الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الثلثاء 16 كانون ثاني 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-06-20الكاتب:صلاح ابو جودة اليسوعيالمصدر:جريدة النهار اللبنانية « السابق التالي »
  الملف:انتخابات لبنان
 الطائفية الانتخابية تُفقِد الدولةَ وسطيّتَها
 
عدد المشاهدة: 118
لم يتوقع أحد قانونَ انتخاب جديد يقوم على اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة تُطبّق فيها النسبية على نحوٍ يُنتج تمثيلاً شعبيًا جديدًا، ويمهد الطريق لتطوير النظام. فالجميع يعلم أن التركيبة اللبنانية الطائفية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بزعامات إقطاعية استئثارية جعلت نفسها ضمانةً لديمومة طوائفها، لا تسمح بتوقع سنّ قوانين حديثة تسير بالبلاد نحو الديموقراطية القائمة على المواطنية وما تفترضه من برامج متكاملة تتنافس على خدمة المواطنين والخير العام. والملاحظ أن القانون الجديد، شأن سائر القوانين التي ينتجها الممسكون بالتركيبة اللبنانية وتتماشى مع فلسفة الدستور نفسه، له وجهان: أول سلبي بارز وثانٍ إيجابي متحفظ. أما السلبي فهو مراعاته مصالح الزعامات وتوازناتها؛ فالدوائر المعتمدة ستُنتج المجلس الراهن بنسبة كبيرة جدًّا إن لم يكن هو نفسه بالكامل، إذ إمكانية إنتاج قيادات جديدة مستقلة تبدو شبه معدومة. وأما الإيجابي فيتمثّل بتطور مهم في ما خص المساواة بين المواطنين والمرشحين. 

إنّ الإبقاء في القوانين عمومًا على نافذة تفتح على إمكانية تطوّر ليس عفويًا. فالخطاب السياسي التقليدي المتأثر بفلسفة الدستور والموسوم بالوسطية والمفضَّل منذ الاستقلال إلى ما بعد الطائف، يُظهر أن الممسكين بصناعة القرار المحلي جزئيًا (حتى لا ننسى العامل الخارجي)، وإن كانوا يميلون إلى خدمة مصالحهم، قد أظهروا في الغالب حرصًا على تحاشي التطرف في الخطاب الطائفي، ليس بسبب نتائجه الوخيمة على البلاد فحسب، بل لأن المجتمع المدني نفسه بات يمقت هذا الخطاب الذي لا يجد سبيلاً إلى التحرر منه. لذا، كان الحرص على إبقاء بارقة أمل لمستقبل ديموقراطي في القوانين كافة، كما هو الحال في نصوص الدستور.

غير أن بعض القيادات السياسية، والمسيحية تحديدًا، تنتهج منذ فترة غير قصيرة خطابًا طائفيًا يخرج عن الوسطية، ويذهب في اتجاهٍ غير سليم بعناوين مختلفة منها استعادة الحقوق، وصحة التمثيل، بل وضمانة الوجود المسيحي في الشرق كله. وتزداد خطورة هذا الخطاب عشية الانتخابات، إذ قد تصبح هذه مناسبة لفرز طائفي حادّ يغلق نهائيًا كل إمكانية تحوّل ديموقراطي، ويُهمِّش عناوين الإنماء المتوازن والعدالة الاجتماعية والحريات التي تهم اللبنانيين جميعًا، ويزيد من إضعاف مؤسسات الدولة.

وفي الواقع، يجب التنبّه الشديد، أولاً، إلى نتائج تفاقم الخطاب الطائفي الوخيمة على مستوى مؤسسات الدولة. فهذا الخطاب يندمج في ممارسة السلطات الشرعية ويوقف نمو الفسحة العامة المشتركة، إذ يحول المسائل التنموية والتربوية والسياسية والاقتصادية كافة إلى مسائل طائفية، ويُسهم في تآكل عمل القضاء، ويعزز من فرص ازدياد فساد الطبقة السياسية والإدارات العامة، ويؤثّر سلبًا في عمل الأجهزة الأمنية. فضلاً عن ذلك، يشجع هذا الخطاب على قيام تفاهمات مُكرِهة للحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الدولة، من خلال آليات الزعامات الخاصة، أي ليس بواسطة آليات المؤسسات الدستورية، وستُفرَض تلك التفاهمات بصفتها أمرًا واقعًا يكتسب صفة شرعية، في حين أنها عمليًا تمنع قيام الدولة بل وتهدمها.

وثانيًا، سينعكس الخطاب الطائفي المتفاقم سلبًا على المواطنين الذين سيعتادون أكثر فأكثر على العيش في حالة لا معيارية، ذلك أن المعايير الإلزامية والقادرة على تنظيم مجتمعهم وخلق شعور وطني مشترك بينهم شبه مغيبة. فإذا كانت الفسحات المشتركة بين اللبنانيين تضيق جدًّا وبسرعة، فاللبنانيون سيجدون أنفسهم مكرهين إلى الإعراض عن وساطة مؤسسات الدولة للحفاظ على حقوقهم وتحسين حياتهم، لصالح اللجوء إلى زعاماتهم الطائفية. إن المواطن، ويا للأسف، يفقد استقلاليته بسبب الخطاب الطائفي، إذ يجب عليه التكيف معه.

في ظل الخطاب الوسطي، يختبر المواطن أن مؤسسات الدولة حاضرة وهي ملاذ له، وأن ثمة فسحات كثيرة تسمح له بالتلاقي مع باقي المواطنين من مختلف الطوائف، وتبقى فرص تطوير ثقافة ديموقراطية في نظره ممكنة. أما في ظل تفاقم الخطاب الطائفي فإنه يدخل حالة عبودية مباشرة فعلية وكاملة لزعامته، فخضوعه لها ليس نفسيًا فحسب، بل معيشي أو وجودي بكل أبعاده.

يحوِّل الخطاب الطائفي المتفاقم ذهنيات اللبنانيين تدريجيًا من الوسطية التي ينتجها الدستور بديهيًا، إلى التطرف وما يستتبعه من ازدياد الخوف من الآخر والشك فيه. لقد أنتج الدستور ثقافة "العيش معًا" وحافظ على تركيبة طائفية لم يسلّم بديمومتها، بل فتح آفاقًا تؤدي إلى تجاوزها. ولهذا السبب، تترك الوسطية للبنانيين إمكانية تنمية شعور بمساواتهم ومشاركتهم في قيم كثيرة وشؤون عامة متعددة، بمعزل عن انتماءاتهم الطائفية، وليس هذا الكلام مجرد بلاغة مجردة، بل له تجلياته الملموسة. ولكن الخطاب الطائفي المتفاقم يسلك الطريق المعاكس. فإن القضاء على الوسطية يعني القضاء على كل أمل بتقوية وعي وطني مشترك، وعلى تفضيل الشؤون المشتركة بين جميع اللبنانيين، وبالتالي القضاء على كل أمل بمستقبل ديموقراطي.

وأخيرًا، إذا كان ثمة مخاوف حقيقية على المسيحيين في لبنان (وفي الشرق)، فهل مواجهتها تكون عن طريق اعتماد خطاب طائفي متطرف؟ هل المساهمة في إضعاف الدولة ومؤسساتها، وتعميم الطائفية على نحو يُلغي الفسحات الوطنية المشتركة، والحدّ من فرص التطور الديموقراطي، تبدّد تلك المخاوف؟

إن ما يحتاج أصحاب هذا الخطاب إليه، في الواقع، هو التمييز بين الانتماء الطائفي ومتطلبات الإيمان. ولعل هذا يُطلب أيضًا من سائر السياسيين من باقي الطوائف. فالانتماء الطائفي المشبع بخبرات تاريخية تولّد عصبيات تختلط في البنى الاجتماعية بل وحتى في الطقوس الدينية، وتوظيفات للدين متعددة الوجوه، يطغى على مضمون الإيمان بل وحتى يُعطي شهادة عكسية له. فإذا عدنا إلى تعاليم الكنيسة الكاثوليكية، على سبيل المثال، نجد أنها تشدد كثيرًا على الديموقراطية وقيمها، وضرورة الدفاع عن وحدة المجتمعات وإيلاء السلام فيها أهمية قصوى، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان القادرة على تجاوز العوائق الثقافية أو الدينية أو العرقية التي تضعف الوحدة الوطنية، وتعزز الشعور بالتضامن الإنساني أو وحدة العائلة البشرية. أليس تحويل هذه الأسس إلى خطاب وطني لا رياء فيه ولا مناورة، يخدم المسيحيين الذين لا تنفصل خدمتهم عن خدمة كل إنسان أيًا كان دينه؟

ليس هدف هذه المقالة تناول مسألة الفائدة من المشاركة في انتخابات حَسَمَ قانونُها النتائجَ مسبقًا بنسبة كبيرة جدًا، ولا سبلَ المشاركة فيها على نحو يُقوّي الوعي الوطني الجامع، مثل المشاركة بورقة بيضاء، بل التحذير من عواقب الخطاب الطائفي المحتدم والمستشري الذي سبق إخراج القانون الجديد ويواكبه.

 أستاذ في جامعة القديس يوسف 
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر