الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأحد 17 كانون أول 2017
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-11-24الكاتب:المصدر:جريدة الحياة « السابق التالي »
 الدويهي بين صناعة الأبطال وصنعة التاريخ - عبدالرحيم أبو حسين
 
عدد المشاهدة: 18
يبقى أن نشير إلى معنيّ آخر، لم يكن له من الحفاوة والمجد، تاريخياً ما كان لفخر الدين الثاني إلا أنه لا يقل عنه أهمية. ذلك هو أحمد معن، حفيد أخ فخر الدين، وآخر زعيم معنيّ في جبال الشوف. تكمن أهميته في التاريخ اللبناني التقليدي في أنه جَسّرَ الفجوة بين السلالة المعنية، إذ كان آخر الذكور فيها، والسلالة الشهابية. والشهابيون أقرباؤه، أو ذريته من طريق الزواج.

ذلك أنه من دون الرابطة التي يؤمنها، لن تكون للحكم الشهابي في جبل لبنان شرعية وراثية. وطبقاً للتقليد التاريخي ذاته، زَعم أن أحمد معن هو الذي وضع حداً نهائياً لآل علم الدين وهم المنافسون السياسيون الأبرز للمعنيين، والذين جرى العرف التاريخي على اعتبارهم قادة الفرع اليمني من الدروز الذي كان يقابل الفرع القيسي الذين كان المعنيون، ومن بعدهم الشهابيون، القادة المتصورين له. فيما عدا ذلك، يظهر أحمد معن في التاريخ اللبناني التقليدي، كما في الكتابات المعاصرة، كشخصية باهتة لا يضر ولا ينفع، وقد حصل من العثمانيين على التزام الشوف وكسروان، واحتفظ به لمدة ثلاثين عاماً من دون انقطاع حتى وفاته في 1697. وهي فترة طويلة لسلام متخيل، لم تشهد أي حادثة جديرة بالذكر في ما يتعلق بعلاقة الأمير مع العثمانيين، أو علاقته مع جيرانه.

إلا أن الأبحاث اللاحقة المستندة إلى مواد الأرشيف العثمانية كشفت عن صورة مختلفة تماماً للرجل، فهو هنا يظهر على أنه شخص ماكر، بارع في الإفلات من المآزق، وقد حاول العثمانيون أن يلقوا القبض عليه ليقدموه إلى العدالة مراراً، ولكنهم فشلوا في ذلك. ويبدو أنه استغل انهماك العثمانيين في الحرب على الجبهة النمسوية من 1683 إلى 1699 ليقود تمرداً في مناطقه الدرزية، وليحرض على تمردات مماثلة في المناطق المجاورة.

وعلى عكس عم أبيه وسلفه فخر الدين الثاني الذي أسره العثمانيون، وساقوه مكبلاً إلى اسطنبول حيث نُفذ فيه حكم الإعدام، نجح أحمد معن في النجاة من الاعتقال، ومات، أخيراً، على فراشه. وبموته انقرضت السلالة المعنية وانتقلت القيادة عبر النساء إلى الأقرباء بالمصاهرة، آل شهاب في وادي التيم.

كان التاريخ التقليدي اللبناني يجهد لتبرير صراعات المعنيين مع الدولة عندما كان يضطر للإشارة إليها محاولاً أن يبرئهم من تهمة التمرد، وأن يصور التزامهم، الذي كان في معظم الأحيان ترتيباً موقتاً يخضع للتجديد سنوياً، على أنه منصب متوارث بل إمارة تستمد شرعيتها التاريخية من اعتراف مستمر وغير منقطع حصلت عليه من الدولة العثمانية، ومن الدول الإسلامية التي سبقتها.

لهذا اعتبر الدويهي، في القرن السابع عشر، وتبعه في الاعتقاد كل من الشهابي وشدياق في القرن التاسع عشر، أن الهجوم العثماني على الشوف عام 1585 كان نتيجة اتهامات كاذبة قدمت ضد الأمير المعني في ذلك الوقت، الذي كان في الحقيقة من الرعايا الأبرياء المخلصين. كان الدويهي، كما يبدو، أول من أتى بهذا التفسير الملفق عن الهجوم العثماني على الشوف. كانت مشكلته أنه لم يكن يستطيع تجاهل الهجوم على الشوف الذي نتج منه مقتل قرقماز معن والد بطله فخر الدين. ولا بد أن هذا الهجوم كان رداً على بعض أعمال العصيان التي سبق تفصيلها. إلا أن الدويهي، وهو الصديق الحميم للمعنيين، لا يستطيع الإقرار بذلك. ولذا كان الخيار الوحيد المتاح تفسير الحادثة بطريقة أخرى، وهذا ما فعله.

كذلك فإنه على رغم معرفة هؤلاء المؤرخين المصادرَ، واستخدامهم إياها، فإنهم يهملون أي إشارة للهجمات العثمانية ضد المعنيين، التي سبقت اجتياح عام 1585. بل إنهم يعيدون أسباب صدامات فخر الدين اللاحقة العديدة إلى العداء الذي يكنه بعض الولاة والقادة العثمانيين له، أو بسبب جشعهم، أو بسبب الخيانة ودسائس الغدر من الزعماء الحسودين في المناطق المجاورة. أما المؤرخون المحدثون الذين كتبوا من منطلق لبناني أو قومي عربي فلا يساورهم الشك، حيث يسمون أعمال فخر الدين انتفاضات لبنانية أو عربية ضد الاستبداد والطغيان العثمانيين.

في عصر القوميات الذي بدأ يؤثر في لبنان في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ربما كانت القومية اللبنانية مختلفة عن غيرها من الحركات القومية في أمكنة أخرى من العالم الثالث، ذلك أنها لم تكن مجرد بنيان فكري فقط. فقد تمتع لبنان بضمانة دولية لحكم ذاتي، وبمؤسسات وطنية للحكم منذ 1861. وحيث إن مزايا الحكم الذاتي أصبحت واضحة للعيان فإنه ليس من المستغرب أن العديد من اللبنانيين بدأوا ينشطون في الدعوة إلى الانفصال الكامل عن الإمبراطورية العثمانية. إلا أنه كان هناك أكثر من رأي حول ما يجب أن يحدث وأي كيان سياسي سينشأ بعد التحرر من السيطرة العثمانية. فقد كان هنالك القوميون العرب الذين عملوا من أجل بلاد الشام العربية، أو الدولة العربية الواحدة الكبرى التي تشمل لبنان. كما وجد من يدعو إلى بلاد الشام الفرنسية، أو جبل لبنان المسيحي، أو لبنان الكبير، الذي يرتبط بعلاقات مميزة مع فرنسا، الخ...

كانت الطائفة المارونية، من بين الطوائف اللبنانية العديدة في جبل لبنان، قد برزت في أعقاب الحرب الأهلية في منتصف القرن التاسع عشر كطائفة متفوقة في العديد من النواحي، وبقيت الكنيسة المارونية المؤسسة الوحيدة العاملة التي تمتلك تنظيماً محكماً. وهكذا، عندما هزمت الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، تمكن البطريرك الماروني الياس الحويك من قيادة الفريق المنادي بلبنان الكبير ذي العلاقات المميزة مع فرنسا. وكان مشروع لبنان الكبير هذا فكرة طرحها قبل ذلك المثقف الماروني بولس نُجَيم في بدايات القرن العشرين. ما يثير الاهتمام وما يتصل بالبحث الحالي من هذا الطرح ليس ما أورده نجيم من حجج اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية لتبرير هذا المشروع (فقد تم التعبير عنها بأشكال مختلفة من جانب آخرين) ولكن، بالأحرى، مطالعته التاريخية.
 
 
* أستاذ التاريخ العثماني في الجامعة الأميركية ببيروت
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر