الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الاثنين 18 حزيران 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-05-04الكاتب:طلال خوجةالمصدر:جريدة الحياة « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 سمير فرنجية داعية الحوار في مواجهة العنف - طلال خوجة
 
عدد المشاهدة: 209
لا يختلف اثنان في لبنان على استثنائية شخصية الراحل سمير فرنجية، ذلك أنه أمضى حياته ملاحقاً أفكاره التي لخصت حلم جيل تكوَّن بمعظمه من الشرائح الدنيا للطبقة المتوسطة المتعاظم دورها في ستينات القرن الماضي مع التحديث الشهابي، والمتمدد أيضاً ليضم شرائح متنورة من بقية الفئات، وقد شكلت هزيمة 1967 محفزاً رئيسياً لانضمام هذه الشرائح التي تابعت تعليمها في الجامعتين الأميركية واليسوعية.

وإذا كان تأثير الجامعة الأميركية قد ارتبط بنمط التعليم الأميركي الليبرالي وبالأفكار العروبية والنهضوية التي حملتها الإنتلجنسيا الفلسطينية واللبنانية، فإن الجامعة اليسوعية شكلت معقلاً للبورجوازية اللبنانية التي غلب عليها انتماء طائفي معين، لذا احتضنت عدداً من المنظرين اللبنانيين الذين حملوا همّ الكيان اللبناني بتركيبته المعقدة والتي أبدع كمال الصليبي بوصف تكونها التاريخي في كتابه «بيت بمنازل كثيرة».

من الجامعة والطبقة السياسية التي خرجت ميشال شيحا منظّراً للاستقلال الذي أرسى دعائم النظام السياسي اللبناني، ستتكون مجموعة طالبية ثورية وستتعزز بعد الانتفاضة الطالبية الفرنسية في أيار (مايو) 1968 التي أحدثت زلزالاً طاولت ارتداداته أنحاء المعمورة، وسيتزعم هذه المجموعة طالب فلسفة من صميم الطبقة السياسية التي صنعت الاستقلال الأول يدعى سمير فرنجية، وسيقودها للفوز برابطة طلاب كلية الآداب الفرنسية (معقل اليمين المسيحي آنذاك)، وسيعود فرنجية بعد عقود، وإثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري المدوي، إلى إطلاق ثورة الأرز والاستقلال الثاني بندائه الشهير من بيت وليد جنبلاط في ١٦ شباط (فبراير) ٢٠٠٥ والتي أدت بالمحصلة إلى انتفاضة 14 آذار التاريخية، مهيئة لخروج القوات السورية، ومشكّلة لحظة لبنانية استثنائية جامعة ستظل تلعب الدور الرئيس في حركة الرحل على رغم كل الأحداث والكوارث والانقسامات المذهبية والفئوية، والمعاناة من المرض الذي أصابه في سن مبكرة وأدى لاحقاً إلى وفاته.

لم تمر تلك العقود الطويلة على سمير فرنجية بهدوء وسلاسة، وإن لازمته ابتسامة دائمة لطالما غالبت مظاهر القلق على مصير الوطن الصغير والمنطقة العربية التي اعتبرها المجال الأرحب للتواصل العروبي الديموقراطي والطوعي القائم على الحوار والانفتاح واحترام الآخر، كياناً وجماعة وأفراداً. وقد امتاز تاريخه النضالي عن أترابه بنكهة خاصة نتجت عن خلطة نادرة أكسبته لقب «البيك الأحمر». فقد شارك في تأسيس جبهة القوى الطالبية اليسارية، التي ضمت خليطاً من طلاب الجامعات اللبنانية، ثم عمل فترةً مع شيوعيي نخلة مطران قبل أن ينضم إلى منظمة العمل الشيوعي في لبنان المتشكلة في أول السبعينات من روافد ماركسية وقومية ويسارية متعددة، ناشطاً في خلية المثقفين في بيروت وزغرتا وغيرها من مناطق شمال لبنان، التي ثابر على حبها على رغم ذهابه المبكر إلى بيروت ومواكبته الحياة المدينية الهادرة بشتى الموجات التحديثية، علماً أن فرنجية شارك في بعض التظاهرات الكبيرة التي شكلت مفاصل رئيسية في تاريخ البلد، ومنها تظاهرة ٢٣ نيسان (أبريل) 1969 والتي سقط فيها قتلى وجرحى وأدت إلى أزمة سياسية كبيرة.

لم يكن سمير فرنجية الوحيد الذي «خان طبقته» كما كان يحلو لبعض «غلابة المنظمة» أن يقول تحبباً عن يساريي الأميركية واليسوعية، كما شاعت مزحة أخرى في بعض الأوساط المنزعجة من صعود نجم المنظمة، وهي أنها تضم ثلاثي حكم الظل سمير فرنجية ونصير الأسعد ونواف سلام، علماً أن البيك الأحمر أعار سيارته المسجلة باسم والده حميد مراراً للمنظمة والحركة الوطنية، أما البيك الأسعدي فقد أوصلته حماسته اليسارية إلى الطرد من الجامعة اليسوعية، ولم يقصر نواف بالتنظير ضد الإقطاع السياسي الذي كان عمه صائب بك أحد أهم رموزه السنية، وقد لعب فرنجية دوراً رئيسيا في العمل الإعلامي الثوري وفي المساهمة بصياغة البرنامج المرحلي للحركة الوطنية والذي أسس لفكرة الإصلاح السياسي في لبنان، علما أن علاقة جيدة ربطته مع كمال جنبلاط ومحسن إبراهيم.

كان لقساوة حرب السنتين الأهلية وعنفها وكثرة اللاعبين والمتلاعبين بها تأثير كبير في مقاربات سمير، وإن لم تغير في عمقه الإنساني والفكري، كما ساهم اغتيال كمال جنبلاط ومجزرة إهدن والحروب الأخرى بذلك، فبات يرى أن العنف أصبح عبثياً، خصوصاً حين انتقل إلى داخل كل مذهب وأصبح وكأنه استعراض فظ لفائض القوة، فضلاً عن أنه وسيلة تلاعب قذرة من الكبار وبعض الصغار، واستنتج الحاجة إلى نقيض العنف، أي الحوار، وأن الحوار بين طرفين هو ابتداع وسائل اكتشاف المساحات المشتركة بين المتحاورين مهما كانت خلافاتهم، إذ إن العزل والإقصاء سيؤديان إلى مزيد من العنف، وقد قادته هده الأفكار إلى تشكيل حلقات ومجموعات حوار أنتجت أوراقاً مهمة وفتحت الطريق نحو التواصل مع الطرف الآخر المؤبلس، وسرعان ما استقطبت هده الحركة نخباً كثيرة من شتى الضفاف، حتى أنه افتتح مكتباً في طرابلس التي كانت له فيها تجارب صحافية وتوثيقية فريدة في ثمانينات القرن الماضي وانعقدت في المكتب حلقات حوارية مهمة بمشاركة نخب.

يقول فرنجية في كتابه «رحلة إلى أقاصي العنف»: لم أكن أدرك في حينه البعد الخاص للعنف، إذ لم أنظر إليه إلا في غايته السياسية وكونه أداة في خدمة مشروع كبير، ومع ذلك كان ينتابني شعور غامض بأننا جميعاً لعبنا دور السحرة الصغار، وقد بتنا عاجزين عن السيطرة على العنف الذي ساهمنا بإطلاقه بشكل من الأشكال، وصار مطلوباً الآن الحد من الخسائر، كيف؟ بالتحاور مع الخصم».

في إحدى التظاهرات الطرابلسية التي خرجت إثر اغتيال معروف سعد وإطلاق الرصاص على المتظاهرين، قال لي أحد الرفاق بعد أن ظهر بعض مظاهر التسلّح، «انتهى تنظيركم وبدأ الفعل الثوري المسلح»، حتى أنّ محسن إبراهيم قال في مراجعات المنظمة الفكرية والبرنامجية: «لقد استسهلنا ركوب مركب الحرب الأهلية الخشن شعوراً منا بأننا نقصر الطريق نحو التغيير». ليس غريباً بعد كل ذلك أن يلعب سمير دوراً رئيسياً مع رفيق الحريري في إنتاج اتفاق الطائف، الذي قال عنه لاحقاً إنه لم يجد كتلة تاريخية تحمله كما حصل مع ميثاق 1943، ما دفعه أولاً للتعاون مع الحريري رغبة بترميم الطبقة الوسطى، وثم مع البطريرك صفير عبر قرنة شهوان.

لم يكن البطريرك صفير كاردينالاً أحمر ولم يحمل هموم المطران غريغوار حداد، لكنه كان يمتلك من الصفاء والصلابة، ما جعل فرنجية يجد فيه ضالته في معركة السيادة بوجه النظام الأمني المتصاعد، وقد أكسبته المواجهات والمواقف الشجاعة والمثابرة قول أحدهم إن سمير فرنجية يحفر الجبل بإبرة ويصيغ المواقف بعقلية الجوهرجي.

في مقال كتبته عن تشكيل المجلس الوطني للمستقلين، شبهت سمير بنور الشريف في فيلم «آخر الرجال المحترمين»، فبينما كان نور يبحث عن البنت المخطوفة مفتشاً عن الخاطف، كان سمير يبحث عن وسيلة لمحاورة الخاطف المعروف، إنقاذاً له وللمخطوفين معاً. سمير ليس آخر الرجال المحترمين، لكنه حتماً أحد أبرزهم، ومن القلة الذين يحترمهم الخصم قبل الحليف، فهو كان يدعو إلى إدارة الاعتدال بمواجهة إدارة التوحش الفالت من كل الجهات والضفاف، وهو لم يتلون على رغم اعتداله وتعامله مع الطبقة السياسية وزعمائها أنصاف الآلهة، في سياق سلوكه درب الآلام الطويل، بل ظل بعمقه أحمر ببريق متجدد، بلون الورد لا بلون الدم.

كم سنفتقدك، وكم حالتنا صعبة ونحن نشهد هذا العلك الانتخابي المذهبي، وكم نتذكر زجرك لمن يتلطى بمنطق الأقليات في المنطقة تبريراً للقتل والإجرام والتطهير العرقي، وكم هي خسارتي الشخصية مضاعفة لأنني تأخرت كثيراً بتحقيق كتابي الذي كنت وعدتني بكتابة مقدمته.
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر