الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الخميس 22 شباط 2018
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2008-09-28الكاتب:حازم صاغيةالمصدر: « السابق التالي »
 بورتريه (لم يكتمل) لزوجين يحبّان الربّ
 
عدد المشاهدة: 485
لم تكن منيرة تجري دائماً بمثل تلك السرعة. وفي ما عدا ذهابها الى الكنيسة أيّام الأحد، لم تكن تظهر على الناس في تيّورها الأسود المرتّب والمكويّ. هذا ما كانت تفعله عندما يصلها خبر من المهجر. حينذاك، كان زوجها ما إن ينهي قراءة الرسالة بصوت مسموع وبطيء كأنّه يهجّىء حروفها، فيما تلاحقه هي بعيون نهمة جاحظة، حتّى تهرع الى خزانتها فتستلّ التيّور وتتّجه بقفزات كبيرة الى بيت المعنيّين بالأمر. ودائماً كان يلحق بها أبو منير، عابساً متجهّم الوجه، وقد ارتدى بالسرعة نفسها بذلته الداكنة مصحوبة بربطة عنقه السوداء.
في أوضاع كتلك، كان أبو منير يبدو كمن يلهث وراء زوجته التي تتصرّف تصرّف من يعوّض بطء البريد وكسل سُعاته. فهم يوصلون الرسائل بعد أسبوع، أو أزيد، على لحظة تسلّمها في مراكز البريد البعيدة، ما يجعل المُلحّ يصير عاديّاً والإثارة تختفي من الخبر. وهي دائماً كانت تسبق زوجها خطوتين أو ثلاثاً، إذ تفوقه حماسةً لإطلاع أهل الدار على خبرهم، مثيرةً بعض غبار يلوّث أطراف سكربينتها السوداء النظيفة. وأحياناً كانت تُكمل شدّ زنّارها حول خصرها فيما هي تغادر بوّابة بيتها لا تلوي على شيء، بحيث تُضطرّ أبا منير الى ربط ربطة عنقه على الطريق بما يزيد اختلال الطول بين طرفيها، أو يجعل عقدتها أكبر مما هو مألوف في ربطات العنق. ولمّا كانت تخطف الدرب خطفاً، هي المتثاقلة داخل بيتها لا ترى ما يستدعي الحركة، لم تكن تعبأ بملاحظات قد يتفوّه بها زوجها أو بأسئلة قد يطرحها. فهي ماضية مثلما يمضي القطار نحو محطّته التالية، لا يبطّىء سيرها زلزال يشقّ تحت قدميها الأرض.
كان كلّ منهما يهرول وحده، وكلّ منهما يُتمتم كلمات غير مسموعة يصعب التحقّق مما إذا كانت هي نفسها. والاثنان كانا إذ يمشيان ينكّسان رأسيهما غير أنّهما لا يريان التراب الذي تنهشه أقدامهما.
فمنيرة كانت تستعجل نقل الخبر الذي احتكره زوجها وشاركها احتكاره بحكم الإقامة في بيت واحد والشراكة في أمور عدّة. وحتّى اليوم، لا يعرف أحد كيف بدأ هذا التقليد ولماذا درج أهل المهجر على التعامل مع بيتهما كأنّه وكالة أنباء القرية ومصدر معلوماتها. لكنْ مرّةً بعد مرّة صار استعجالها المرفق بالتيّور والسكربينة الأسودين، وبلهاث أبي منير وراء خطاها، مدعاة لخوف الحارات كلّها ولهلع ساكنيها: فأيّ البيوت تراهما يتّجهان اليه، على ما راحوا يتساءلون بقلوب ضعيفة، ومن هم الذين فقدوا إبناً أو أخاً في تلك البلدان النائية؟
ومع أن أمّ منير وزوجها كانا يبوحان بمعظم السرّ في مجرّد أن يختارا البيت ويصوّبا الخطى نحوه، تكفّلت حركاتهما إيصال ما بقي من معانٍ. فوسط رعب جعلا ينشرانه بين المُضيفين، تبدأ هي بإغماض عينيها وفتحهما بتسارع فيما تبلع ريقها بتقطيع منتظم وتضرب كفّها على ساقها ثمّ تعاود الضرب في حركة متواصلة، كما لو أن يدها استقلّت بنفسها عنها وصارت آلة كهربائيّة لا سيطرة لها عليها. وفي هذه الغضون يتدخّل أبو منير معلناً بصوت استعاره من الأنبياء، وبحركة يد يمدّها في الفراغ ما وسعه ذلك، أن الدنيا فانية وأننا جميعاً ذاهبون الى هناك، مشيراً إلى المقبرة. وإذ يأخذهما الاستطراد في محاسن الفقيد، أو الفقيدة، مما يأتي بارداً مكرّراً سبق أن قالاه في بيوت كثيرة، ترتفع الأصوات ببكاء هستيريّ يتصاعد صراخاً ممزوجاً بالأسئلة الجريحة عن سبب الوفاة وظرفها وعن المكان المحدّد لحصولها. وقد يجيب المخبران عن الأسئلة، أو عن بعضها، تبعاً لما بلغهما من معلومات، لكنّ المضيفين الذين يسألون يكونون قد كفّوا عن الاستماع. وشيئاً فشيئاً لا يبقى من البيت إلاّ العويل فيما يُشاهَد أبو منير وأمّ منير، وقد ضمّا أهل الفقيد بشيء من الاستعجال، ينسلاّن منسحبين من المنزل المفجوع عائدين أدراجهما الى بيتهما.
في بعض الحالات كان ذاك السيناريو يتعرّض لقدر من التعديل طفيف. فإذا وصلت هي وزوجها الى البيت المقصود وكان بابه موصداً، اعتراهما اضطراب. فقد تمدّ عنقها من النافذة، مثلاً، علّها بالتلصّص تعثر على بعض أفراد العائلة في الداخل، فتنبّه مَن تلمحه الى ضرورة الاستعجال في فتح الباب لهما. وقد يقصد أبو منير جيران أهل الفقيد الذين يلاصقون بيتهم فيسألهم عمّا إذا كانوا يعرفون أين هم الآن بالحصر والتحديد. بهذا كانا يتصرّفان كمثل خائف من فقد الأسبقيّة، على رغم ثقتهما بقوّة احتكارهما، أو ربّما تصرّفَ البائع الذي يسعى الى تصريف بضاعته قبل أن تكسد.
لكنْ إذا كان للعائلة المقصودة أكثر من قريب واحد في المهجر، امتدّ حبل الأسئلة بأطول مما يحصل في الأحوال العاديّة، كما تباطأ قدوم صوت الصراخ قليلاً فيما انتشرت، الى حين، همهمة قلقة في البيت تسري سريان الأزيز المقطّع.
وهناك بيوت كثيرة في القرية هاجر منها أكثر من فرد واحد، متّجهين الى 7-7-أميركا7-7- التي قد تكون أفريقيا أو أميركا الجنوبيّة أو ربّما أوستراليا، كما قد تكون الولايات المتّحدة نفسها. فحيث تحطّ قدم مهاجر درجت القرية على تسميته أميركا، وكلّ من يموت في قارّات الأرض العديدة إنّما في أميركا يموت. وهو ما جعل تلك البلاد مصدراً للخير ومصدراً للشرّ في وقت واحد، فزاد في إلغازها وفي تضمينها معاني متضاربة شتّى.
وكان أكثر من يخاف منيرةَ وزوجَها جيرانُهم المباشرون. فهؤلاء لديهم أربعة أبناء في فنزويلا، لا يعزّيهم عن حياتهم الموحشة الاّ الرسائل القليلة التي يتلقّونها منهم، المكتوبة بحروف ضخمة الحجم كأنّها مصوّرة تصويراً، أو كأنها مرسومة رسماً عبثيّاً، وبلغة أطفال تعلّموا القراءة للتوّ. وغالباً ما كانت رسائل الأبناء تلفّ أوراقاً نقديّة تعين أهلهم على مصاعب حياتهم، أو صوراً لهم ولزوجاتهم وهم يضحكون بأسنان كبيرة ومعهم أبناؤهم المولودون حديثاً.
ولربّما آنس هؤلاء الجيران أن يقصدهم، ولو على عجل، أبو منير وأمّ منير بثياب البيت العاديّة، أو أن يأتيهم أحدهما طالباً غرضاً مفاجئاً لم يحسبا حسابه، كرغيف خبز أو مقدار ملعقة من الشاي. حينذاك، كانا يأتيان بملابس البيت، فيسرّ جيرانَهم إخبارُهما أنهم سيشترون سلعاً جديدة بالنقود التي أُرسلت إليهم، أو إطلاعهما على الصور التي وصلتهم، مما يستقبله الزائران بالتظاهر بالفرح والمشاركة فيه. ذاك أن الجيران أغاظوا أبا منير وأمّ منير لتلقّيهم من الرسائل ما يعاكس الرسائل التي تصلهما، ثم إنهم لا يتستّرون على فرحهم بأخبار أبنائهم، ولا يخجلون بذلك، كما يُسعدهم شراء الحاجيّات والألبسة والحلويات بعد تسلّم الرسائل. وهذا كلّه يتغيّر حين يمرّان من أمام بيت الجيران، هي بتيّورها وسكربينتها، وهو بكرافتته الداكنة، فتظلّ تراقبهما عيونهم الى أن يغيبا عن نظرهم، ثم، وبدافع الفضول، ينتظرون عودتهما لمعرفة الخبر اليقين وتحديد هويّة الضحايا. وعلى الجيران طغى ميل لئيم الى التظاهر بعدم الاندهاش لأخبار الزوجين، فكأنّهم، في هذا، يرخّصون قيمة البضاعة التي بيعت إليهم فيقلّ، بالتالي، شعورهم بالدَين تجاه المُخبرين. بل كانوا أحياناً يسلكون سلوك من يتوقّع وفاة المتوفّى، إمّا لأن صحّته بدت لهم هزيلة أصلاً، كما كانوا يقولون، وإمّا لأن في بيت أهله أمراضاً سبق أن تكهّنوا بأنه سوف يرثها، وبأنها سوف تفتك، عاجلاً أو آجلاً، به.
وهم جميعاً كانوا في القرية فلاّحين وأبناء فلاّحين، الشظفُ ظاهر على أكفّهم المقدّدة لحومها، وفي أصابعهم الثخينة المائلة الى القصر، وخصوصاً في أظافرهم غير المعتَنى كثيراً بتنظيفها. آباؤهم بدأوا، مع مطالع القرن العشرين، يهاجرون متعهّدين، لدى وضع أقدامهم على أسطح البواخر، أنهم سوف يعودون الى تلك القرية سعداء، وربّما أثرياءً أيضاً. لقد خلّفوا وراءهم قطع أرض متواضعة الحجم امتلكوها، أو ورثوها، وقطعاً أخرى مجاورة حلموا بامتلاكها وتوريثها لأبناء موعودين. كما خلّفوا أخوة وأخوات أصغر سنّاً راحوا يستدعونهم، الواحد بعد الآخر، إليهم والى "أميركا". فحين رجعوا الى القرية، ظلّوا يلفظون بعض أسمائهم على ما يلفظها مَن لم يمرّ على مدرسة من قبل. فمُنيرة مثلاً، كانت تسمّي نفسها، ويسمّيها الآخرون، مَنيرة. كذلك نُزعت الضمّة عن اسم جارتها يُمنى التي صارت يَمنى بينما ضُمّ الحرف الأوّل من إسمي سِهام وهِيام، المقيمتين في الحارة المقابلة، فصارا سُهام وهُيام.
لقد لازمهم خطأ ما أقنعتهم مَهاجرهم بأنه صواب. هناك، في 7-7-أميركا7-7-، هم السادة، لا يعلوهم إلاّ الانكليزيّ الذي لا يعلوه إلاّ الله. ثم إنّهم، إن لم يغرقوا في البحر، عادوا من هجرتهم أفضل بكثير مما كانوا حين باشروها، وهي علامة تحمل على الافتخار بالنفس وما تستطيع إنجازه. لكنّها ظلّت قناعة يمكن، بسهولة، هزّها وتعريضها للشكّ، إذ الثقة التي زوّدتهم بها "أميركا" بقيت أقلّ كثيراً من الحرمان الذي عاقبتهم به دنياهم الأصليّة، جاعلةً القسوة والخشونة بعض ميزاتهما. فحتّى الحياة نفسها بدت قابلة لأن تُسحب منهم، لأتفه الأسباب، في لحظات ظُنّ أنها حاسمة لا تقبل المساومة. فكانت أمّ منير تروي عن طفولتها، إذا ما سئلت، أنها غالباً ما شاغبت وأزعجت والدها الذي قرّر، ذات مرّة، شنقها. وبالفعل اختار أبوها شجرة مجاورة معتدلة الطول، قويّة الفروع، وجاء بحبل طويل أراده مشنقة لصغيرته، فلم يوقف العمليّة إلاّ استجابةً لسؤال زوجته: ومن الذي سوف يحلب البقرة، يا عبد الله، إذا شنقتَ منيرة؟
فهي لا أكثر من كميّة ضئيلة، كميّةٍ لا تضيف شيئاً الى بيت أبويها الذي ضمّ ثمانية صبيان وفتاة أخرى كانت توصف بأنها ملاك لا أثر فيه للشيطان، ما وضعت يدها على البقرة إلاّ جاء حليبها مدراراً، ولا أعملت يدها في طبخة إلاّ طاب مذاقها.
ومنيرة لم تكن تروي حادثة شنقها مستهجنة أو غاضبة أو حتى مستغربة. كما أن ما حدث لها لم يحملها على التقليل من الصفات المجيدة التي ظلّت تسبغها على أبيها، فتراه محبّاً للخير هادئاً في طباعه لا يمسّه الغضب. لقد كان تعليقها الوحيد، إذ تسرد ما جرى لها، الاكتفاء برسم بسمة صغيرة على شفتيها كما لو أنها تخبر قصّةً بثّ القِدم فيها بعض الحنين، ثم تضيف: "هكذا ظنّ أبي وأمّي" بتسليم لا يشوبه احتجاج. فبهذه العبارة كانت تختم سردها الموجز، مثل طفلة تستكشف معايير السلوك والتعامل مع دنيا هي وافدة عليها، قبل أن تعاود الانطواء على نفسها والتحديق في الأرضيّة التي تحيط قدميها والتي لا تتعدّى نصف المتر المربّع.
وأمّ منير لم تكن قصصها كثيرة ولا كان زوجها متكلّماً، هو الذي فضّل، في العادة، دخول الصمت المديد والمكوث فيه كأنّه عالم يضجّ بانشغالات لا يدخلها أحد غيره، أو بأبطال لا يعرفهم سواه. كانت تروي، مثلاً، أن القسّيس كان كثيراً ما يزورهما حين كانا في "أميركا"، قاصدةً غينيا في أفريقيا الغربيّة، فتقول إنه كان يجلس في مقابل أبي منير طويلاً مُطرقين لا ينبسان بكلمة. ساعةٌ بكاملها كانت تمرّ لا يشوّش صمتها إلاّ كلمة يتفوّه بها القسّيس الذي يرفع نظره نحو زوجها ويبادره بـ"نعم"، فيردّ أبو منير: "أنعم الله عليك وحفظ والديك". ثم تمضي ساعة أخرى على المنوال نفسه الى أن تنتهي الجلسة فيودّعهما القسّيس ويشكرهما على سهرة لطيفة. وكانا، كما تضيف، يقدّمان بعض الطعام للقسّيس فيصلّي عليه قبل أن يتناولوه جميعاً. وفي أحيان أخرى، كانت منيرة تقرّب منه بعض الخبز الذي سوف يأكلانه في الأيّام المقبلة كي يصلّي عليه.
كان عالمهما ضئيلاً حقّاً، لا يكثّره حاضر بخيل بالحدث ولا يسمّنه ماضٍ فارغ من الذكريات. وهي ضآلة كانت تصنع نفسها، أو تتحايل على نفسها، يوماً بيوم. فإذا قام أحدهما بتحريك المقعد من مكانه، صفن في المقعد طويلاً قبل القيام بالعمل الذي يستغرق لحظات عابرة. وكم كان أبو منير يتمعّن وهو يحدّق في فنجان الشاي حين يسكبه محاولاً، مرّةً، ألاّ يرتفع الماء الساخن أبداً عن الخطّ الأصفر في أعلى الفنجان، وراغباً مرّةً أخرى، ولسبب مجهول، في أن يرتفع فوقه قليلاً. لقد كانا في هذا الفتات من الانشغالات التي يصنعانها يستغرقان وقتاً طويلاً كما لو أنّهما يبالغان في تنظيم صامت لما لا يستحقّ تنظيماً، أو يجهدان في إدراج فعلهما الصغير داخل الوقت والسياق كما اختاراه ليومهما ذاك.
وهما هكذا دوماً، ملأ حبّ الله والمسيح كلّ المساحة التي احتلّتها المشاعر الكبرى لديهما. فكان أبو منير أحياناً يقرأ بصوت عالٍ وخاشع صفحة من الإنجيل الذي أصابه عتق واضح هلهل دفّتيه، تنصت اليه منيرة وتتابعه بنظراتها محاولةً التمعّن في ما يقرأ، راسمةً بأصابعها، بين الفينة والفينة، شكل الصليب. وكان ذكر الجنّة يشيع شيئاً من الدفء الداخليّ فيهما، تماماً كما كان ذكر جهنّم يثير الخوف، وأحياناً يُدمع عيونهما.
ويبدو أن أفعال الله وحدها كانت الأفعال التي يكترثان لها. أما الله ذاته فكان وحده ثالثهما والرابط بينهما. وفضلاً عنه، لم يكن مطلوباً من القرابة أكثر من تزويجهما، على ما حصل أواخر الثلاثينات.
والقصّة لم تتعدّ الخبر الموجز الذي يفيد أن أبا منير، وكان يُعرف باسمه الأوّل يوسف، طلب يد ابنة عمّه منيرة. وكان طبيعيّاً جدّاً ألاّ يُردّ طلب ليوسف، وهو نجل منير، عمّ منيرة الراحل التي سُمّيت تيمّناً به. ثمّ إن يوسف، وكان عائداً لتوّه من "أميركا"، معروف بحسن سلوكه واتّقائه الله. وهو، في الأحوال جميعاً، لا يطلب أكثر من منيرة بعد سنتين على زواج أختها الكبرى أسمى التي زُفّت، هي أيضاً، الى قريب لها مهاجر في "أميركا". هكذا آن أوان زواجها.
والوالدان، عبد الله وزوجته، ليسا متمسّكين بمنيرة التي خشيا دوماً ألاّ يطلب أحد يدها. فطباعها، كما ظنّا، لا تؤهّلها للزواج، أما وجهها "المقلوب"، حسب وصف أبيها المتكرّر، فيزيد في إضعاف حظوظها. وأمّها كان لها، بدورها، ما تقوله في تفسير شكل ابنتها غير المَرضيّ عنه في القرية، والذي جعل البعض يتشاءم ويتطيّر عند مرورها من أمام ناظريه. فقد أنجبتها في يوم عاصف مرّت خلاله أسراب ضباع على مقربة من الوادي المجاور، ناشرةً في فضاء القرية روائح مهلكة كمثل روائح العفن القويّ. وإذ انتاب القريةَ يومذاك خوف الموت الداهم ينزل بأطفالها، طرأت ولادة طفل آخر هو منيرة. لذلك رُوي عن والدتها أنّها لا تمانع في زواج ابنتها من مارونيّ فلاّح لأنها لن تجد لنفسها أفضل منه، وذهب عبد الله خطوة أبعد فأبدى استعداده للموافقة على زواجها حتّى لو كان ذلك من مسلم يأتيهم من قرية مجاورة. (...)
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر