهابي، وكانت هذه برئاسة المحقق الدولي "فيدجيرلد" ومعه محققون أمنيون ومستشار سياسي وآخر قانوني وعدد كبير من خبراء المتفجرات والمقذوفات والحمض النووي لتفحص موقع الجريمة وأخذ عيّنات منه لتحليلها بالاتفاق مع السلطات اللبنانية.
في 21/2/2005 اجتمع مجلس الوزراء اللبناني وأصدر مرسوماً قضى بإحالة القضية على المجلس العدلي وعين محققاً عدلياً لمتابعة التحقيقات التي كان القضاء العسكري قد باشر بها نظراً لصلاحيته الحكمية عند حصول الجريمة كونها تتصف بالإرهابية.
في 25/2/2005 وصلت البعثة إلى بيروت فالتقت عدداً كبيراً من المسؤولين اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والسياسية، كما اطلعت على التحقيق اللبناني والإجراءات القانونية التي كانت قد اتخذت، كما عاينت مسرح الجريمة والادلة التي كانت قد جمعتها السلطات اللبنانية المختصة وحللت بعض العينات منها وأجرت مقابلات مع بعض الشهود.
في 25 آذار 2005 رفعت بعثة تقصي الحقائق تقريرها إلى مجلس الأمن. وأبرز ما تضمنه التقرير، لا سيما على صعيد الخلفية الأمنية: ان اغتيال الرئيس الحريري يثير التساؤلات حول مستوى الحماية الذي كان مؤمناً له من قبل جهاز الأمن اللبناني، من أمن عام، أمن داخلي، استخبارات عسكرية ومديرية الحرس الجمهوري، اضافة إلى فرع جهاز الاستخبارات العسكرية السورية الذي تؤدي الدلالات والشهادات إلى الاعتقاد من دون أدنى شك بأنه كان له دور فعّال ورئيسي في الحياة السياسية اللبنانية وإشراف مباشر على إدارة الشؤون الأمنية في البلاد، خاصة وان رؤساء هذه الأجهزة الأمنية كانوا يرفعون تقاريرهم إلى أولئك الذين عينوهم والذين يدينون بالولاء لهم بدلاً من ان تسلك هذه التقارير القنوات الموضوعة دستورياً.
وقد توصلت البعثة إلى استنتاج: "بأنه كان ثمّة تقصير خطير من قبل جهاز الأمن اللبناني لتوقع اغتيال الرئيس الحريري إذ بالرغم من شائعات التهديد التي كانت سائدة بشأن الاعتداء على الرئيس الحريري لم يتخذ أي جهاز من أجهزة الامن أية إجراءات اضافية لحمايته ولم يعد أي منها ملفاً تقويمياً بشأن أمن هذه الشخصية السياسية الأهم في لبنان كالملف التقويمي الدوري الذي كان يعد لرئيس الجمهورية والذي كان يبين مستوى التهديد والخطر الذي يتعرض لهما الرئيس استناداً إلى قراءة للوضع السياسي والشائعات والوضع الأمني إجمالاً".
واعتبر التقرير انه: "لم يقترح أي جهاز أمني ايضاً رفع مستوى حماية الرئيس الحريري بل على العكس تم تقليص فريق حمايته المؤمن من قبل قوى الأمن الداخلي من 40 إلى 8 عناصر في جو شديد التوتر".
لهذه الناحية جاء تقرير "فيدجيرلد" ليوضح بأن البعثة ترى ان جهاز الأمن اللبناني اخفق في توفير حماية مناسبة للسيد الحريري بالتالي وفّر بيئة ملائمة لاغتياله.
من ناحية اخرى اعتبرت البعثة بعد معاينتها لمسرح الجريمة ان إزالة المركبات الست التابعة لموكب الرئيس الحريري من موقع الجريمة إلى ثكنة الحلو قبيل منتصف ليل 14 شباط وتدخل الأجهزة الأمنية وإزالتها لمواد من مسرح الجريمة ذات قيمة دلالية محتملة من دون توثيق لها أو ابلاغ عنها أو مقارنة بها والدخول مباشرة بعد وقوع الانفجار إلى مسرح الجريمة لمندوبي وسائل الإعلام ولمدنيين ولأشخاص مجهولين كذلك دخول أجهزة الحكومة (مخابراتها) آنذاك إلى الموقع عنوة وبطريقة ظاهرة للعيان من دون اذن قضائي، كل هذا يبين ان مسرح الجريمة لم يُحمَ بطريقة مناسبة ونتيجة لذلك فإن دلائل مهمة قد ازيلت أو دمرت من دون تسجيل ويجب تحميل المسؤولية للمسؤولين عن عدم التنظيم هذا.
ومما خلص إليه تقرير بعثة فيدجيرلد ان أجهزة الأمن اللبنانية والاستخبارات السورية تتحمل المسؤولية الاولية عن النقص في الأمن والحماية والقانون والنظام في لبنان وان أجهزة الأمن اللبنانية أظهرت عن إهمال خطير ومنظم في أداء الواجبات التي تؤمنها عادة هرمية أمنية محترفة. وانه إلى جانب كون التحقيق اللبناني يعاني من عيوب خطيرة وسواء كان ذلك ناتجاً عن نقص في الإمكانات أو الالتزام فانه من المستبعد ان تصل الإجراءات إلى نتيجة وضعية اضافة إلى كون مصداقية السلطات اللبنانية التي تتولى التحقيق هي عرضة للتساؤل من قبل الكثير من اللبنانيين في المعارضة والحكومة. لذا فأن وجهة نظر البعثة ان تحقيقاً دولياً مستقلاً سيكون ضرورياً لكشف الحقيقة، على ان يتحلى فريق عمله بالخبرة المطلوبة لمثل هذه التحقيقات ومعرفة بالأنظمة القانونية المعنية. إلا انه من المشكوك فيه ان يتمكن فريق التحقيق الدولي هذا من ان يقوم بمهماته بطريقة منتجة إذا ظلت القيادة الراهنة للأجهزة الأمنية اللبنانية في مناصبها.
2) الطبيعة القانونية لبعثة تقصي الحقائق وصلاحياتها:
إذا ما عدنا إلى مضمون قرار مجلس الأمن لجهة إنشاء بعثة تقصي الحقائق يتبين لنا ان "بعثة فيدجيرلد" تتمتع بطبيعة قانونية خاصة SUI GENERIS كونها أنشئت آنياً لتحقيق غاية معينة خلال فترة زمنية محددة، تنتهي مهامها بانتهائها AD HOC. فهي تتمتع بصلاحية تمكنها من تقصي المعلومات وجمع المعالم المادية من مسرح الجريمة والقيام بالدراسات التكنولوجية والتحاليل البيولوجية كي يتسنى في المرحلة اللاحقة، مرحلة التحقيق الاولي، تحديد العناصر الأساسية واستخلاص وتبيان الوقائع.
إن دور هذه البعثة هو بمثابة دور شرطة دولية حدود نطاقها ممارسة نشاطات بحت تكنولوجية وبيولوجية بنتيجتها قد تصدر البعثة خلاصات أولية وتوصيات.
إن بعثة "فيدجيرلد" تتمتع بسلطة مستقلة خلال ممارستها لنشاطاتها التقنية والبيولوجية وما يستتبعها من مقابلات مع شهود. فهي بالتالي لهذه الناحية غير مقيدة بأية أصول خاصة أو إجراءات معينة. إلا أنها تبقى ملزمة بالاستحصال من السلطات اللبنانية على إذن لدخول موقع الجريمة ومعاينته وجمع العيّنات منه وتحليلها.
إن الخلاصات الأولية لهذه البعثة وتوصياتها، وان كانت غير ملزمة للسلطات اللبنانية، إلا انها شكلت المرجع الأساسي الذي قد يعوّل عليه مجلس الامن الدولي للقول بضرورة أو عدم ضرورة إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة لمساعدة السلطات اللبنانية في تحقيقها وكشف الحقيقة.
II ـ لجنة التحقيق الدولية المستقلة
1) ظروف نشأتها
على اثر احالة بعثة تقصي الحقائق تقريرها إلى مجلس الأمن الدولي قام هذا الأخير بدرس تقرير البعثة المذكورة التي رغم محدودية الوقت (3 أسابيع) والطاقة البشرية المتوفرة لها، كانت استنتاجاتها وتوصياتها التي ذكرناها آنفاً ذات قيمة كبرى بالنسبة لمجلس الأمن، الذي أصدر بتاريخ 7/4/2005 قراره رقم 1595 بإنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة لمساعدة السلطات اللبنانية في تحقيقها في جميع نواحي هذا العمل الإرهابي بهدف المساعدة من بين أمور أخرى، في تحديد المرتكبين والداعمين والمنظمين والمتواطئين وذلك بعد أن كانت الحكومة اللبنانية قد أعربت في رسالة بتاريخ 29/3/2005 عن موافقتها على قرار مجلس الأمن بإنشاء لجنة تحقيق دولية وعن استعدادها للتعاون مع للجنة ضمن نطاق السيادة اللبنانية والنظام القضائي اللبناني، سيما وأن الأعمال الإرهابية استمرت تفتك بالبلاد: فوقعت أربعة انفجارات في المنطقة الشمالية لبيروت أدت إلى مقتل وجرح العديد من المواطنين الأبرياء خلال الفترة الممتدة من 19/3/2005 لغاية 1/4/2005.
في 28/2/2005 وتحت تأثير ضغط شعبي هائل استقالت حكومة الرئيس عمر كرامي وعيّن الرئيس نجيب ميقاتي بدلاً منه وألفت حكومة جديدة.
في 22/4/2005 قرر كل من المسؤولين الأمنيين اللواء علي الحاج المدير العام لقوى الأمن الداخلي واللواء جميل السيد المدير العام للأمن العام وضع نفسيهما بتصرف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي.
بتاريخ 62/4/2005 ووفقاً للقرار رقم 1559، تم رحيل آخر جندي سوري عن لبنان تحت إشراف بعثة من الأمم المتحدة للتحقق من إتمام الانسحاب الكامل للقوات السورية من لبنان.
بتاريخ 13/6/2005 وقّعت الحكومة اللبنانية مع اللجنة الدولية التي كان يرأسها القاضي ديتليف ميليس مذكرة تفاهم أوردت أنماط التعاون بين الطرفين.
بتاريخ 16/6/2005 أعلن الأمين العام بدء عمل لجنة التحقيق الدولية المستقلة.
2) الطبيعة القانونية للجنة التحقيق الدولية المستقلة
كما هي الحال بالنسبة لبعثة تقصي الحقائق، فإن اللجنة الدولية المستقلة تتمتع بطبيعة قانونية خاصة بها فرض وجودها حدث أمني ضخم، خطير غير مرتقب، واستوجب انشاؤها وضع خاص لقضية خاصة sui generis وحدد دورها لتحقيق غاية معينة بفترة زمنية محددة، تنتهي بانتهائها ad hoc.
إن قرار إنشاء لجنة التحقيق الدولية المستقلة، وإن كان ليس بقرار جديد تصدره الأمم المتحدة كونها أنشأت بالسابق لجاناً مماثلة في قضايا أخرى مثل يوغوسلافيا وروندا وبوروندي إلا أن اللجنة التي انشئت من أجل مساعدة السلطات اللبنانية تختلف عن ما سبقها من لجان نظراً لتكوينها وشمولية صلاحياتها وطول فترة عملها وتعددية افرادها وتشعب نطاق عملها.
تبدو اللجنة للوهلة الأولى وكأنها ضابطة عدلية تعمل بإشراف السلطات القضائية اللبنانية، في حين ان الواقع مختلف. وهذا يبدو جلياً من مراجعة مضمون القرار 1595 الذي أنشأها وحدد المهام التي أوكلها إليها والسلطة التي أناطها بها دون أن يحدد صراحة الأصول الاجرائية المتوجب عليها تطبيقها خلال ممارستها لمهامها على الأراضي اللبنانية.
وفي حين حدد القرار 1595 ولاية اللجنة الدولية المستقلة، جاءت مذكرة التفاهم الموقعة بين الدولة اللبنانية ورئيس اللجنة لتحدد نطاق التعاون بين الطرفين.
إن إنشاء مثل هذه اللجنة يُعتبر تجربة جديدة في القانون الدولي، وقد تكون هذه التجربة نقطة انطلاق أو تراجع لمثل هذه اللجان على الصعيد الدولي، وأن مجلس الأمن يترقب النتيجة التي سوف تحققها اللجنة من خلال ممارسة عملها. لذلك فإن هناك الكثير من الجدة Nouveaute في كيفية تطبيق المبادئ القانونية الدولية المعتمدة ومطابقتها مع القانون الوضعي الداخلي.
ولكن ما هو أكيد ان هذه اللجنة هي لجنة تحقيق مستقلة تتولى القيام بالأعمال التي تمارسها عادة الضابطة العدلية خلال مرحلة التحقيق الأولي معتمدة على القضاء اللبناني من أجل تنفيذ بعض قراراتها أو ممارسة بعض صلاحياتها في سبيل تثبيت الوقائع.
وفي مطلق الأحوال، وخاصة ان الدولة اللبنانية طلبت من الأمم المتحدة المساعدة ووافقت على إرسال لجنة تحقيق مستقلة لمساعدتها في تحقيقها القضائي، تبقى السلطات اللبنانية ملزمة بمضمون قرار مجلس الأمن رقم 1595، لاسيما لجهة السلطة الواسعة المعطاة لهذه اللجنة التي، وإن تكن مقيدة بتطبيق المبادئ الأساسية للقانون الدولية خلال ممارستها لمهامها على الأراضي اللبنانية بالنسبة لالتزامها بتطبيق القوانين اللبنانية، فإنه لا بد لها من العودة إلى بنود مذكرة التفاهم، لا سيما في ما يتعلق بإجراءات التطبيق.
ـ من العودة إلى القرار 1595 فإن أول ما يلفت الانتباه ان مجلس الأمن وصف الجريمة بالعمل الإرهابي:
لقد أعطى القرار 1595 للجنة التحقيق الدولية سلطاناً واسعاً في إجراء التحقيق في جميع جوانب هذا العمل الإرهابي بما في ذلك تحديد هوية مرتكبيه ومموّليه ومنظميه والمتواطئين معهم: فللجنة الحق بالوصول بشكل كامل إلى جميع ما في حوزة السلطات اللبنانية من معلومات وأدلة وثائقية ومادية وردت في شهادة الشهود ترى انها ذات صلة بالتحقيق، كما لها الحق في جمع أية معلومات وأدلة إضافية، فضلاً عن الحق بإجراء مقابلات مع جميع المسؤولين وغيرهم من الأشخاص مما ترى اللجنة ان لهم أهمية في التحقيق. كما تتمتع اللجنة بحرية التنقل والوصول إلى جميع المواقع والمرافق اللبنانية.
كذلك أعطى مجلس الأمن توجيهاته إلى اللجنة بتحديد الإجراءات المتعلقة بسير تحقيقها مع مراعاة القانون اللبناني والإجراءات القضائية اللبنانية. وكان مجلس الأمن قد طلب إلى جميع الدول والأطراف التعاون مع اللجنة وتزويدها بأية معلومات ذات صلة قد تكون في حوزتها تتعلق بالعمل الإرهابي هذا.
3) مذكرة التفاهم الموقعة بين لبنان ورئيس لجنة التحقيق الدولية في حزيران 2005
بالنسبة إلى اتفاقية التفاهم الموقعة بين الدولة اللبنانية واللجنة الدولية، نلاحظ ان هذه الاتفاقية كرّست وبشكل تفصيلي الصلاحيات المعطاة كافة للجنة الدولية بموجب القرار رقم 1595 من حرية تنقل في جميع الأراضي اللبنانية والدخول إلى الأماكن والمؤسسات لاستلام الأدلة الوثائقية كافة والمعلومات المادية وشهادات الشهود من السلطات اللبنانية، كما كرّست اتفاقية التفاهم حق اللجنة في المشاركة في أي تحقيق له صلة بالقضية وإعطاء التوجيهات للسلطات المختصة بشأن أي عمل يجب أو لا يجب القيام به خلال هذا التحقيق بهدف الحفاظ على الأدلة أو الحصول عليها.
كذلك منحت اتفاقية التفاهم اللجنة الدولية الحق في طلب القيام بأية إجراءات قضائية قد تعتبر ان لها علاقة بالتحقيق الذي تجريه، كما منحتها الحق ووفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، باستدعاء جميع الشهود ذات الصلة بالتحقيق، وغير ذلك من الإجراءات القانونية اللازمة عبر المراجع المختصة، إلا أنه يمكنها أن تقوم باستجواب شهود من دون إعلام السلطات اللبنانية، إذا اعتبرت ذلك ضرورياً.
كما أكد الطرفان الموقعان لمذكرة التفاهم انه يعود للجنة أن تحدد أصول الإجراءات الخاصة بها، على أن تأخذ في الاعتبار القانون اللبناني والاجراءات القضائية المعمول بها في لبنان.
إن موقف السلطات اللبنانية الإيجابي تجاه استقلالية عمل اللجنة وشمولية مهامها كان منطلقاً لعمل اللجنة وأساساً لتطبيق استراتيجيتها في التحقيق وحافزاً لها في التوسع بمهامها، وقد أكد ذلك رئيس اللجنة السيد "براميرتس" في أول تقرير له وضعه في 14/5/2006 حيث أوضح في البند الخامس من التقرير: "وفيما تظل اللجنة على بينة من مدى ارتفاع مستوى التوقعات التي تكتنف أعمالها، فإنها تشعر بالارتياح والتشجع ازاء اعتراف السلطات اللبنانية بالحاجة إلى اتباع أسلوب نظامي ومنهجي في التحقيق، يشمل ذلك تطبيق معايير التحقيق والمعايير المقبولة دولياً، فضلاً عن ادراكها للفترة الزمنية الضرورية لمتابعة التحقيق".
وبالعودة إلى الصلاحيات التي منحت للجنة التحقيق الدولية، سواء في القرار رقم 1595 أو في مذكرة التفاهم الموقعة بين الحكومة اللبنانية ورئيس اللجنة، يتبين ان اللجنة هي أكثر من ضابطة عدلية وأقل من جهاز قضائي، هذه اللجنة التي اعتبرها "الرأي رقم 37/2007" مجرد مجموعة من المحققين يعملون ضمن اطار لجنة تحقيق دولية أنشأها مجلس الأمن، تتمتع بالواقع بصلاحيات قد تلزم القضاء اللبناني وان وفقاً لقانون أصول المحاكمة الجزائية اللبناني، لاسيما وانها وليدة قرار دولي.
فاللجنة بدت جهازاً مستقلاً تماماً عن القضاء اللبناني طالما يحق لها الاستماع لمن تريد من الشهود دون المرور عبره، كما يجوز لها الامتناع عن تزويد قاضي التحقيق العدلي المختص بما لديها من تحقيقات وأدلة جمعتها إذا ما رأت ذلك غير ضروري، في حين يبدو القضاء اللبناني مقيداً باللجنة وملزماً برأيها طالما عليه تزويدها ضمن مهلة معينة بما لديه من تحقيقات وأدلة وطالما يحق للجنة المشاركة في أي تحقيق له صلة بالقضية وإعطاء التوجيهات للسلطات المختصة بشأن أي عمل يجب أو لا يجب القيام به خلال هذه التحقيقات حفاظاً على الأدلة، فضلاً عن ان القرار رقم 1595 يطلب إلى الحكومة اللبنانية أن تكفل مراعاة نتائج واستنتاجات وتحقيقات اللجنة مراعاة تامة، على أن تقدم إلى العدالة مرتكبي ومنظمي وممولي التفجير الإرهابي الذي حدث في 14/2/2005.
هذه المقاربة ما بين صلاحيات اللجنة الدولية على الأراضي اللبنانية فيما خصّ التحقيق وإلزامات السلطات اللبنانية تجاه اللجنة الدولية لهذه الناحية، تجعل من القضاء اللبناني مجرد جهاز وان اتسم بطابع قضائي، فهو يعمل في الواقع لحساب اللجنة الدولية وملزم إلى حد ما بتسهيل منهجية عملها والخطة والاستراتيجية التي تعتمدها خلال تنفيذها مهامها. ففي قضية اغتيال الرئيس الحريري ان مهمة اللجنة ليست مجرد تقديم مساعدة تقنية، كما هي الحال في سائر القضايا، وإنما لها دور شامل يتخطى النشاط التقني الميداني إلى مرحلة التحقيق وما يشمل من نشاطات قضائية، من مثل تقدير الوقائع واستجواب الأشخاص وضبط افاداتهم وتحليلها، وإعطاء لمن ترتئي منهم صفة الشاهد أو صفة المشتبه به، كما وأنها تحدد كما سبق وبيّناه أعلاه الإجراءات المناسبة لممارسة نشاطها وتعاونها مع القضاء اللبناني في سبيل إنجاح مهامها.
وهذه الامتيازات أعطيت للجنة الدولية المستقلة بناء لما خلصت إليه بعثة تقصي الحقائق التي اعتبرت بأن التحقيق اللبناني يفتقر للقدرة والالتزام الضروريين للتوصل إلى نتيجة ملائمة وذات صدقية.
وعلى هذا الأساس صدر عن مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1595 بإنشاء اللجنة.
III ـ المحكمة الخاصة ذات الطابع الدولي
بتاريخ 30/5/2007، وفي حين كان لبنان لا يزال معرضاً للتفجيرات الإرهابية التي طالت سياسيين ومفكرين وصحافيين ومدنيين أبرياء، أصدر مجلس الأمن قراره رقم 1757 الذي أنشئت بموجبه المحكمة الخاصة من أجل لبنان ذات الطابع الدولي بهدف محاكمة جميع الذين ثبتت مسؤوليتهم من منفذين ومشتركين ومخططين ومحرضين في عملية اغتيال الرئيس الحريري بتاريخ 14/2/2005 وقتل وإصابة اشخاص آخرين وفقاً للاتفاق المبرم الذي تم بين الجمهورية اللبنانية والامم المتحدة بشأن قيام هذه المحكمة، والذي وقعت عليه الحكومة اللبنانية والامم المتحدة على التوالي في 23/1/2007 و6/2/2007.
ومن العودة الى احكام المادة الرابعة من النظام الاساسي للمحكمة الخاصة بلبنان والتي تنص "تحت عنوان الاختصاص المشترك" يتبين ما يلي:
1 ـ للمحكمة الخاصة والمحاكم الوطنية في لبنان اختصاص مشترك وتكون للمحكمة الخاصة ضمن اختصاصها اسبقية على المحاكم الوطنية في لبنان.
2 ـ في موعد يحدده الامين العام، على ان لا يتجاور شهرين بعد تسلم المدعي العام مهامه، تطلب المحكمة الخاصة من السلطة القضائية الوطنية المعروضة عليها القضية، ان تتنازل عن اختصاصها وتحيل السلطة القضائية اللبنانية الى المحكمة الخاصة نتائج التحقيق ونسخة عن سجلات المحكمة اذا وجدت وينقل الاشخاص الموقوفون رهن التحقيق الى عهدة المحكمة، علماً ان ملف التحقيق سوف يحال الى القاضي الممهد للاحالة Pre-trial Judge للاطلاع على لائحة الادعاء المرفوعة من قبل المدعي العام الدولي.
لا بد، وبناء لما ورد اعلاه، من الاستنتاج ان الاولوية في اجراء المحاكمة معطاة الى المحكمة ذات الطابع الدولي التي هي وحدها سوف تصدر الحكم النهائي في قضية اغتيال الرئيس الحريري، بصرف النظر عما يكون قد توصل اليه او اتخذه القضاء اللبناني من قرارات واحكام قبل تنازله عن اختصاصه للمحكمة الخاصة من اجل لبنان.
في ضوء كل ما تقدم، لا بد من التأكيد على التعاون المشترك المفروض بين اللجنة الدولية والقضاء اللبناني بحيث ان كل تدبير يتخذه هذا الاخير لا بد وان يأتي متوافقاً ومتلائماً مع خطة اللجنة ومسارها المتبع في التحقيق، دون ان يكون هناك تعدٍ على صلاحية كل من الجهتين.
من هنا القول بأن كل قرار قد يصدر عن القضاء اللبناني مخالفاً لمنهجية واستراتيجية التحقيق المتبعة من قبل اللجنة دون التشاور معها، وكل اجراء يتخذه لوضع قيد او شرط لممارستها لمهامها قد يؤثر بل قد يعرقل اداء اللجنة لوظيفتها ويكون له تأثير مباشر في مجريات التحقيق، تتحمل السلطات اللبنانية مسؤوليته وتسأل الحكومة اللبنانية عنه امام مجلس الامن.
ـ لجهة الزامية القرارين 1595 و1757 الصادرين عن مجلس الامن
بناء لما تقدم يتبين ان مجلس الامن، وعلى اثر اغتيال رئيس مجلس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، اصدر بياناً ادان بموجبه هذا العمل الذي وصفه بالارهابي، كما اعرب عن قلقه على مسار الديموقراطية في لبنان مع احتمال المزيد من زعزعة الاستقرار. وعلى الاثر، فوض مجلس الامن سعادة الامين العام للامم المتحدة ارسال بعثة تقصي الحقائق الى لبنان التي وبناء لتوصياتها صدر قرار رقم 1595 منشئاً لجنة التحقيق الدولية المستقلة، ومن بعده صدر القرار رقم 1757 منشئاً المحكمة الخاصة بلبنان ذات الطابع الدولي تحت باب الفصل السابع من شرعة الامم المتحدة.
يستنتج مما تقدم ان قرارات مجلس الامن هذه جاءت وليدة سلطته الحصرية لتحديد وجود تهديد او خرق للسلم او عمل اعتداء على الامن، ولتقرير التدابير التي يجب اتخاذها للمحافظة او لاستعادة ارساء السلم والامن الدوليين وفقاً لاحكام المادة 39 من شرعة الامم المتحدة.
ومن النظر الى الاطار الذي وضعت فيه هذه القرارات التي تفرض التعاون الالزامي من قبل الدول الاعضاء كافة في شرعة الامم المتحدة، يبدو من الواضح ان مجلس الامن يريد ان يتم تنفيذ هذه القرارات وفقاً للمادة 25 من شرعة الامم المتحدة. وان الطبيعة الملزمة للموجبات المنصوص عنها وفقاً للقرار رقم 1595 معززة من خلال اصدار مجلس الامن في وقت لاحق القرار رقم 1757 الذي انشأ المحكمة الخاصة بلبنان معتمداً صراحة في انشائها على الفصل السابع.
وعليه، وكونها هيئة تابعة للجمعية العمومية للامم المتحدة، فان فريق العمل حول التوقيف التعسفي ملزم بشرعة الامم المتحدة وتفسير ماهية السلطة الممنوحة له للنظر في مثل هذه القضايا على ضوء موجباته المنصوص عنها في المادة (12) فقرة (2) من شرعة الامم المتحدة، كذلك بالنسبة لالزامية القضاء اللبناني تجاه كل ما يصدر بهذا الشأن من قرارات عن مجلس الامن.
ـ بالنسبة لاولية Primaut? تطبيق قرارات مجلس الامن على الاتفاقيات الدولية
بموجب المادة 25 من شرعة الامم المتحدة "تتوافق الدول الاعضاء في الامم المتحدة على القبول بقرارات مجلس الامن وتنفيذها وفقاً للشرعة الحاضرة". الا انه ينبغي قراءة هذه المادة على ضوء المادة 103 من شرعة الامم المتحدة التي تعتبر بمفهوم الامم المتحدة "مادة سيادية" Supremacy Clause والتي تنص صراحة: "في حال نشوب نزاع بين موجبات الدول الاعضاء في الامم المتحدة بموجب هذه الشرعة وموجباتها وبموجب اي اتفاقية اخرى فان موجباتها المنصوص عليها في هذه الشرعة هي التي تسود".
وفي هذا السياق:
ـ رأت محكمة العدل الدولية في قرارها لوكربي (الاجراءات الموقتة Loeckerbie Order - Provisional measures) بان موجبات الدول الاعضاء التي تتضمنها شرعة الامم المتحدة تسود فوق موجباتها الاخرى وفقاً للمادة 103 من شرعة الامم المتحدة. وتدخل ضمن هذه الموجبات تلك المفروضة بموجب القرارات الالزامية الصادرة عن مجلس الامن.
ـ كذلك رأت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان (1) في قرارها الصادر بتاريخ 31/5/2007، امكانية تطبيق المادتين 25 و103 من شرعة الامم المتحدة اذ امام زعم الملتمس الاول بأن قوة حفظ السلام في كوسوفو KFOR اخلت بموجباتها في نزع الالغام، وامام زعم الملتمس الثاني بأن السلطة المدنية UNMIK قد احتجزته بصورة غير شرعية، ولكون الاثنان احتجا بأن القيام بمثل هذه الاعمال هو خرق لاحكام المعاهدة الاوروبية لحقوق الانسان، ارتأت المحكمة بأنه كون الدول المعنية في القضية اعضاء بمنظمة الامم المتحدة وكون مجلس الامن هو السلطة التي انشأت قوات حفظ السلام في كوسوفو والسلطة المدنية تحت الفصل السابع من شرعة الامم المتحدة فتبقى له سلطة المراقبة العليا على اعمال هذين الجهازين KFOR وUNMIK والمسؤول الاول عنهما. واعتبرت المحكمة بأن موجبات الدول الاعضاء المشاركة في KFOR وUNMIK في التقيد بالمادتين 25 و103 من شرعة الامم المتحدة فاقت موجباتها في التقيد بالمعاهدة الاوروبية لحقوق الانسان.
الا انه تجدر الاشارة بأن ليس من شأن تطبيق المادة 103 من شرعة الامم المتحدة الغاء صلاحية سائر الموجبات المتضاربة في المعاهدات الدولية، وانما تعليقها فقط طيلة فترة النزاع فالمسألة هنا ليست مسألة صلاحية وانما مسألة اولية Primaut?.(2)
ـ IV تطبيق المحقق العدلي للقانون اللبناني مع مراعاة القرارات الدولية ومذكرة التفاهم
تجاه السلطة التنفيذية والاجرائية التي منحها القرار رقم 1595 للجنة التحقيق الدولية المستقلة في القضية الحاضرة، باشرت اللجنة الدولية عملها في لبنان بتاريخ 16/6/2005 برئارسة القاضي "ديتليف ميليس" منطلقة من قاعدة عمل اولية اساسية قدمتها لها السلطات القضائية اللبنانية التي احالت لها نحو 8000 صفحة من التحقيقات والوثائق والمعلومات، كما امنت لها الى حد كبير الدعم الامني والعسكري خلال قيامها بعمليات تفتيش ومداهمة لمكاتب ومنازل عائدة لاشخاص اشتبهت بهم وطلبت القاء القبض عليهم، كالضباط الاربعة الذين تم القبض عليهم وسوقهم الى مركز اللجنة الدولية بتاريخ 30 آب 2005 من قبل ضباط وعناصر من قوى الامن الداخلي بحضور بعض اعضاء اللجنة.
وهكذا اجرت اللجنة الدولية تحقيقاً قضائياً جنائياً موازياً للتحقيق الذي كان قد باشره القضاء اللبناني، ولكن من خلال تعاون وثيق بين الطرفين لمنع الازدواجية والتداخل او التناقض في الاجراءات.
ـ ففي المرحلة السابقة للتوقيف طبق القاضي العدلي الاصول والاجراءات القانونية المفروضة في حال تم تنفيذ عمليات مداهمة او احتجاز مضبوطات او إلقاء القبض على مشتبه بهم، لا سيما لجهة التوقيت والاسلوب ومؤازرة الضابطة العدلية لاعضاء اللجنة الدولية عند تنفيذ مثل هذه العمليات.
ـ كذلك التزم المحقق العدلي بفترة الاربعة ايام التي تنص عليها المادة /47/ من قانون اصول المحاكمات الجزائية المعدل، المتعلقة بمدة احتجاز المشتبه بهم التي تسبق تاريخ اصدار مذكرات التوقيف الوجاهية بتحقهم، وبالنسبة للضباط الاربعة موضوع الرأي 37/2007 فقد القي القبض عليهم بتاريخ 30/8/2005 وصدرت بموجبهم مذكرات التوقيف الوجاهية بتاريخ 3/9/2005 اي قبل انقضاء مهلة الاربعة ايام القانونية، كما هي الحال بالنسبة لسائر الموقوفين.
ـ اما في مجال حق المتهم الموقوف بإعلامه بما نسب اليه من افعال فقد طبق المحقق العدلي المادة 76 من قانون اصول المحاكمات المعدل التي تنص على ما يلي:
"على قاضي التحقيق، عند مثول المدعى عليه امامه في المرة الاولى، ان يحيطه علماً بالجريمة المسندة اليه فيلخص له وقائعها ويطلعه على الادلة المتوافرة لديه او على الشبهات القائمة ضده لكي يتمكن من تفنيدها والدفاع عن نفسه، ولا يلزم قاضي التحقيق بأن يعطيه الوصف القانوني للوقائع.
على قاضي التحقيق ان ينبهه الى حقوقه لا سيما حقه في الاستعانة بمحام واحد اثناء الاستجواب. اذا اغفل قاضي التحقيق اعلام المدعى عليه بالجريمة المسندة اليه، وفاقاً لما سبق بيانه او تنبيهه الى حقه بالاستعانة بمحام ادى الى بطلان الاستجواب كدليل من ادلة الاثبات".
وفي اول مرة تم فيها استجواب الموقوفين من قبل المحقق العدلي، وفي كل جلسة استجواب لاحقة، كان هذا الاخير وبحضور وكلاء الفرقاء يدلي على الموقوف "الاسناد" اي ما نسبته اليه النيابة العامة من افعال اقدم على ارتكابها في زمان معين ومكان محدد من التوصيف الجرمي لهذه الافعال بحسب المواد التي نص عليها قانون العقوبات اللبناني الموازية لكل منها. اضافة الى انه وفي كل مراحل التحقيق كان المحقق العدلي بعد تلاوة الاسناد على الموقوف يطرح عليه الاسئلة المحورية التي تدور حول ما نسب اليه من افعال بالاستناد الى وقائع ومستندات ووثائق واقوال شهود يعرضها عليه وتكون داعمة للاسناد. وفي نهاية كل جلسة استجواب يوقع الموقوف على ما ادلى به من اقوال الى جانب توقيع وكيله.
ـ أما لجهة اخذ القرار بالتوقيف الاحتياطي ورفض استرداد مذكرة التوقيف بناء لطلب الموقوفين، فقد طبق المحقق العدلي قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني المعدل، والذي لم يبطله المجلس الدستوري، وتحديداً المادة (108) منه التي تنص على انه:
"ما خلا حالة المحكوم عليه سابقاً بعقوبة مدتها سنة على الأقل لا يجوز ان تتعدى مدة التوقيف في الجنحة شهرين، يمكن تمديدها مدة مماثلة كحد أقصى في حالة الضرورة القصوى.
ما خلا جنايات القتل والمخدرات والاعتداء على أمن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل وحالة الموقوف المحكوم عليه سابقاً بعقوبة جنائية، لا يجوز ان تتعدى مدة التوقيف في الجناية ستة أشهر، يمكن تجديدها لمرة واحدة بقرار معلل".
كذلك طبق المحقق العدلي المادة /363/ قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني في الباب الخامس المتعلق بالمجلس العدلي التي نصت:
"على انه يتوجب على المحقق العدلي ان يطبق الأصول المتعلقة أمام قاضي التحقيق باستثناء مدة التوقيف المنصوص عنها في المادة 108 من القانون المذكور مما يجعل المحقق العدلي بالتالي في حل من التقيد بمهل التوقيف الجاري العمل بها أمام قاضي التحقيق".
وقد استقر الاجتهاد والفقه على ان قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد اجاز ابقاء المتهم قيد التوقيف، في جنايات الخطر الشامل والاعتداءات على أمن الدولة والقتل والمخدرات والقضايا المحالة أمام المجلس العدلي من دون تحديد اية مدة زمنية قصوى بالنظر لخطورة الجرائم هذه، وحماية المجتمع وضمانة السلام القومي والحفاظ على سلامة التحقيق بهدف الحؤول دون فرار الموقوفين أو ضياع الدليل، أو كون التحقيق لم ينته بعد. ويعود تقدير مدة التوقيف الاحتياطي في مثل هذه الجرائم إلى سلطة قاضي التحقيق العدلي الاستنسابية الذي يقيّم ظروف ومعطيات كل قضية ومدى توفر دواعي وشروط الاستمرار بالتوقيف الاحتياطي أو عدم الاستمرار به وقراره لهذه الجهة نهائي ومطلق.
على هذا الأساس، وبالرغم من أن القرار رقم 1595 ومذكرة التفاهم منحا لجنة التحقيق الدولية سلطة إجرائية وتنفيذية واسعة في تنفيذ مهامها، احتفظت السلطات اللبنانية باستقلاليتها لناحية اتخاذ القرار في إجراءات مهمة بعد التشاور وتبادل المعلومات ومناقشتها في هذا الشأن مع اللجنة الدولية. وهكذا فإن المحقق العدلي لم يقدم على توقيف الضباط الأربعة، بناء فقط على توصية لجنة التحقيق الدولية، بل بالاستناد إلى اقتناعه بهذه الخطوة ومناقشة أسس التوصية ومبرراتها مع رئيس اللجنة الدولية ومعاونيه، وبعد الاطلاع على المستندات والوثائق التي قدمت له في هذا الخصوص وبعد استجواب الضباط الأربعة كل على حدة لمدة فاقت الست ساعات للجلسة الأولى قبل إصدار مذكرة التوقيف.
والدليل على ذلك انه رغم توصية رئيس اللجنة السيد ميليس بتوقيف مجموعة اخرى من الأشخاص فقد تم رد التوصية بالتوقيف من قبل قاضي التحقيق العدلي بالنسبة لبعض الأشخاص فأوقف من اقتنع بضرورة وحاجة توقيفه، وترك أحراراً البعض، وأصدر تدبيراً بمنع السفر مدته القصوى سنة بالنسبة للبعض الآخر، وأوقف من لم يكن بشأنه توصية، وأخلى سبيل عشرات الموقوفين بعد أن كان قد قطع مذكرات توقيف بحقهم، ورفض إخلاء سبيل الثمانية موضوع "الرأي". كل ذلك بالاستناد إلى ما لديه من معطيات في ملف التحقيق وغالباً بعد التشاور مع اللجنة.
V ـ مراعاة القضاء اللبناني لمبدأ المحاكمة العادلة
إن حق المتهمين في محاكمة منصفة وعادلة مؤمن ومحفوظ خلافاً لما يدعيه "المخبر" الذي حرك فريق العمل الذي أصدر القرار موضوع الرد.
1) لجهة مدة احتجاز المشتبه بهم قبل إحالتهم أمام القضاء اللبناني
ما هو أكيد وواضح من محضر حضرة قاضي التحقيق ومحاضر قوى الأمن الداخلي ومذكرات اللجنة الدولية بان مدة التوقيف الاحتياطي الممتدة من تاريخ إلقاء القبض على الضباط الأربعة لغاية إحالتهم أمام المحقق العدلي وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، لم تتجاوز الفترة المنصوص عليها في المادة /47/ أصول قانون المحاكمات الجزائية اللبناني إذ في الواقع ألقي القبض عليهم صباح يوم 30/8/2005 واقتيدوا مباشرة أمام اللجنة الدولية المستقلة فاستمعت اليهم وأحيلوا أمام القضاء اللبناني بتاريخ 30/8/2005 مع توصية من رئيس اللجنة الدولية بتوقيفهم،
وقد تم الادعاء على الضباط الأربعة من قبل النائب العام العدلي بتاريخ 1/9/2005 بمقتضى المواد المحددة 270 و271 314 و549 و549/251 من قانون العقوبات والمواد 2 و4 و5 و6 من قانون 11/1/1958 والمادتين 72 و76 من قانون الاسلحة والذخائر، لاقدامهم بالتحريض وبالاشتراك على التخطيط والتنفيذ لجريمة اغتيال دولة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه بواسطة تفجيرات استهدفت موكبه. الأمر الذي أدى إلى وقوع العديد من القتلى والجرحى وإلحاق الأضرار بالأبنية والمنشآت والسيارات معرضين بذلك أمن الدولة الداخلي للخطر.
وقد باشر المحقق العدلي باستجواب الموقوفين المحالين أمامه كل على حدة وبحضور وكيل كل منهم، وتليت على كل موقوف التهمة الموجهة اليه ومضمون وماهية الجرائم المنسوبة اليه معززة بالادلة والوثائق المتوفرة في الملف.
وأصدر حضرة قاضي التحقيق مذكرة توقيف وجاهية بحق كل منهم بتاريخ 3/09/2005 ضمن المهلة القانونية، أي قبل مرور الفترة القصوى (4 أيام) من التوقيف الاحتياطي المنصوص عنها في المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية المعدل.
كذلك وفي تواريخ لاحقة أحالت اللجنة الدولية إلى القضاء اللبناني الموقوفين الآخرين بحيث ادعى حضرة النائب العام العدلي بتاريخ 26/10/2005 على كل من محمود عبد العال وأحمد عبد العال بمقتضى المواد القانونية المذكورة اعلاه وانما معطوفة على المادة 219 عقوبات لإقدامهم على التدخل في ارتكاب الجرائم وأحيلوا واستجوبوا من قبل قاضي التحقيق العدلي.
كذلك تم الادعاء من قبل حضرة النائب العام العدلي بتاريخ 19/9/2005 على كل من مصطفى مستو وايمن طربيه بمقتضى المواد 398 و471 و471/454 و219 من قانون العقوبات، أي جرائم كتم معلومات حول جنايات على أمن دولة والتزوير في أوراق خاصة واستعمال المزوّر مع العلم بالأمر.
وهكذا وبعد الادعاء على الجميع وفقاً للأصول وبمقتضى مواد قانونية تم سوق كل من المدعى عليهم على حدة أمام المحقق العدلي واستجوب بحضور وكيله وافهم مضمون الاسناد بعد تلاوته عليه واستجوب لعدة ساعات مناقشاً افادات شهود ومستندات ووثائق تضمنها ملف التحقيق، وأوقف كل منهم وجاهياً بجرائم تتراوح عقوبتها بين 3 سنوات وقد تصل إلى الإعدام.
وفي 20/10/2005 صدر التقرير الأول عن رئيس اللجنة الدولية المستقلة الذي استعرض الدور الأولي للعديد من الأشخاص ومن بينهم الموقوفون وأكد على توصيته بتوقيفهم.
2) لجهة الفترة المقبولة للتوقيف الاحتياطي:
كانت العبرة من التوقيف الاحتياطي تعود لأسباب كبيرة غير التورط الجرمي وهي: الحؤول دون فرار المشتبه بهم أو ضياع الدليل،
أو حتى للحفاظ على أرواح المشتبه بهم،
أو لعدم انتهاء التحقيق،
يتبين انها متوفرة كلها في القضية الحاضرة، ومن استعراض كل سبب من الأسباب المذكورة أعلاه:
أ ـ بالنسبة للحؤول دون فرار المشتبه بهم أو ضياع الدليل:
من حق القضاء اللبناني ان يتخوف من فرار هؤلاء حتى ولو منعهم من السفر أو وضعهم تحت الحرية المراقبة، لان الجهات التي ينتمون اليها والتي تدافع عنهم بقوة من خلال تصريحات رؤسائها عبر وسائل الإعلام كافة هي جهات لها نفوذ وتدخل في عداد قوى الأمر الواقع في بعض مناطق لبنان، وهي بالتالي قادرة على توفير ملاذ آمن لهؤلاء الموقوفين، سواء في لبنان حيث المخيمات والمربعات الأمنية أم في الخارج في بلد لديه مصلحة في إخفاء معالم الجريمة أو ضياع الدليل، في حال تم استدعاؤهم إلى المحكمة الدولية، هذا مع العلم ان لدى بعض هؤلاء الضباط جوازات سفر غير لبنانية أجنبية
جهزت لهم من قبل أصحاب المصلحة، وبالتالي يمكن ان يغادروا لبنان إلى مستوطنهم الثاني ويختفون.
ب ـ بالنسبة للحفاظ على أرواح المشتبه بهم:
إن التوقيف الاحتياطي في القضية الحاضرة قد يكون في أحد أوجهه لمصلحة الموقوف نفسه أو حفاظاً على روحه، إذ كلنا يعلم بأن مجموعة كبيرة من المشتبه بهم في هذه الجريمة اختفت آثارها من لبنان بعد افتضاح أمرها، وقد يكون بعضها قد قتل أو مجهول المصير كما هي عليه وضعية أحمد أبو عدس الذي أكد رئيس اللجنة الدولية في أحد تقاريره، بعد إجراء تحاليل الحمض النووي، بأن أبو عدس ليس الشخص الذي قام بعملية التفجير الانتحارية، خلافاً لما قد زعمه هذا الاخير من خلال تصريحه المسجل الذي اذيع مساء 14/02/2005، وغيره ممن لا يسمح التحقيق بكشف أسمائهم وتواروا عن الأنظار بعد عملية التفجير هذه، واللجنة الدولية والقضاء اللبناني ما يزالان بحاجة ماسة لهم لتوضيح بعض التساؤلات.
ج ـ بالنسبة لعدم انتهاء التحقيق:
للتأكيد على استمرارية التحقيق وكونه لم ينته بعد على مختلف أوجهه، لا بد من العودة إلى كل التقارير الصادرة عن اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق حيث تؤكد استمرارها بالعمل وبتزويد القضاء اللبناني بما تراه متلائماً ومبدأ حماية الشهود وسلامة التحقيق، وعلى سبيل المثال التقرير الصادر عن اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق بتاريخ 12/06/2007 حيث ورد في أكثر من فقرة فيه بأن اللجنة ستجري متابعة التحقيقات في كل خط باشرت العمل عليه وأبرز ما ورد في هذا السياق:
ـ الفقرة (55) من التقرير الصادر بتاريخ 12/6/2007:
"بعد مراقبة تفصيلية لكل معلوماتها ومكتشفاتها وسعت اللجنة فهمها للمحيط الذي انبثقت من الحوافز الذي أدت إلى اغتيال رفيق الحريري. وبناء على هذا الفهم وبدعم من عدد من المكتشفات في مجالات اخرى في التحقيق حددت اللجنة عدداً من الاشخاص ذوي مصالح معينة قد يكونون متورطين في بعض أوجه التحضير للجريمة وتنفيذها، أو كان لديهم مسبقاً علم بأن خطة كهذه كانت قيد الإعداد. وقد جمعت اللجنة معلوماتها ومكتشفاتها وأوصت باتخاذ خطوات مقبلة تتعلق بالتورط المحتمل لهؤلاء الاشخاص في اغتيال رفيق الحريري. ان هذا الخط من التحقيق، ستجري متابعته كأولوية في فترة التقرير المقبلة".
ـ كذلك الفقرة 108 من التقرير الصادر في تشرين الثاني 2007 حيث ورد:
"سوف تكرس اللجنة المرحلة التي يغطيها التقرير المقبل لتلك المجالات من التحقيق حيث هناك عدد من الأسئلة المهمة بقيت من دون أجوبة. على وجه الخصوص، سوف تركز اللجنة، على قاعدة فهمها في مجالات عديدة من التحقيق، بما في ذلك العوامل التي قد تكون حددت الدافع لتنفيذ الهجوم، على جهودها لاقامة روابط إضافية بين أدلة مسرح الجريمة والدوافع المحتملة والأشخاص المعنيين الذين قد يكونون متورطين في بعض جوانب التحضير للجريمة وارتكابها. ظهر العديد من الخطوط الواعدة في المرحلة التي غطاها التقرير السابق، وستجري متابعتها كأولوية".
هذا إذا ما توقفنا فقط على قضية اغتيال الرئيس الحريري ولم نتعدها إلى سائر القضايا الإرهابية التي وبقرار صادر عن مجلس الأمن كُلفت اللجنة الدولية بتقديم المساعدة التقنية ـ بمفهومها الواسع ـ إلى القضاء اللبناني بشأنها وآخر هذه الانفجارات الانفجار الذي أودى بحياة الرائد في قوى الأمن الداخلي وسام عيد خلال شهر كانون الثاني 2008، ولا تزال اللجنة تعمل أيضاً على سائر الانفجارات وتزوّد المحققين العدليين بكل جديد لعلها تجد ترابطاً بين احداها والانفجار الأساسي الذي أدى إلى مقتل الرئيس رفيق الحريري.
أما بالنسبة للتحقيق اللبناني فمن الطبيعي القول بأن مجريات التحقيق ما تزال مستمرة طالما ان اللجنة الدولية تتابع عملها وتزوّد المحقق العدلي تباعاً بمعلومات ووثائق ومحاضر استجواب ليقوم باستثمارها ويتخذ قراراته على ضوئها.
أضف إلى كل ذلك فإن الدليل القاطع على عدم انتهاء التحقيق بعد هو قرار مجلس الأمن القاضي بتمديد ولاية اللجنة الدولية لغاية 15/6/2008 بناء على طلب رئيسها، وكذلك صدور القرار رقم 1757 عن مجلس الأمن الدولي الذي قضى بإنشاء المحكمة الخاصة ذات الطابع الدولي لمحاكمة المتهمين واستلام رئيس اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق السيد بيلمار مهامه في رئاسة اللجنة الدولية خلال شهر كانون الثاني 2008 لمتابعة التحقيق من النقطة التي وصل إليها.
وعليه، يبقى القرار بالاستمرار بالتوقيف الاحتياطي المتخذ من قبل قاضي التحقيق العدلي في محله القانوني ومبرراته تفوق تلك المزعومة لإخلاء السبيل.
3 لجهة ظروف التوقيف:
أما من جهة ظروف التوقيف فهي للجميع ودون استثناء أكثر من جيدة نظراً للسماح للموقوفين بلقاء ذويهم بصورة دورية، فضلاً عن كونهم يخضعون إلى معاينات طبية من قبل أطباء يختارونهم شخصياً، ويعالجون في المستشفيات كلما دعت الحاجة، ويؤمن لهم ذووهم المأكل والمشرب وكما أعطوا الاذن بإدخال ألعاب الكترونية وجهاز حاسوب مع الحق بمشاهدة التلفاز وممارسة جميع أنواع الرياضة وما يشاؤون من أعمال حرفية، فضلاً عن حقهم بلقاء أي رجل دين يختارون لممارسة واجباتهم الدينية، هذا بشكل عام. وأما بالنسبة للضباط الأربعة ونظراً لرتبهم العسكرية وعملاً بالقانون العسكري فإن هؤلاء يتمتعون إضافة إلى ما ورد من حقوق بامتيازات أوسع تجعلهم يستفيدون من غرفة خاصة بكل منهم مزوّدة بسرير وطاولة وكرسي وحمام خاص إلا أن المسؤولين عن السجون في مديرية قوى الأمن الداخلي، وبعد موافقة القضاء اللبناني قاموا بتجهيز هذه الغرف بجهاز تلفاز وجهاز حاسوب وألعاب الكترونية وdvd، وسخان لتسخين الطعام وماء ساخن وبارد ومكيف هوائي فبدت "زنزاناتهم" وكأنها غرف في فندق خمسة نجوم.
أضف إلى كل ذلك انه قد سمح لهؤلاء من قِبَل القضاء اللبناني الاتصال وتلقي الاتصالات الهاتفية من أهلهم وأصدقائهم ومقابلة وكلائهم أو ذويهم وأصدقائهم أو حتى خدمهم وفقاً لجدول زيارات يومي بحيث تجري المقابلات في غرفة خاصة يستلمون فيها المأكل والملبس وسائر الحاجيات من أفلام وكتب ومجلات ويناقشون معهم ما يشاؤون من الأحاديث والرسائل والمذكرات إلى حد إصدار البيانات الإعلامية الدورية التي يتعرضون فيها إلى كرامة القضاء ونزاهته، ويهددون القضاة ويتهمونهم بشتى الاتهامات فضلاً عن زعمهم انهم على علم بما يجري في اللقاءات السرية بين رئيس اللجنة الدولية والقضاة اللبنانيين المعنيين.
ولعل من المفيد الإشارة إلى أن وضع هؤلاء الضباط في مركز توقيفهم أثار دهشة لجنة الصليب الأحمر الدولية، سيما وأن وضعهم كموقوفين بات بالنسبة لنمط المشاهدات العائلية أفضل من وضعهم عندما كانوا لا يزالوا يمارسون وظائفهم. وفي مطلق الأحوال، إذا كان الضباط، وتحديداً اللواء السيد يعتبر نفسه موضوعاً بالانفراد كما هو وارد في الرأي ويفضل الانخراط بسائر الموقوفين، فعليه أن يتقدم بطلب يبدي فيه رغبته في ذلك، وسوف يصار إلى درس امكانية اقامته إلى جانب موقوفين آخرين في زنزانة واحدة، على ضوء نظام السجون وما يفرضه من موجب حماية لبعض الموقوفين. مع الإشارة إلى أن سائر الموقوفين المدنيين المعنيين في الرأي 37/2007 ليسوا في سجن انفرادي.
أليس هذا التسامح والتساهل الذي تتميز بها ظروف التوقيف، من شأنه أن يؤكد عدم البُعد السياسي لمسألة التوقيف؟ هذا الاتهام الذي ما برح موضوع الاطلالات الصحافية التي يقوم بها الضباط الأربعة الموقوفون وأهلهم ووكلاؤهم بكل حرية. كما تجدر الإشارة إلى أن هنالك الكثير الكثير من المعارضين، أقل وأكثر أهمية من الضباط الأربعة، تم استجوابهم من قِبَل اللجنة والقضاء اللبناني وهم ما يزالون يتمتعون بحرية منقطعة النظير في لبنان ولم تتخذ بحقهم أية إجراءات "انتقامية"، طالما أنهم غير مشتبه بهم، الأمر الذي يثبت مرة أخرى البُعد القضائي لهذا التوقيف ويكرس مبدأ حيادية وموضوعية القرار القضائي.
4 لجهة المباشرة بالإجراءات وتسريع المحاكمة:
بالنسبة لمباشرة الإجراءات وتسريع المحاكمة، فإنّ القضاء اللبناني بذل أقصى جهوده لهذه الغاية وذلك: عندما عيّن بتاريخ 24/3/2005 الرئيس الياس عيد محققاً عدلياً بدلاً من سلفه الرئيس ميشال أبو عراج الذي استقال من مهامه في هذه القضية في 23/3/2005 وقد طلب الرئيس الياس عيد من رؤسائه تفرغه كلياً لهذه القضية، وبالفعل أعفي من وظيفته الأصلية كقاضي تحقيق في بيروت وتم انتداب قاض آخر للقيام بمهامه. وما أن تسلم ملف التحقيق هذا حتى انكب المحقق العدلي عيد على دراسته فأصدر الاستنابات للأجهزة المختصة اللبنانية والأجنبية كافة، وأشرف على تنفيذها وتابع التحقيقات الأولية وإجراءات جمع الأدلة، والحفاظ على مسرح الجريمة وحصر الأضرار، وأصدر القرارات الواجب اتخاذها كافة ولم يغفل استماع أي شاهد أو مشتبه به.
وخير دليل على جهوده هذه اعتراف رئيس اللجنة الدولية القاضي ميليس بأنه عند مباشرة اللجنة الدولية بالتحقيق أحال إليها القضاء اللبناني أكثر من 8000 مستند. واستمر قاضي التحقيق العدلي بإجراء تحقيق مواز لتحقيق اللجنة فكان يستلم منها إفادات شهود ومشتبه بهم كانت قد استمعت إليهم فيقوم باستكمال التحقيق معهم مجدداً ويجري المقابلات التي يجدها ضرورية، ويردّ على الطلبات المتكررة لإخلاء السبيل واسترداد مذكرات التوقيف، ويناقش نتائج التحقيقات مع اللجنة الدولية التي كان يجتمع بالمسؤولين فيها بشكل دوري ويبحث معهم نتائج التحاليل المخبرية التي أجريت على العينات المضبوطة في مسرح الجريمة وغيره ويسلمهم ما توصل إليه مع الأجهزة الأمنية المختصة من معلومات تتعلق بتحليل الاتصالات الهاتفية وأفلام الكاميرات وأجهزة الكمبيوتر المضبوطة وغيرها، بالرغم من الوسائل التقنية المتواضعة المتوفرة.
وكانت اللجنة الدولية في كل تقرير تثني على جهود القضاء اللبناني في عمله وفي مساعدتها على إنجاز تحقيقها. ولا يخفى على أحد مدى ضخامة الانفجار ومدى ضخامة النتائج ومدى ضخامة التحقيقات على جميع الأصعدة بحيث فاق عدد المستندات حتى تاريخه الـ100 ألف صفحة في ملف التحقيق اللبناني، ما يدل على انه، وحتى وإن لم يكن المحقق العدلي يستمع يومياً إلى الموقوفين، إلا أنه كان منهمكاً بإجراءات تحقيق أخرى قد يكون من شأنها تعزيز قراره بالتوقيف أو بإخلاء السبيل.
وفي كل مرة كان يثار أمام المحقق العدلي أمر يتعلق بالضباط الأربعة كان يطلب سماعهم ويعرضه عليهم ويناقشهم به، وهذا الأمر ما يزال مستمراً حتى تاريخه طالما ان التحقيق لدى اللجنة الدولية ما يزال قائماً ولم ينته بعد، ولهذا السبب مدّد مجلس الأمن ولايتها حتى شهر حزيران 2008.
هذا مع الإشارة إلى أن المحقق العدلي لم يتغيب يوماً عن مكتبه واكتفى بعطلة 10 أيام خلال فصل الصيف 2006 وانتدب قاض آخر مكانه خلال هذه الفترة لتسيير أمور التحقيق، كما وأنه اضطر إلى دخول المستشفى مرة واحدة في 19 حزيران 2007 لفترة أسبوع وظل يتابع تطورات الملف من فراشه.
أما بالنسبة لموضوع طلب التنحّي المقدّم من قبل الجهة المدعية بوجه حضرة المحقق العدلي الياس عيد نوضح ما يلي:
وبعد أن اتخذ بعض أهل الضحايا صفة الادعاء الشخصي أمام حضرة المحقق العدلي في حزيران 2007 اطلع وكلاؤهم على الملف وفقاً للأصول، كما شاركوا في حضور بعض جلسات التحقيق والتقوا بالمحقق العدلي واستوضحوا منه بعض الأمور، ثم ما لبث أن تقدم قسم منهم بطلب ردّ بوجه القاضي عيد أمام المرجع القضائي المختص عملاً بالمادة 120 من قانون أصول المحاكمات المدنية. فرُفعت يد الرئيس عيد حكماً عن الملف بتاريخ 27/6/2007. ثم صدر قرار بعدم الصلاحية عن محكمة الاستئناف المختصة بتاريخ 1/8/2007، وكان أثناء ذلك قد تقدم وكيل مدع آخر من المدعين بطلب ردّ جديد بوجه المحقق العدلي الياس عيد فرفعت يده مجدداً عن الملف.
إلا أنه غداة تقديم طلبات الردّ هذه ثارت موجة إعلامية وسياسية بين مؤيدين لهذه الخطوة على اعتبارها اجراءًا قضائياً بحتاً وليست موجهة ضد شخص القاضي الياس عيد، وبين معارض لها، وصفها بانها اجراء سياسي هدفه المسّ بالمحقق العدلي، وبلغت السجالات حدّ الشخصنة إن على مستوى التحليلات الصحفية أو في مقدمات نشرات الأخبار أو في رسائل وبيانات أحد الموقوفين المدّعى عليه وهو اللواء جميل السيد، وتحوّلت إلى قدح وذمّ بالقضاء اللبناني.
وعلى اثر جو الشحن والتعبئة والفرز هذا اعتبرت الجهة المدعية انه ما لا يرقى إليه الشك ثمة ما يؤشر إلى عدم حياد مرتقب في التعاطي بالملف الراهن، لاسيما وأن طلب ردّ المحقق العدلي من قِبَل بعض فرقاء النزاع من شأنه أن يخلق ارتياباً مشروعاً لدى الفرقاء كافة حول مدى حياد المحقق العدلي وفي حسن سير العدالة. وعلى هذا الأساس تقدم وكيل أحد المدّعين أمام محكمة التمييز بطلب نقل الدعوى للارتياب المشروع عملاً بالمادة 340 وما يليها من قانون أصول المحاكمات الجزائية المعدل، وأصدرت محكمة التمييز قراراً إعدادياً بتاريخ 17/7/2007 تطلب بموجبه محكمة التمييز من المحقق العدلي التوقف عن النظر بالدعوى لحين صدور قرارها النهائي بطلب النقل. وبتاريخ 6/9/2007أصدرت محكمة التمييز قرارها النهائي المبرم الذي قضى بوجوب نقل الدعوى من أمام المحقق العدلي الياس عيد.
على الفور وبتاريخ 17/9/2007 عين وزير العدل الرئيس صقر صقر محققاً عدلياً بدلاً من سلفه الرئيس عيد بعد موافقة مجلس القضاء الأعلى.
وما ان استلم المحقق العدلي الرئيس صقر صقر مهامه كمحقق عدلي بتاريخ 28/9/2007 انكب على دراسة الملف من جوانبه كافة، لاسيما تلك المتعلقة بالموقوفين. فاجتمع برئيس اللجنة الدولية السابق السيد براميرتس واستعرض معه مجريات التحقيق واستوضح منه نقاطاً مختلفة في الملف كما عاد واجتمع برئيس اللجنة الجديد السيد بيلمار وناقشا سوياً سبل التعاون في استمرار التحقيق من الطرفين طالباً منه تسليمه ما أمكن من محاضر واستجوابات أجرتها اللجنة. وبالفعل تم ايداعه نحو الـ50 افادة ترجمت من اللغة الانكليزية إلى اللغة العربية، وعلى أساسها باشر باستماع بعض الشهود ثم استمع إلى الموقوف اللواء جميل السيد لأكثر من ست ساعات بحضور وكيله وبعض وكلاء الدفاع.
وما يزال الرئيس صقر مستمراً بدعوة الشهود والموقوفين والاستماع اليهم.
وعليه، فان السلطات القضائية اللبنانية تكون قد بذلت في هذا السياق الجهد المطلوب لمباشرة الاجراءات والسير بالمحاكمة وفقاً للاصول وسعت لاداء مهامها بمنتهى الحرص والعناية، وبالتالي لا يجوز اعتبار طول مدة التوقيف عائداً لتوان من قبل السلطات القضائية في اتمام مهامها.
وفي مطلق الاحوال فانه وطيلة الفترة التي رفعت خلالها يد المحقق العدلي الياس عيد عن الملف والتي امتدت من حزيران 2007 ولغاية 6/9/2007، فان ادعاء "الرأي رقم 37/2007" بأن الاجراءات والمحاكمة توقفت خلالها هو ادعاء غير صحيح، طالما ان اللجنة الدولية بقيت مستمرة في عملها خلال هذه الفترة وسلمت المحقق العدلي الجديد ما كانت قد قامت به خلال توقف سلفه عن العمل.
وتجدر الاشارة الى انه في هذه المرحلة بالذات، اي الفترة الممتدة من طلب رد المحقق العدلي الياس عيد لغاية تعيين المحقق العدلي صقر صقر مكانه، انشأ مجلس الامن بموجب القرار رقم 1757 الصادر في 30/5/2007 المحكمة الخاصة بلبنان ذات الطابع الدولي.
ولاحقاً عين السيد "بيلمار" رئيساً جديداً للجنة التحقيق الدولية المستقلة في تشرين الثاني 2007، وفي هذه المناسبة صرح حضرة الامين العام للامم المتحدة السيد بان كي مون بانه سوف يصار الى تعيين السيد "بيلمار" مدعياً عاماً للمحكمة الخاصة ذات الطابع الدولي وانه وعلى هذا الاساس سوف يتابع السيد "بيلمار" اعمال اللجنة لحين انتهاء ولايتها واتخاذ القرار مع السلطات اللبنانية بأن التحقيقات اصبحت جاهزة لنقل الملف امام المحكمة الدولية.
كل هذه المعطيات الجديدة فرضت على المحقق العدلي ضوابط جديدة من حيث التزامه بمضمون قرار مجلس الامن رقم 1757 ومراعاته لاستراتيحية اللجنة الدولية خلال سيره بالتحقيق.
ـ بالنسبة لمضمون رد السيد "براميرتس" في 6/6/2006 على وكلاء الجهة المدعى عليها بالنسبة لطلب الرجوع عن مذكرة التوقيف الصادرة عن القضاء اللبناني:
وان كانت هذه المسألة تقع ضمن سرية التحقيق ولا يجوز اثارتها ولا مناقشتها الا من خلاله ومن قبل قاضي التحقيق العدلي والفرقاء المعنيين ضمن معايير السرية المعتمدة في التحقيقات، فان فريق العمل بتناوله هذه المسألة وتدخله في تفسير مضمون كتاب السيد "براميرتس" المذكور بما يتوافق ومصلحة جهة في القضية يكون قد تجاوز حدود سلطته فضلاً عن خرقه لمبدأ سرية التحقيق.
وفي مطلق الاحوال وعلى سبيل الجدل ليس الا كون المسألة وتفسيرها يعود حصراً للمحقق العدلي، فاننا نعتبر بأن ما اورده السيد "براميرتس" في رده في 6/6/2006 على وكلاء الجهة المدعى عليها بالنسبة لطلب الرجوع عن مذكرة التوقيف الصادرة بحق اللواء السيد او سواه من الموقوفين، وتأكيده بأن صلاحية البت بهذا الامر تعود للسلطات اللبنانية المحلية، يقع في موقعه القانوني اذ اعتبر السيد براميرتس ان التوقيف اجرائياً هو من صلاحية القضاء اللبناني وقانوناً لا يحق للجنة الدولية اصدار مذكرة توقيف او الرجوع عنها، ففعل اصدار مذكرة توقيف والرجوع عنها انما هو عمل اجرائي ـ لوجستي من صلاحية المحقق العدلي وحده.
وعلى ضوء ما هو متوفر لدى المحقق العدلي من معطيات وقرائن وادلة بالنظر لحجم القضية وتشعب المواضيع المتفرغة عنها، وبالاستناد الى مفهوم التوقيف الاحتياطي ومدى توفر شروطه او عدم توفرها، ولكون التحقيق قد انتهى او لم ينته، فهو يتخذ قراره بالاستمرار بالتوقيف او عدم الاستمرار به، آخذاً بعين الاعتبار القرارات الدولية في هذا الشأن لاسيما القرارين 1595 و1757.
لذلك فلا يجوز تحميل كتاب السيد "براميرتس" اكثر ما هو مقصود فيه، ولا يجوز تفسيره وكأنه تراجع عن توصية سلفه، ولو كان الامر كذلك لكان قد عبر عن رأيه صراحة.
فالمحقق العدلي وان كان مستقلاً من حيث المبدأ في عمله القضائي، فان الحالة الجديدة التي نشأت مع اعلان انشاء اللجنة الدولية في 7 نيسان 2005 وانشاء المحكمة الخاصة بلبنان ذات الطابع الدولي في 30/5/2007 جعلته مقيداً الى حد ما تجاه اللجنة الدولية، اذ عليه ان يسهل لها مهامها فيقوم بما يراه ملائماً لطريقة ادارتها للتحقيق، فلا يتخذ اي اجراء قد يعرقل او يؤثر على اداء لجنة التحقيق لوظيفتها او على سير عمل المحكمة الخاصة، مستنداً في ذلك الى ما اودعته من تحقيقات ومعلومات وما ورد في تقاريرها الدورية من استنتاجات، واذا ما قام بمثل هذا الاجراء يكون بتجاوزه حد السلطة قد تخلف عن احقاق الحق من جهة Deni de justice وخرق مبدأ الزامية تطبيق القرارات الدولية من جهة اخرى.
واستطراداً، ولقطع الطريق على اي تفسير خاطئ لموقف رئيس اللجنة الدولية السابق السيد "براميرتس" لجهة انه يفهم من رده المذكور انه انهى التحقيق لجهة الموقوفين وكونه لم يوص مجدداً بتوقيفهم وان هذا يعني انه تراجع عن توصية سلفه، فيمكن التأكيد بأن السيد "براميرتس" كان منسجماً كل الانسجام مع عمله ومدركاً لمسؤولياته وعلى هذا الاساس، وخلافاً لما حاول البعض زعمه، فانه اكد واكثر من مرة في تقاريره بأن التحقيق لا يزال مستمراً على جميع الاصعدة.
فعلى سبيل المثال وليس الحصر يمكن مراجعة: البند 36 من تقريره الخامس والبند 26 من تقريره السابع حيث اورد بأن التحقيق مستمر في مسألة التلاعب المفترض بمسرح الجريمة وعرقلة التحقيق نتيجة ازالة بعض الادلة... وكذلك مراجعة البندين 22 و25 من التقرير الخامس حيث اشار الى واقعة تخفيض عدد مرافقي الرئيس الحريري من الاجهزة الامنية المختصة. والفقرة 55 من تقريره الثامن والفقرة 108 من تقريره التاسع (تراجع الصفحة 17 من هذا الرد).
كما واكد السيد "براميرتس" في عدة مؤتمرات صحفية له عندما سئل خلالها حول مدى صحة الادعاءات بأن هدفه من ممارسته لعمله انما هو دحض ما ضمنه سلفه في تقريره:
ـ في مؤتمر صحفي في نيويورك بتاريخ 22/3/2007 اجاب السيد "براميرتس": "ان اللجنة هي مؤسسة واحدة، وانا اقوم فقط بتأمين استمرارية هذه اللجنة".
ـ كما انه اكد برسالته التي وجهها الى رئيس واعضاء مجلس الامن بتاريخ 16/3/2006 بأن "من بين اولوية اهدافه، تأمين استمرارية اللجنة، تقدم التحقيق، تقديم المساعدة التقنية للسلطات اللبنانية...".
ـ وكذلك خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في 16/3/2006 سئل السيد "براميرتس": الى اي مدى سوف تستبعد النظريات التي طرحها سلفك القاضي "ميليس" منذ ان ادركت بأنك بحاجة الى وضع توجهات جديدة؟.
فاجاب: "اريد فعلاً ان اوضح بأن العمل الذي نقوم به هو متابعة للعمل الذي انجزه سلفي".
وما يؤكد عملياً تصريحات السيد "براميرتس"، هو ما اورده في تقريره الاخير، لا سيما الفقرة 53 منه حيث ورد فيها ما حرفيته:
"وكذلك عمقت اللجنة ووسعت فهمها للتورط المحتمل لعدد من الاشخاص المعنيين بمن فيهم اولئك الذين حددتهم اللجنة مؤخراً والذين ربما كانوا متورطين في بعض نواحي الاعداد للجريمة وتنفيذها. او انهم ربما كانوا يعرفون ان هناك خطة يجري الاعداد لها لتنفيذ هذه الجريمة. واضافة الى التقدم الذي احرز في ربط عدد من الاشخاص المعنيين بارتكاب الجريمة، فان اللجنة وجدت ارتباطا بين بعض هؤلاء الاشخاص. وهذا الخط من التحقيق سوف يتواصل منحه الاولوية في الفترة التي يغطيها التقرير المقبل".
كما يستنتج ذلك من الفقرة 107 من التقرير الصادر عن اللجنة الدولية في تشرين الثاني 2007 تبني رئيس اللجنة براميرتس لقرارات سلفه عندما اورد "..... هذه الخطوات سمحت للجنة بتحديد اشخاص اضافيين يعنى بهم التحقيق". مما يؤكد بأن من اعتبروا مشتبه بهم من قبل رئيس اللجنة السابق ما زالوا موضوع مساءلة من قبل السيد "براميرتس" الذي صرح بأنه يعمل مع لجنته لتحديد اشخاص آخرين اضافة الى الذين عني بهم التحقيق في مرحلة سابقة.
كل ذلك يبين بأن رد السيد "براميرتس" على وكلاء الموقوف جميل السيد في 6/6/2006 كان رداً صرفاً يتعلق حصرياً بالاجراءات القانونية الخاصة باللجنة التي كانت قد حددتها آخذة بعين الاعتبار القانون اللبناني كما هو متفق عليه في مذكرة التفاهم، كما هي الحال تماماً بالنسبة لسلفه عندما اوصى المحقق العدلي اللبناني بتوقيف المتهمين والذين من بينهم الاشخاص موضوع "الرأي رقم 37/2007"، وكان ذلك بتاريخ 30/8/2005، وثم عاد واصر على ابقاء اللواء السيد موقوفاً في كتاب وجهه مساعد له الى جانب مدعي عام التمييز بتاريخ 24/10/2005 معتبراً فيه ان التوقيف عملية آمنة لدعم التحقيق ومنع المشتبه به من تعقب الادلة وتدميرها وتضليل الشهود او سوء ارشادهم وان الاجراء المتخذ ليس سوى اجراء احترازياً استثنائياً.
V1 مدى انسجام التشريع اللبناني والمبادئ الاساسية في القانون الدولي:
في الرأي رقم 37/2007 الصادر بتاريخ 30 تشرين الثاني 2007 ذكر فريق العمل بأنه لا يكفي ان يكون الاحتجاز مطابقاً للتشريعات الوطنية بل يجب ان يكون القانون الوطني مطابقاً للاحكام والنصوص الدولية ذات الصلة والمذكورة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان او في الادوات القضائية الدولية ذات الصلة والتي تكون فيها طرفاً، وفي هذه الحالة المادتان 9 و14 من المعاهدة الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية والتي قام لبنان بتوقيعها.
وقد قضت المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان بتفسيرها لعبارة "الاجراءات المقررة في القانون" كما وردت في المادة ـ 5 ـ فقرة 1 من الاتفاقية الاوروبية وفي المادة ـ 9 ـ (1) من الميثاق الدولي، على انها تعني الاجراءات المعتمدة في القانون المحلي للدولة المعنية، على ان يراعي هذا القانون المبادئ المحددة في الاتفاقية ذاتها والمعايير الدولية. وعلى هذا الاساس بذلت الدولة الفرنسية جهوداً تشريعية لمكافحة الفترات المفرطة للتوقيف الاحتياطي بعد ان تمت ادانتها من قبل المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان لكونها انتهكت المادة 5 من الاتفاقية الاوروبية.(3)
ان التشريعات اللبنانية وتحديداً تلك المتعلقة بالاجراءات الجنائية تبقى منسجمة الى اقصى الحدود مع معايير العدالة الدولية، فالدستور اللبناني يصون الحريات الشخصية العامة والفردية وفقاً لما جاء في شرعة حقوق الانسان والاعلانات والمواثيق الدولية.
وعملاً بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات نص قانون العقوبات اللبناني على الحالات التي يجوز فيها فرض عقوبة الحبس، وعين قانون اصول المحاكمات الجزائية الاحوال التي يجوز فيها توقيف المدعى عليه كما عالج مدة هذا التوقيف واصول تنفيذه وطرق تنفيذ الاحكام القاضية بالحبس، وخير دليل على تطور التشريع اللبناني لجهة منع التعسف في التوقيف هو التعديل الأخير الذي طرأ على قانون أصول المحاكمات عام 2001، لاسيما المادة 108 منه التي وضعت حداً لمدة التوقيف الاحتياطي: فقيدت قاضي التحقيق بمهلة شهرين تمدد لمدة واحدة بقرار معلل بالنسبة للجنح ومهلة ستة أشهر تمدد لمدة واحدة بقرار معلل بالنسبة للجنايات، ما عدا تلك المتعلقة بالقتل والمخدرات والاعتداء على أمن الدولة والجنايات ذات الخطر الشامل أو تلك المحالة أمام المحقق العدلي عملاً بالمادة 363 من ذات القانون.
ان انسجام لبنان مع الاتفاقيات الدولية التي ترعى حقوق الإنسان المدنية والسياسية ليس وليد الصدفة بل هو نتيجة مسار معين انتهجته الدولة اللبنانية، بدأ فعلياً يوم انضمام لبنان إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وتوقيعه على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 وانضمامه إلى اتفاقية الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
في هذا السياق ركز فريق العمل في "الرأي رقم 37/2007" على مسؤولية الحكومة اللبنانية لجهة انتهاك القضاء للمادة التاسعة ف 1ـ2ـ3 من الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية معتبراً توقيف الضباط الأربعة ورفاقهم توقيفاً تعسفياً عارضاً مضمون المادة التاسعة من اتفاقية العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية:
ـ نصت المادة التاسعة فقرة ـ 1 ـ على ما يلي:
"لكل فرد حق في الحرية وفي الأمان على شخصه ولا يجوز توقيف أحداً واعتقاله تعسفاً، ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقاً للإجراء المقرر فيه قانونا7-7-.
ـ وأضافت الفقرة ـ 2 ـ:
"يتم تبليغ كل موقوف لدى توقيفه بأسباب توقيفه ويجب ان يتبلغ في أقرب مهلة بكل تهمة موجّهة ضده".
ـ ونصت الفقرة ـ 3 ـ:
"كل شخص موقوف أو محتجز بسبب جرم جنائي يمثل في أقرب مهلة أمام قاضي أو أي سلطة أخرى مقدمة من قبل القانون لممارسة المهام القضائية، ويجب أن تتم محاكمته في غضون مهلة مقبولة أو يطلق سراحه...".
وخلص فريق العمل إلى اعتبار ان الإبقاء على احتجاز الأشخاص الثمانية الموقوفين من قِبَل القضاء اللبناني، لفترات غير محددة، دون توجيه أي اتهامات أو أحكام ينتهك المعايير الأساسية في التمتع بالحق في محاكمة عادلة كما تضمنه المعايير الدولية ويمنح الاحتجاز طابعاً تعسفياً.
من العودة إلى النصوص الواردة في المواثيق والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان نرى ان ميدان تطبيق مبدأ المحاكمة العادلة يبدو متشابهاً لدى هذه المواثيق والمعاهدات كافة.
وبالفعل، فإن المادة 9 فقرة 1 من اتفاقية الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الموقعة من لبنان تقابلها المادة الخامسة فقرة (10) من الاتفاقية (CEDH) الأوروبية لحقوق الإنسان والمادة السابعة فقرة 2 و3 من الاتفاقية الأميركية لحقوق الإنسان (1969) والمادة السادسة من الميثاق الافريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981).
إن الحق بمحاكمة عادلة يقتضي حتماً احترام موجب السرعة: وفي حين أوصت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان ـ CEDH ـ ان لكل شخص الحق بأن يتم الاستماع إليه بصورة عادلة ضمن مهلة معقولة، فإن اتفاقية الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية PIDCP تفرض ان كل شخص متهم بجرم حنائي يجب أن يحاكم دون أي تأخير مفرط في الاجراءات القانونية التي تتعلق به.
إذاّ لا بد من تحديد العناصر التي يجب أخذها بعين الاعتبار في تحديد المهل المعقولة وغير المفرطة والتي يقتضي على الإجراءات التي تدخل ضمن المحاكمة العادلة عدم تخطيها.
في القانون الجنائي تكون الطبيعة المعقولة للفترة الزمنية للمحاكمة موضع دراسة فردية لكل قضية. ويتم تقويم ذلك وفقاً لظروف كل قضية مع الأخذ بعين الاعتبار تعقيداتها وسلوك مقدم الطلب وتصرف السلطات، استناداً إلى كون الشخص قيد الاحتجاز أو حراً وإلى مصلحة الأشخاص المعنيين.
وقد أعطى الاجتهاد الدولي مؤشرات عامة جداً لتحديد ماهية الفترة الزمنية المعقولة فقد أخذت لجنة حقوق الإنسان CDH بعين الاعتبار لهذه الغاية عدة عوامل منها طبيعة الإجراءات وتعقيد القضية 5، وتعدد وتشابك القضايا التي لها علاقة بها 6، كذلك تصرف الجهة مقدمة الإخبار، وتصرف السلطات لجنة إعمال الجديد والعناية أو على العكس المماطلة.
وقد قضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بما يلي:
إن الحاجات الملحة لمكافحة الآفة الإجرامية التي تضرب المجتمع، لاسيما من النوع المافيوي حملت القضاء الأوروبي على اعتبار انه من الممكن تبرير مخالفة القاعدة التي كرّستها المادة 5، الفقرة 3، من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان CDH وذلك باسم الأمن والنظام العام ـ قضية Italie/Pantano في 6 تشرين الثاني 2003.
بناء على ما ورد يتبين ان موقف الاجتهاد اللبناني جاء مطابقاً والمعايير التي اعتمدتها لجان حقوق الإنسان لجهة تأمين المحاكمة العادلة.
ـ بالنسبة لموقف المحقق العدلي بالاستمرار بالتوقيف:
في ضوء المؤشرات العامة التي أعطاها الاجتهاد الدولي لتحديد ماهية الفترة الزمنية المعقولة، يعتبر موقف المحقق العدلي متماشياً مع المعايير الدولية التي اعتمدتها المحاكم الدولية ذاتها والتي تسلم صراحة بوجود حالات يجوز فيها للسلطات ان تقيد حرية المرء بشروط وأن تحتجزه لحين تقديمه للمحاكمة.
وكما بيّنا سابقاً بالنظر إلى ضخامة الجريمة الإرهابية التي أدت إلى مقتل رئيس مجلس الوزراء اللبناني رفيق الحريري ورفاقه وتعقيدها وتشعبها تبقى مدى التوقيف الاحتياطي للموقوفين الثمانية موضوع الرأي 7-377-/20077-7- مبررة ومعقولة، طالما هنالك ضرورة الاستمرار في احتجازهم منعاً من الإضرار بروحهم والحؤول دون هربهم أو لتجنب اتصالهم مع الشهود وتضليلهم التحقيق، أو عبثهم بالأدلة خاصة وإن إطلاق سراحهم يشكل خطراً وتهديداً للمجتمع لا يمكن احتواؤه بتدبير آخر7-7-.
بناء على ما ورد أعلاه وتأكيداً على ان معرفة ما إذا كانت المهلة المعقولة قد تم تجاوزها أم لا، يقتضي الاعتماد على دراسة دقيقة لظروف واسباب التأخير ولا تؤخذ بعين الاعتبار المدة الزمنية المعنية:
فإن محكمة يوغوسلافيا الجنائية الدولية اعتبرت في قرارها "بما أنه في القضية الراهنة لا تتجاوز فترة سجن المتهم حتى تاريخه تسعة أشهر بدءاً من أول نيسان 1996 وحيث ان الجرائم التي أدين بها خطيرة للغاية وانه استناداً للمادة ـ 5 ـ فقرة 3 ـ من المعاهدة الأوروبية يجوز أن تعتبر لجنة حقوق الإنسان والمحكمة الأوروبية الفترات الزمنية الممتدة من 19 شهراً إلى 5 سنوات معقولة وذلك في القضايا التي تعتبر فيها المعايير التي حددتها كافية"8.
وكذلك اعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ان التوقيف الاحتياطي لا يخالف أحكام المادة ـ 5 ـ من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان: فعلى اثر رد المحكمة الفدرالية في 29/10/1987 الطلب الجديد المقدم من الملتمس أمام الغرفة الاتهامية بإنهاء مدة سجنه، رأت المحكمة الأوروبية بأنه نظراً لكون مدة العقوبة الدنيا بالسجن المفترض أن يتلقاها الملتمس، هي خمس سنوات، فإن مدة السجن لفترة سنتين وسبعة أشهر السابقة للمحاكمة لم تبلغ حتى الآن المستوى الخطير".
كذلك اعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ان مهلة التوقيف الاحتياطي وإن فاقت السنتين فتبقى معقولة ومتوافقة مع أحكام المادة 5 فقرة ـ 3 ـ من الاتفاقية الأوروبية وذلك بالنظر للقانون النمسوي الذي يجيزها وللطابع المعقد للجريمة التي تم التوقيف في اطارها".
وبما ان قانون اصول المحاكمات اللبناني لم يحدد مدة التوقيف الاحتياطي في قضايا معينة منها القتل والاعتداء على أمن الدولة، وكذلك بالنسبة للقضايا المرفوعة أمام المجلس العدلي الذي هو محكمة استثنائية تنظر بالقضايا المهمة التي تمسّ بأمن الدولة، فيكون القانون اللبناني متوافقاً والمعايير الدولية والتي، كما بيّنا اعلاه، تجيز ولو بحالات استثنائية استمرار التوقيف الاحتياطي لحين بدء المحاكمة آخذة بعين الاعتبار القانون الداخلي.
ـ بالنسبة لتصرف السلطات اللبنانية المختصة:
حيث ان الاجتهاد الدولي أخذ بعين الاعتبار في تحديد المهل المعقولة عدة مؤشرات كان من أبرزها تصرف السلطات لجهة الجدية والعناية أو على العكس لجهة المماطلة. وقد أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عدة قرارات في هذا السياق:
كذلك رفضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ادانة السلطات الوطنية عندما تكون هذه الأخيرة قد قامت بالإجراءات بحسب نمط مقبول، آخذة بعين الاعتبار الظروف الاستثنائية والخاصة للقضية12.
فبالنسبة للسلطات اللبنانية فقد أبدت كل عناية واهتمام خاص بالقضية الحاضرة وعملت على تسريع المحاكمات إلى أقصى حد، إذ عند الغياب الاستثنائي للمحقق العدلي تم فوراً انتداب قاض بدلاً منه لتسيير العمل وهو الرئيس الأول لمحاكم استئناف بيروت القاضي جهاد الوادي. كذلك عند صدور قرار بنقل الدعوى من أمام المحقق العدلي الياس عيد سارعت السلطة المختصة إلى تعيين البديل، وهو القاضي صقر صقر. ولا يخفى على أحد تسارع الأحداث الأمنية في لبنان، فالقضاء اللبناني ومنذ محاولة اغتيال النائب مروان حمادة في تشرين الأول من عام 2004 انهمك في ملفات الاغتيالات المتلاحقة: فقد تعرض لبنان إلى 22 عملاً إرهابياً طالت كبار السياسيين والصحافيين والضباط في الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي والسفارات الأجنبية ومواطنين أبرياء، ناهيك عن أحداث الشغب والتظاهرات وغيرها من الأعمال المخلة بالأمن.
فالقضاء اللبناني بقي يحيط بهذه القضايا كافة باذلاً أقصى جهده لأداء رسالته النبيلة بصدق وإخلاص وشفافية دون ان يبالي بما يتهم به نظراً لانقسام الحياة السياسية، رغم إمكاناته الضئيلة نسبة لعاصفة الإرهاب التي تعصف بالبلاد.
وتجدر الإشارة إلى انه عند حصول أية عملية إرهابية كانت الحكومة اللبنانية تطلب من مجلس الأمن تقديم المساعدة التقنية للقضاء اللبناني. وعلى هذا الأساس فأن اللجنة الدولية عملت إلى جانب القضاء في نحو عشرة اغتيالات إرهابية، وهي تقوم بدراسات وتحاليل ومقارنات من أجل تحديد ما إذا كان لهذه الاغتيالات علاقة مباشرة أو غير مباشرة بقضية اغتيال رفيق الحريري، إذ انه في حال ثبت الترابط تحال هذه القضايا أيضاً أمام المحكمة الدولية وذلك بحسب نظام المحكمة الدولية لا سيما المادة الأولى من الاختصاص القضائي للمحكمة.
وان خير دليل على جهد السلطات القضائية اللبنانية هو ما يذكره رئيس اللجنة الدولية في كل تقرير يصدره لهذه الجهة إذ يمدح ويشكر السلطات اللبنانية من أمنية وقضائية على تعاونها وبذل جهدها وتسهيل العمل من أجل تحقيق الغاية المنشودة. ولو كانت السلطات اللبنانية تتصرف على غير هذا النحو لكان رئيس اللجنة الدولية أشار إلى ذلك في تقاريره أو أمام مجلس الأمن كما فعل بالنسبة لدول أخرى التي لم يكن تعاونها مع اللجنة كافياً ومرضياً.
وتجدر الإشارة إلى ان الجهاز القضائي الذي ينظر في كل هذه القضايا هو ذاته، فبحكم قانون التنظيم القضائي فان المدعي العام العدلي هو نفسه بالنسبة لجميع القضايا المحالة أمام المجلس العدلي، ولو عين محققاً عدلياً لكل واحدة منها. كذلك فان الجهاز الأمني الذي تتعامل معه السلطات القضائية هو ذاته المكلف بتنفيذ كل الاستنابات الصادرة عن المحاكم الجزائية كافة. ففي مثل هذه الظروف الأمنية والاجتماعية يعتبر ما يقوم به القضاء اللبناني بالاستعانة مع الضابطة العدلية عملاً جباراً. وبالرغم من اغتيال مدير عمليات قيادة الجيش اللواء الركن فرنسوا الحاج واغتيال رئيس الفرع الفني في شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي الرائد وسام عيد، فان كلا من أجهزة التحقيق والرصد العاملة في قيادة الجيش والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي على اختلاف اختصاصاتها لا تزال تعمل على اكتشاف الحقيقة.
ـ بالنسبة لسلوك مقدم الطلب:
لا بد من التركيز على تصرف الجهة مقدمة الإخبار، لا سيما الموقوف اللواء جميل السيد الذي منذ اللحظة الأولى لتوقيفه بدأ بالتهجم على القضاء وإصدار البيانات والتصاريح العلنية التي يتهم بها النيابة العامة العدلية والمحقق العدلي بالخوف والجبن والرشوة والانحياز مستعملاً التعابير النابية والمذلة مهدداً بالثأر والانتقام، كما انه لم يعف اللجنة الدولية من الشكوك والاتهامات.
وإذا ما عدنا إلى قضية اغتيال رئيس مجلس الوزراء السابق رفيق الحريري، لتبين لنا ان كل العناصر المذكورة أعلاه والعوامل التي ساهمت في التسبب بموقف المحقق العدلي لجهة الاستمرار بتوقيف المشتبه بهم واضحة ومبررة فالقضية معقدة للغاية تتشعب عنها قضايا عدة لها تأثيرات كبيرة في مجالات عديدة.
ـ فبالنسبة لما ورد في الفقرة 330 من الرأي "37/2007"، اعتبرت مجموعة العمل إن الاستمرار في احتجاز الأشخاص الثمانية دون توجيه التهم إليهم أو التبليغ عنها لهم منذ أكثر من سنتين يحرم الأشخاص المذكورين أعلاه من التمسك بالضمانات المعترف بها لكل شخص متهم رسمياً بجريمة جنائية والحق بالحصول على محاكمة في المهل المقبولة أو في إخلاء سبيله.
رداً على هذا الزعم يمكن التأكيد بان الأشخاص الثمانية قد مثلوا عدة مرات أمام حضرة قاضي التحقيق بحضور وكيلهم القانوني، وفي كل مرة يباشر فيها المحقق العدلي بالتحقيق كان حكماً وعملاً بالمادة 76 من قانون أصول المحاكمات المعدل يتلو على كل مدعى عليه الإسناد الوارد في ورقة الادعاء الذي يتضمن الجرائم المنسوبة اليه والمواد التي على أساسها تمت ملاحقته، وكان المدعى عليه يجيب على أسئلة المحقق العدلي ويناقش الأوراق والمستندات التي كان يبرزها له، كما انه كان يقوم بمواجهة الشهود أو حتى المدعى عليهم الآخرين ممن نسبوا إليه بعض الأفعال أو التصرفات. والدليل على ذلك عدد المرات التي مثل فيها الموقوفون الثمانية أمام المحقق العدلي واللجنة الدولية وكلما ظهرت قرائن وأدلة جديدة يواجهون بها وآخرها لم يكن أبعد من شهر. والمذكرات التي كان يعدها وكلاءهم تعليقاً على كل استجواب ولا يزالون.
بذلك يكون المشرع اللبناني قد راعى المادة 9 فقرة ـ 2 ـ من الميثاق الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية التي تنص على انه: "يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعاً بأية تهمة توجه إليه".
هذا مع الإشارة إلى أن القانون الدولي بما أورده في نص المادة 76 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، لم يفرض أي شكل معين لإعلام المتهم بالأفعال المنسوبة إليه، فيكتفي ان يصار إعلامه أو إعلام وكيله القانوني حتى شفهياً عن ماهية الشبهات التي تحوم حوله دون الضرورة لإبلاغ كامل الملف الجنائي بتفاصيله.
وبالفعل فان اللجنة والمحكمة الأوروبية لحقوق الانسان لم تطلبا في معرض تفسيرهما لهذه المسألة أكثر مما تلحظه المادة ـ 6 ـ فقرة ـ 3 ـ أ تقابلها الفقرة ـ 2 من المادة 9 من الميثاق الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية)، سوى تقديم المعلومات دون شكل معين ومن غير الضروري حتى ان يكون خطياً (13) وبالتالي تعتبر كافية: ـ إرسال نسخة إلى المتهم من محضر التوقيف يعدد دوافع الحرمان من الحرية وتفاصيل الاتهامات القائمة (14).
ـ مجرد إدلاء قاضي التحقيق أمام المتهم بعبارة "أنت متهم بالجرم كذا (15)".
وقد أقرت أيضاً ان تقرر اللجنة والمحكمة ان المعلومات التي تفرضها المادة ـ 5 ـ فقرة ـ 2 ـ لا تحتاج إلى تفاصيل أكثر مما تلحظه المادة ـ 6 ـ فقرة 33 بشأن الحق في محاكمة عادلة. فعلى سبيل المثال: ـ لا يتوجب على السلطة عن التوقيف إعطاء وصف شامل عن الشكوك ضد الشخص المعني (16)، ـ كما انه لا يتوجب عليها ان ترسل إليه الملف الجزائي مع تحديد العقوبات(17)، ـ ويسمح بهامش من العمومية في مضمون المعلومات(18).
وعليه فان معايير القانون الدولي في هذا المجال تترك للقضاء وللقانون الوطنيين هامشاً معيناً لتقدير ضرورة استمرار التوقيف الاحتياطي، في حال توفرت مؤشرات محددة تدل على وجود متطلبات حقيقية مرتبطة بالمصلحة العامة توجب الاستمرار بالتوقيف في بعض الجنايات الخطرة، مع الحفاظ على قرينة براءة المتهم.
وفضلاً عن ضرورة تأمين مصلحة المجتمع والحفاظ على الانتظام العام وحماية السلم الأهلي والأمن الدولي بتأمين العدالة الدولية عن طريق إحقاق الحق والمساءلة وفرض العقاب، لا بد من التذكير ان مبدأ المساواة أمام القضاء يفرض ان تحظى الضحية بذات الاهتمام الذي يحظى به المدعى عليه أمام القضاء الجزائي فلا يبقى منصباً على حماية حقوق المتهم في حين تقف الضحية المتضررة جانباً في الدعوى دون الالتفات إلى وضعها رغم الآلام والأضرار التي غالباً ما يعجز التعويض عنها. فمن حق الضحية المطالبة بتأمين أبسط السبل لها للوصول إلى حقها والا تكون قد أصيبت مرتين.
لهذه الأسباب كلها
تؤكد الحكومة اللبنانية انه إذا كان من حق الأفراد أو أصحاب العلاقة مراجعة "الفريق العامل" إلا انه، وعملاً بالمبدأ القانوني العام، يقتضي أن لا يكون هناك أي تعسف أو سوء نية أو كيدية في استعمال هذا الحق وممارسته، الأمر المتحقق بصورة نموذجية في القضية الحاضرة. ما يقتضي معه التفضل باتخاذ القرار اللازم للرجوع عن الرأي رقم 37/2007 المتعلق بالموقوفين الثمانية: اللواء جميل السيد، اللواء ريمون عازار، اللواء علي الحاج، اللواء مصطفى حمدان، أحمد عبد العال، ايمن طربيه، مصطفى طلال مستو ومحمود عبد العال، لان هؤلاء لا يعتبرون وبالاستناد إلى كل ما تقدم في حالة توقيف واعتقال تعسفيين وإعلان ذلك وفقاً للأصول.
واننا على ثقة بأن هذا الطلب سيلقى من قبل فريقكم الموقر كل تجاوب.
وتفضلو بقبول فائق الاحترام والتقدير
بيروت في 29/2/2008
أمين عام مجلس الوزراء
سهيل بوجي
الهوامش
(1) Behrami et Behrami V. France et Samarati V. France, Germany
(2) A/CN, 41. 682 at paragraphes 328 - 368
(3) CEDH Kemmache c. France 27 Novembre 1991 (N.3) A. 218
(4) Arr?t WEMHOFF C/ALLEMAGNE DU 27 JUIN 1968,10
(5) Constatations du CDH Req. No 207/.1986 Aff. Morael C., France
(6) Constatations du CDH req. No. 203/1986 Aff. Munoz C. P?rou 192-198
(7) Rapport de la Commission des Droits de l'homme des Nations Unies: Hugo
Ban & Alphren V. The Netherland. CCPr/ C/39/ D/305/1998 - 15/08/90
(8) International Criminal Tribunal of Yougoslavia/ ICTY
December 1996, The Hague, The Netherlands.
Trial Chamber I, The Prosecutor V. Tihomira Blaskic - 20
(9) The European Court of Human Rights
Case of W.V. Switzerland, Application No. 14379/88 Strasbourg - 26 January 1993
(10) راجع الحكم الصادر بتاريخ 8/3/90 بقضية ضد النمسا B.C. Autriche, A., N. 75, P.15
(11) boddaert c/Belgiaue 12 Oct 1992, A. 235-D CP. et al. c/France
(12) Intiba c/Turquie, 24 Mai 2005
(13) يراجع لجنة حقوق الانسان القرار الصادر في 4 تشرين الاول 1962 ـ الطلب رقم 1¬211/16 جزء ـ 5 ـ ص 228.
القرار الصادر في 26 آذار 1962 ـ الطلب رقم 1/802/62 جزء ـ 6 ـ ص 480.
القرار الصادر في 1 نيسان 1966 ـ الطلب رقم 1/262/65 ـ جزء ـ 9 ـ ص 482
(14) قرار المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان في قضية Lamy c/Belgique 30 Mars 1989 (A.151)
(15) راجع لجنة حقوق الانسان القرار الصادر في 22 آذار 1962 ـ الطلب رقم 1/103/61 ـ الطعن رقم 8 ـ ص 125
(16) يراجع لجنة حقوق الانسان القرار الصادر في 3 شباط ـ الطلب رقم 4/220/69 ـ الجزء 14 ـ ص. 250/278
(17) يراجع لجنة حقوق الانسان القرار الصادر في 12 تشرين الاول 1983 ـ الطلب رقم 9 ـ 614/81 ـ القانون 34 ـ ص. 124
(18) La Convention Europ?enne des Droits de l'homme,
Commentaire Article Par Article, 2eme ?dition, Economica 199 p209

اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
تعليقات القراء عدد الردود: 0