الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
السبت 19 اب 2017
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-06-16الكاتب:يوسف بشارةالمصدر:جريدة النهار اللبنانية « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 شهادتي في سمير فرنجية - المطران يوسف بشارة
 
عدد المشاهدة: 62
كلمتي هي بمثابة شهادة في سمير أستمدّها من خبرة وصداقة وعمل مشترك إستمر أكثر من ربع قرن، حتى تتحوّل الذكرى الحزينة الى ذكرى مغمورة بالرجاء النابع من المسيح الحيّ الذي نعلنه في القدّاس: "نذكر موتك يا رب ونعترف بقيامتك وننتظر مجيئك".
وما يدفعني الى الرجاء ثلاثة جوانب في حياة سمير.

1- سمير المثقف المدافع عن الحق والقيم.

2- سمير المناضل السياسي الوطني.

3- سمير المؤمن.

أولاً: سمير المثقف المدافع عن الحق والقيم.

لم يلج سمير الثفافة من بابها الضيّق الذي يمكّن المرء من الحصول على الشهادات العليا ليحتلّ مركزاً إجتماعياً مرموقاً يوفر له ولعائلته عيشاً كريماً. وهذا أمر مشروع؛ إنما تخطّاه سمير ليواكب الثقافة من بابها العريض بحثاً عن الحقيقة وإبرازها والتمسك بها والدفاع عن القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة. وكم من مرّة سمعناه يردّد: إن أزمتنا اللبنانيّة والعربيّة هي أزمة قيم تخلّينا عنها في سبيل مكاسب آنية على أكثر من صعيد.

وكيف لا تكون هذه آفاقه وهو القارئ النهم الذي لا يفوته كتاب قيّم جديد إلاّ ويكون قد اطّلع على مضمونه وتصفّحه واحتفظ به ليقرأه؛ ولم يكتفِ بالجديد، بل غاص في مؤلفات مفكرين مشهورين منهم القس مارتن لوثر كينغ المناضل الكبير في سبيل تحرير السود في أميركا من التمييز العنصري؛ ولا سيما كتابه "قوّة الحب" الذي يدعو فيه الى نبذ العنف وتبني الوسائل السلميّة لنيل الحرية والحقوق إنطلاقاً من تعاليم السيد المسيح. وعندما سُئِلَ سمير عن شعاره في الحياة، أجاب بقول لمارتن لوثر كينغ: "علينا أن نتعلّم أن نعيش معاً كأخوة، وإلاّ سنموت جميعنا معاً كمعتوهين". (L'Orient littéraire du 04/05/2017)

ولم يكتفِ سمير بثقافة شخصيّة تُشبع نهم الإنسان الفكري، بل جنّدها في سبيل الخير والحق والكرامة الإنسانيّة. وما بخل يوماً عندما كنّا نطلب إليه أن يُعدّ نصّاً وطنيّاً أو سياسيّاً للمناقشة، إلاّ وهيأه بدقة واجتهاد، حتى في أصعب ظروفه الصحيّة. وهذا دليل على عمق ثقافته وتجييرها لما فيه إفادة للآخرين، وعلى ثقة "المتعاونين معه" بصحة تفكيره وعمقه، مع إستعداده لتقبل أي تعديل مصيب، مع أن الكثيرين يرتاحون الى أفكاره وآرائه. إن تراث سمير الثقافي واسع لا بدّ من جمعه ونشره لما فيه من نموذج فكري سياسي يفيد منه الكثيرون من الأجيال الطالعة إغتناءً منه واقتداءً به، لأن شغله الشاغل كانت المطالعة والكتابة.

 ثانياً: سمير المناضل السياسي الوطني.

لم يسِر سمير في خط سياسي مألوف، مع أنه وريث بيت سياسي مميّز. بل آثر اتّباع الشأن السياسي بمعناه النبيل أي الخير العام، لا ممارسة السياسة كما ينتهجها كثيرون حبّاً لزعامة شعبيّة مبنيّة على دغدغة عواطف الناس واستغلالهم، أو كسباً لمراكز رسميّة لإفادة ماديّة له وللمناصرين والأتباع.

كان مناضلاً سياسياً وطنياً نبذ العنف والحرب وعمل للسلام؛ آلمه التباعد والإنفصال والإنقسامات بين اللبنانيين، فجنّد طاقاته وصداقاته لتقريب المتخاصمين وإطلاق ورش التحاور وبناء الجسور وجمع الطاقات الفكريّة الوطنيّة.

دافع بقوّة عمّا يميّز لبنان بعيشه المشترك بين المسيحيين والمسلمين الذين رأى فيه حلاًّ عمليّاً ونموذجاً مثالياً للبلدان المتعدّدة الإنتماءات الدينيّة والعنصريّة والثقافيّة. بل ذهب الى أبعد من ذلك، الى تبنّي سياسة متوسطيّة تجمع البلدان المحيطة بالبحر المتوسط ناقشها شخصياً مع رئيس فرنسا السابق في زيارته الأخيرة الى لبنان. وإزاء التطرف، نادى بالإعتدال لأنه هو الحلّ للأزمات.

وخبرنا حسّه الوطني وبُعد نظره يوم أسّسنا معاً في التسعينيات مجموعة للتفكير السياسي الوطني كان سمير لولبها. وأطلقت مبادرتين: الاولى ضمّت حوالي 30 مفكراً مسيحياً ومسلماً وأصدرت سنة 1999 بياناً حول "تجديد معنى لبنان" وضع سمير مسوّدته الاولى ونُشر في الصحف ونال إستحسان الكثيرين. والثانية إطلاق لقاء قرنة شهوان عقب نداء المطارنة الموارنة في أيلول سنة 2000 المطالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان. وكان سمير ونخبة من المفكرين يعدّون اللقاءات التي دامت أربع سنوات، بالرغم من كل المضايقات والتهديدات والتصفيات الجسديّة لبعض من أهم مناضليه. ولم يكن هدف اللقاء طائفياً؛ إنما كان يتناول أيضاً القضايا الوطنيّة من كل جوانبها والقضايا الإقليميّة.

واتّصف نشاط سمير السياسي بالنضال الوطني المستمر يكتب ويجوب البلاد كلّها بلقاءات متنوعة فارضاً إحترامه ليس فقط بآرائه السديدة بل بنزاهته ونظافة كفّه وحريّته وإخلاصه وصدقه وترفّعه وبساطة حياته الشخصيّة والعائليّة. وهذا ما أكسبه صداقات متنوعة أكبرت فيه نمطاً سياسياً نبيلاً يدافع عن الخير العام لصالح جميع اللبنانيين. لم يعش سمير في برجه العاجي أنانياً يراقب الأحداث من بعيد أو يهاجر هرباً من الواقع المأزوم بل اهتمّ بهموم المواطنين ومستقبلهم في بلد حرّ سيّد مستقلّ. لم يفقد الأمل بغدٍ أفضل إن خلصت النيّات وترفَّع المسؤولون عن منافعهم الخاصة وعملوا لخير الوطن والمواطنين.

 ثالثاً: سمير المؤمن.

لقد نُعت سمير "بالبيك الأحمر" لإنخراطه في اليسار في مطلع حياته الاجتماعيّة السياسيّة. ولكنّه لم يتبنَّ تطرف اليسار الذي يتنكّر للدين ويعتنق الإلحاد. إنما تبنّى ما بان له منه من إيجابيّات تتعلّق بالدفاع عن حقوق المظلومين والعدالة الاجتماعيّة والكرامة الانسانيّة وحقوق العمّال والنساء والأولاد الذين كان يستغلّهم أرباب العمل. هذه القيم، وغيرها الكثير، هي من صلب تعليم الكنيسة الاجتماعي الذي انطلق منذ أواخر القرن التاسع عشر وطوّره البابوات حتى اليوم.

وبرز سمير المؤمن الذي اهتمّ بالوثائق الكنسيّة وتمحيصها وتبنّي جوهرها بدءاً من الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان" للبابا القديس يوحنا بولس الثاني، وصولاً الى رسائل بطاركة الشرق الكاثوليك وبالأخصّ الرسالتين: "الحضور المسيحي في الشرق شهادة ورسالة" (1992)؛ و"معاً أمام الله، في سبيل الإنسان والمجتمع. العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين في العالم العربي" (1994).

ولقد ساهم سمير المؤمن في بعض نصوص المجمع البطريركي الماروني وخاصة النصّ التاسع عشر الذي يحمل عنوان "الكنيسة المارونيّة والسياسة".

علاوة على ذلك، كان سمير المؤمن على تواصل دائم مع غبطة البطريرك صفير مستشهداً بأقواله ومواقفه ومنسقاً معه مصالحة الجبل، ومطمئناً الى رعايته لقاء قرنة شهوان. ورست العلاقة بينهما على ثقة واحترام متبادلين ثابتين.

إنما لم يكن سمير المؤمن متقوقعاً في الإطار الطائفي، بل كان يتبنّى في كتاباته كثيراً من آراء رؤساء الطوائف الأخرى. وكان دائماً يشدّد على دور المسيحيين وانفتاحهم ونبذ الإنغلاق على ذواتهم.

وبرز وجه سمير المؤمن في نضاله الطويل مع المرض الذي لم ينل من عزيمته ومعنوياته المرتفعة ونباهته الفكريّة. وفي السنوات الأخيرة كان بعض الأوفياء يلتقونه دورياً ويستنيرون بآرائه. وعندما أقعده المرض كان يختلي بربّه ويصلّي واقتبل بوعي وإيمان سرّ مسحة المرضى إقتناعاً منه بقول بولس الرسول: "اذا هُدم بيتنا الأرضي أي جسدنا الذي هو أشبه بالخيمة، فلنا مسكن من الله، بيت لم تصنعه الأيدي، أبدي في السماوات..." (2 كور 5/1).

وينطبق على سمير المؤمن ما ورد في رسالة مار بولس التي تُليت علينا: "إفعلوا كلّ شيء بغير تذمر وجدال لكي تصيروا بسطاء، لا لوم عليكم، وأبناءً لله لا عيب فيكم وسط جيل معوّج ومنحرف تضيئون فيه كالنيّرات في العالم" (فيل 2/14-15).

تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر