الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الخميس 19 تشرين أول 2017
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-10-06الكاتب:المصدر:جريدة الحياة « السابق التالي »
 مدينة البندقيّة ومصالحها بين عالم المماليك وعالم العثمانيّين - عبدالرحيم أبو حسين
 
عدد المشاهدة: 13
هناك إشارات واضحة، على رغم قلتها، تشير إلى أنّ البنادقة هم الذين كانوا يزوّدون الدّروز بالسّلاح من قاعدتهم في قبرص، أو من مواقع أخرى. وهنالك أيضاً إشارات إلى مبادلات تجاريّة للبنادقة تمّت في موانئ عثمانيّة مختلفة وشرائهم مواد لا يسمح بتصديرها خارج حدود الإمبراطوريّة العثمانيّة. ولم يكن من المستحيل بالطّبع على الدّول التي تتعاطى التّجارة، بخاصّة البندقيّة، أن تلتفّ على القوانين العثمانيّة التي تمنع تصدير مواد معينة.

ومن المعلوم أنّ البندقيّة كانت الشّريك التجاريّ الرّئيس لكلّ من بلاد الشّام ومصر، وقد ازدادت أهميّة هذين البلدين لتجارة البندقيّة، خصوصاً في أعقاب الفتح العثمانيّ القسطنطينية عام 1453. كانت البندقيّة قد أصبحت عمليّاً تحتكر التّجارة مع هذين البلدين في نهاية القرن الخامس عشر. ومن المؤكّد أيضاً أنّ البنادقة كانوا يستوردون، إضافة إلى التّوابل، كميات كبيرة من القطن السّوري وذلك على رغم السّياسة العثمانيّة التي كانت تمنع تصدير القطن وتعتبر ذلك أمراً غير مشروع.

كتب أشتور، وهو من أهمّ مؤرخي تجارة البندقيّة:

«كانت صادرات القطن من بلاد الشّام غاية في الأهميّة لتجارة البنادقة، حيث مكّنتهم من الاستمرار في نشاطاتهم التجاريّة في الشّرق الأدنى في الفترة التي تلت اكتشاف الطّريق البحريّة المباشرة إلى الهند، حين أصبحت أسعار التّوابل في أسواق الشّرق الأدنى مرتفعة إلى الحد الذي أصبح معه تصديرها إلى أوروبا لا يدرّ أرباحاً مجزية».

كذلك كان القمح المادّة الثّانية ذات الأهميّة القصوى للبنادقة – وأهميّته لديهم أعظم من أهميته لدى أيّ بلد تجاريّ آخر– الذي يحتاجون إلى استيراده من بلاد الشّام، أو من أيّ مكان آخر لطعامهم. ذلك أنّ «البنادقة لا يزرعون ولا يحصدون»، وقد اعتمدوا إلى درجة كبيرة على «استيراد القمح من مصادر عبر البحار التي كانت تصل إليها سفنهم».

اكتسبت بلاد الشّام ومصر أهميّة تجاريّة كبيرة بالنّسبة إلى البندقيّة بعد الفتح العثمانيّ القسطنطينية، وتوسعهم في مناطق روميليا وبحر إيجه والبحر الأسود. هذا التّوسّع العثمانيّ مثّل تهديداً شديد الخطر على المصالح التجاريّة للبندقيّة، على رغم الاتفاقيات الموقّعة بين الدّولة العثمانيّة وبينها، الأمر الذي اضطرّ البندقيّة إلى التّحالف مع إمارة قرمان التّركية عام 1454. إلّا أنّ هذا التّحالف لم يكن ذا جدوى في الحرب التي نشبت عام 1463 بين البنادقة والعثمانيّين.

بعد ذلك بوقت قصير، دخلت البندقيّة في تحالف جديد مع أمير تركمانيّ آخر هو أوزون حسن، قائد الـ أك كويونلو، حيث دخلا في حلف يشتمل على التزامات متبادلة في حالتي الحرب والسّلم. وقد زوّدته البندقيّة بالأسلحة، وأخذت على عاتقها أن تطالب له بالأناضول كاملاً إذا انتصرت في الحرب. وقد دفع اليأس بالبنادقة إلى التّفكير جدّياً بدعم أوزون حسن ليشنّ حربه على الأراضي العثمانيّة من بلاد الشّام وكانوا بذلك يخاطرون بفقدان موقعهم المميّز لدى السّلطنة المملوكيّة، وبلغ الأمر بهم إلى إرسال الرّجال والسّلاح إلى أوزون حسن لدعمه في الحرب المتوقّعة.

كان الفتح العثمانيّ بلادَ الشّام ومصر في 1516 - 1517، منذ اللحظة الأوّلى لوقوعه، كارثة على مصالح البنادقة التجاريّة، فقد حرمهم من أحد مصادر الإمداد أو الاستيراد الأساسيّة ومن أحد أسواقهم المهمّة كذلك. ومن المهم أن نتذكّر أيضاً أنّ الخسارة نتيجة ذلك لا بدّ أنّها لحقت كذلك بشركائهم التجاريّين المحليين في بلاد الشّام. في الفترة التّالية، استمرّت العلاقات العثمانيّة مع البندقيّة في التّأرجح بين معاهدات السّلام والحرب حتى فقدت البندقيّة كلّ قواعدها الخارجيّة في المشرق. لكنّها كانت قد فقدت، قبل ذلك، موقعها كشريك تجاريّ أوّل مع تجّار المناطق التي يحكمها العثمانيّون، ذلك أنّ بلداناً أوروبية أخرى دخلت في أشكال مختلفة من التّرتيبات مع الدّولة العثمانيّة، حفاظاً على مصالحها التجاريّة.

حين نأخذ في الاعتبار مجمل هذه الأمور الآنفة الذّكر، تتّضح لنا دلالة الإشارات الواردة في وثائق دفتر الأمور المهمّة. فالإشارة إلى جزيرة قبرص كمصدر لتسليح الدّروز تشير بوضوح إلى البندقيّة التي سيطرت على الجزيرة حتى عام 1570. وتكتمل الصّورة بكشف هذه الوثائق أنّ تجاراً دمشقيين كانوا يشتركون في استيراد هذه الأسلحة النّارية التي كانوا يبيعونها للدّروز بينما يقومون ببيع القمح للفرنجة. وهذه العمليات التّجاريّة تشير بوضوح إلى استمرار النّشاط التجاريّ للبندقيّة في بلاد الشّام، وهو نشاط ينتهك القوانين العثمانيّة بطريقتين أساسيتين على الأقل. ذلك أنّه، كما ذكر أعلاه، فإنّ استيراد السّلاح إلى بلاد الشّام، أو أيّ مناطق عثمانيّة أخرى، كان ممنوعاً، كما كان تصدير القمح والمواد الأخرى، بخاصّة القطن، من الإمبراطوريّة ممنوعاً كذلك.

علاوة على ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار أنّ البنادقة والعثمانيّين خاضوا حروباً عدة في ما بينهم، يمكننا أن نفهم محاولات البندقيّة لزعزعة السّلطة العثمانيّة في بلاد الشّام في سياق هذا الصّراع. بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك وربط هجوم عام 1520 على ميناء بيروت بمحاولة البندقيّة اليائسة للسّيطرة على أحد الموانئ الأكثر حيويّة لتجارتهم مع بلاد الشّام. لذا، لا بدّ أن يكون تزويد الدّروز بالأسلحة قد خدم أهدافاً عدة متنوعة للبندقيّة: تجاريّة وسياسيّة ودينيّة.

لطالما كان الزّعماء الدّروز، والطّائفة عموماً، الشّركاء المحليين للبنادقة في هذه التّجارة المربحة. لذا، فليس من المستغرب أن يشترك البحتريون والمعنيون في تمرّد 1518 ضدّ العثمانيّين. هذا التّمرّد (كما تمت الإشارة سابقاً) هو الذي يعتقد أنّه كان محاولة لإعادة سلطة المماليك التي تمتع في ظلها البنادقة، عمليّاً، باحتكار التّجارة مع بلاد الشّام.

إضافة إلى ذلك، فإنّ النّظرة إلى الدّروز كطائفة إسلاميّة مهرطقة شجبها علماء السّنّة باستمرار، لا بدّ أن تكون قد ولّدت لديهم الشّعور بالغربة وانعدام الأمان، ما جعلهم ميالين إلى التمرّد ضدّ العثمانيّين كلّما سنحت الفرصة لذلك. علاوة على تلك النّظرة إلى الدّروز على أنّهم هراطقة، هناك الاعتقاد الأوروبيّ الخاطئ، لكن الشّائع حينذاك، بأنّهم يتحدّرون من سلالة صليبية جعل البنادقة يرون فيهم الحلفاء المثاليين لهم في بلاد الشّام. وإضافة إلى كلّ هذا، تجدر الإشارة إلى أنّ خسائر الدّروز الاقتصاديّة التي نتجت من القيود العثمانيّة على استيراد وتصدير موادّ معيّنة لا بدّ أن تكون قد تركت أثراً سيئاً للغاية عليهم، ما ولّد لديهم الرّغبة والاستعداد للتواطؤ مع البنادقة، ليس في مجال تهريب المواد الممنوعة واستيرادها فحسب، بل في أن يكونوا جزءاً من الحرب السّريّة، وأحياناً الحرب العلنيّة التي كان البنادقة يخوضونها ضدّ العثمانيّين. ولا بدّ أنّ الطّبيعة القبليّة لمجتمع الدّروز وتماسكهم، ووعورة مواطنهم الجبليّة، والسّلاح الذي كان متاحاً لهم الحصول عليه بسهولة، كانت عناصر أساسيّة في إطالة أمد تمرّدهم.

 
* أستاذ التاريخ العثمانيّ في الجامعة الأميركيّة ببيروت
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر