الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأحد 17 كانون أول 2017
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-12-02الكاتب:عقل العويطالمصدر:جريدة النهار اللبنانية  التالي »
 معرض الكتاب باعتباره صفعةً دماغيةً مدوّية للأمّية الثقافية والسياسية!
 زهرة مواهب وطموحات يتيمة فوق الركام الوطني المفجع في بيروت
عدد المشاهدة: 10
معرض بيروت الدولي للكتاب 61، نستقبله هذه السنة، ليس باعتباره معرضاً عادياً للكتب، واحتفالاً بالكتّاب، ولا بكونه يكرّم عصام محفوظ وبسّام حجار وشبلي الشميّل وآخرين فحسب، ولا لأنه يفتح الباب ليستقبل أجيالاً جديدة من الشعراء والروائيين والمجرِّبين والمختبِرين، بل خصوصاً باعتباره – أكثر من أيّ وقت مضى - زهرةً يتيمةً شبه وحيدة، فوق الركام الوطني المفجع، الذي يتشكل منه المشهد اللبناني، في الأخلاق والقيم والمعايير والقانون والحرية والديموقراطية والسياسة والاجتماع والاقتصاد. ترى، ألم يعد ثمة في بلادنا إلاّ الكتاب نلجأ إليه، لا هرباً، بل يقيناً بأن إعادة الاعتبار إلى المعنى الأول للبنان، لن تكون بتغيير الأقنعة للوجوه المقيتة، ولا بعمليات التجميل الوقحة للجسم السياسي، ولا بالانحياز إلى طرفٍ دون آخر، بل بتوجيه صفعة دماغية مدوّية للأمية الثقافية السياسية والأميين الثقافيين السياسيين؟! 

أعترف بأني كنتُ لا أعير معارض الكتب الاهتمام الذي تستحقه. ذلك كان في الغالب الأعمّ – ولا يزال - موقفاً يتصل بالمزاج الفكري والثقافي والأدبي، أكثر منه بالموقف النقدي. في قرارتي العميقة، أجد أن المعارض محض احتفالات ومناسبات للترويج واللقاء والنقاش والحوار وإثارة الأسئلة، يجب الإفادة منها، بأيّ ثمن. لكن هذه المعارض لا تعدو كونها لحظات عابرة لا يمكن التعويل عليها لترسيخ التراكم الثقافي، وتسييله في الخزّان الفردي والجمعي. فضلاً عن كونها لا تنطوي على معايير نقدية يُركَن إليها. إذ تستقبل الكتب بالكمّ، وبالتساوي، وتروّج أحياناً للغثّ منها، أياً تكن قيمة بعضها المتدنية، الأمر الذي ينعكس سلباً على مفهوم العرض بذاته، وعلى المسؤولية التي ينبغي لدور النشر أن تضطلع بها، لكنها تتنكر لها أحياناً، بنسبةٍ أو بأخرى، غير آبهة للمعيار وللقيمة، مؤثِرةً الهمّ التجاري على ما عداه، والكمية على النوعية.

يهمّني من المعرض، أيّ معرض، هاجسٌ أساسي، هو هاجس لبنان الثقافي. إلى أيّ حدّ، يمثّل هذا المعرض، أو ذاك، مدماكاً خلاّقاً في عمارة البنيان الثقافي اللبناني؟ هذا هو جوهر الموضوع عندي.

على هذا الأساس، لا أزال أعتبر أن المسألة الثقافية تتخطى المعارض. إنها قضية وجود، وامتحان مصير. في هذا المعنى، من المؤلم جداً ان يكون لبنان فقد الكثير من هذا الاحتياط "النقدي" – الثقافي، لأسبابٍ كثيرة، في مقدمها أن المعنيين بقيمة لبنان الثقافي، لبنان الشاعر، لبنان الثقافة السياسية، صار يتمّ اختيارهم وفقاً لأهواء ومصالح سياسية أو مذهبية، وليس انطلاقاً من استحقاقهم.

وزراء الثقافة، على سبيل المثل، نادراً ما يحظون بهذه الوزارة لأنهم أكفياء، أو لأنهم يحملون مشروعاً ثقافياً ينهض بلبنان، ويحصّنه، ويحميه، في غمرة الانهيارات القيمية التي تعصف بالمنطقة وبلبنان على السواء.

الجامعة الوطنية، مثلاً، هل هي حقاً جامعتنا الوطنية، ومختبر حياتنا الثقافية، ومأوى تطلعاتنا الفكرية والأدبية والنقدية والإنسانوية والعلمية؟ أم هي مستودعٌ بشري تنفيعي لواضعي اليد عليها من السياسيين وأهل المذاهب والطوائف؟

المكتبة الوطنية، مثلاً، هل اشتغل أحدهم على بلورة رؤية ثقافية لدورها، ولمعايير عملها، ولطاقمها البشري، أم أن الاكتفاء بتجهيز المبنى يُغني عن جوهر التحدّي الماثل في الدور، وفي كيفية الاستخدام، وشروط هذا الاستخدام؟

المنابر الثقافية في الجرائد والمجلات والمنتديات والمجالس، التي كانت امتيازاً لبنانياً رائداً في العالم العربي، تساقطت، أو ترهّلت، أو تيتّمت، أو رُكِنت في الظل، في الأروقة، في المستودعات، بسبب ما قيل عن أزمة عالمية. لكنْ خصوصاً، بسبب سياسة التيئيس والتفقير "الوطنية"، المتبعة بمنهجية وحشية لا مثيل لها. أيجب أن نشهّر بأحوالنا، وننكأ جروحنا أكثر، ونروي عطشنا بنزيفنا اليومي، في حين أن أولياء الأمر الوطني فينا، همّهم الأساسي أن ينتصر طرفٌ إقليميّ على طرفٍ آخر، وفريقٌ داخليّ على فريقٍ آخر، ومذهبٌ على مذهبٍ آخر، بما ينجم عن ذلك من مصالح مزدهرة هنا، ومصالح منهارة هناك؟!

كيف للبنان الثقافي أن لا يتدجّن، وكيف له ألاّ يُصاب بالرهاب والترهيب، حين يرى ما يتعرّض له أهل الثقافة والكتابة والإعلام والصحافة والتواصل الاجتماعي والرأي الحرّ، أكنا من مؤيدي مواقفهم أم لا؟

هل يحصل هذا كلّه بالمصادفة، أم هي الأمية الثقافية – السياسية تختطّ لنفسها منهجاً للقضاء على لبنان الثقافي هذا، وهو الهدف "الأسمى" المشترك، للكيان الصهيوني ولأنظمة الاستبداد والتنظيمات الإرهابية والتكفيرية على السواء؟!

أعود إلى همّ المعرض، في دورته الحالية، متخطياً كلّ التحفظات الشخصية على الشكل والمضمون. إنه اليوم بيتنا بامتياز، أياً تكن الشقوق الموجودة في جدرانه وسقفه. هذا البيت يجب أن ندعّم أركانه بورق الحبر، وكرامة الموقف، وكِبَر الترفّع، وضرورة التشهير بالأمية العميمة التي تنخر عظام الجمهورية وعظام القائمين عليها، في الميادين كافةً، لعلّ في ذلك ما يوعّي، ويوقظ، ويُقيم من موت.

أنحني رمزياً لمعرض الكتاب هذا. لأنه عزاء. ولأنه إبرة مورفين خلاصية، موصوفة بشكل جماعي، إلى كلّ الذين يُعنَون بلبنان الثقافي، المُلقى يتيماً وشريداً على أرصفة المصائر السياسية والوجودية الغامضة.

سلامي إليكَ يا معرض الكتاب، باعتباركَ صفعةً دماغيةً مدوّية للأمية الثقافية والسياسية، والأميين الثقافيين السياسيين! 
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر