الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الاثنين 23 نيسان 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-04-25الكاتب:جبور الدويهيالمصدر:جريدة النهار اللبنانية « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 كتاب سمير فرنجية "رحلة إلى أقاصي العنف": ليس فكرةً عن لبنان بل فكرة لبنان - جبور الدويهي
 
عدد المشاهدة: 190
يقول سمير فرنجية في الصفحة 78 من كتابه الذي لا أعتقده ينتسب، بالرغم من عنوانه، "رحلة الى أقاصي العنف"، الى سوداوية عالم لويس فردينان سيلين، بل فيه وجهان متتاليان، محبط ومشرق، يكتب قائلاً: "لم أكن أدرك في حينه البعد الخاص بالعنف إذ لم أكن أنظر اليه إلاّ بغايته السياسية وكونه أداة في خدمة مشروع كبير. مع ذلك كان ينتابني شعور غامض بأننا جميعاً لعبنا دور السحرة الصغار وقد بتنا عاجزين عن السيطرة على العنف الذي ساهمنا بإطلاقه في شكل من الأشكال. وصار المطلوب الآن الحدّ من الخسائر. كيف؟ بالتحاور مع الخصم". 

يمكن تحديد لحظة الوعي السياسي - الأخلاقي هذه ضمن حياة سمير فرنجية السياسية في نهاية سبعينات القرن الماضي وأذكر ملابساتها جيداً: بعد النهاية الموقتة لما سمّي تأريخاً "حرب السنتين" والتي اتّسمت بمواجهات مرسومة سياسياً وطائفياً الى حدّ كبير وموآتية للتعبئة الشعبية السابقة لاندلاعها بين كتلتَي الاحزاب والقوى الوطنية والفلسطينية من جهة والجبهة اللبنانية من جهة أخرى، كسر انحياز النظام السوري الى جانب المسيحيين (كي نقول الأشياء اختصاراً) ومواجهته الحركة الوطنية واغتيال كمال جنبلاط هذا الاصطفاف فأربك (وما يزال) صفوف الوطنيين والممانعين ثم جاءت بعده بوقت قليل أول حرب مسيحية - مسيحية إثر مجزرة اهدن عام 1978 وأعتقد أن انفلات عنف مساو، لا بل أكثر ضراوة بين أبناء المعسكر الواحد والطائفة الواحدة، كان له الأثر الكبير في المراجعة التي بدأها سمير فرنجية لأحداث كان البعض من بيننا استقبل بدايتها بشيء من الفرحة الثورية حيث آن أوان وضع الفعل موضع القول. وإذا كان الاحتواء السوري القسري للشارع الوطني يندرج في معطيات سياسية اقليمية واستراتيجية كما كانت تسمى تهذيباً نزعة الهيمنة هذه، فإن الاقتتال الماروني كان أقرب الى العبثية ومجرد استخدام لفائض القوة والسلاح بحقّ الأقربين لإخضاعهم، ولا يحتمل تعمّقاً كبيراً بدوافعه السياسية، وقد رسمت هذه المجابهة بداية حلقة العنف المتوالد والتي يكرس لها سمير فرنجية النصف الأول، النصف الصعب والأسود من كتابه، النزول الى جهنم، وهو يغنيه بمقاربة للسلوك النفسي الجماعي والعنف من خلال ظاهرة التماثل العزيزة على قلب رينه جيرار، مع قراءة فريدة ومفاجئة بعض الشيء للتجربة الشهابية التي عملت على ردم هوّة التفاوت بين الفئات والمناطق فجاءت النتيجة غير متوقعة: "في اللحظة التي بدا فيها اللبنانيون أكثر توحّداً، كانوا في الواقع الأكثر انقساماً. إنها لمفارقة كبيرة يتبيّن فيها أن "تشابه" اللبنانيين كان المقدمة للمواجهة فيما بينهم".

لكن ولادة الوعي هذه لدى سمير فرنجية حسبناها في حينه تخلياً عن قضيتنا نحن الذين كنا تصالحنا في هذه الأثناء مع محيطنا في زغرتا بمناسبة هذا العداء المستجد مع "موارنة جبل لبنان"، غير مدركين في لحظتها أننا لم نكن نساهم سوى في مزيد من التوغّل في حلقة "اللبننة" كما سمّي تناسل النزاعات الأهلية الى ما لانهاية. وما ساءنا كانت تلك الشائعات التي كانت تصلنا حول اتصاله وتنسيقه مع أطراف كنّا قد أبلسناهم من دون رجعة، أمثال مدير المخابرات، المكتب الثاني، في عهد الرئيس الياس سركيس أو هذا أو ذاك من رموز الميليشيات المسيحية. كان ما زال عصيّاً علينا، كما هو ما يزال حتى اليوم عند العديد من مدّعي السياسة في لبنان، التمييز بين "النوم في فراش الأعداء" وضرورات الحوار والانفتاح الوطنيين على من يخالفنا الرأي وحتى المنطق. وقد لزم ما يقارب العقد من الزمن كي يتجاوز بعضنا بلادته ووهم الحسم العسكري وكافة ضروب الانتصار على خصم داخلي والتي ما تزال حتى اليوم تُسكر بعض الرؤوس ومنها المعممة، لزمنا عقد من الزمن لندرك بدورنا أن لا مفرّ من "العيش معاً" فنصفّق في نهاية الثمانينات وبالرغم من مغامرات الوقت الضائع الدموية والبائسة، نصفق لظهور ملامح تسوية "اتفاق الطائف" حيث وجدنا سمير فرنجية في طليعة الساعين اليها.

هكذا سبقنا سمير فرنجية مرة أخرى. فهو كان، إن صحّ التعبير، "نزل" قبلنا الى العاصمة حيث كان يمثّل في نظرنا نموذجاً لنجاح لنا ممكن في المدينة بالعلاقة مع الآخر ومع الحداثة وأفكارها واحتمالاتها، نحن المعلنين انضواءنا في الستينات تحت شعارات ماركسية مستعجلة، القاصدين الجامعات، وخصوصاً الجامعة اللبنانية في بيروت، من زغرتا حيث كانت حلقة العنف العائلي، وقبل انطلاق أحداث العام 1975 بسنوات، أتمّت دورتها العبثية أيضاً حيث وبعد مواجهات الـــعام 1958 بين حلف عائلي في مواجهة حلف آخر انفصل طرفا الحلفَين، هكذا وبصورة شبه كاريكاتورية وكما حدث أحياناً في الحرب اللبنانية، ليتواجه أصدقاء الأمس من الطرفين في نزاع دموي فيما بينهم ايضاً.

وكان لنا تبادل في هذا الخصوص عندما شجعني مع سمير قصير على كتابة رواية حوادثنا هذه، "مطر حزيران"، (والتي داعبته بإهدائها اليه على أنها ثأر بالخيال الأدبي من آل فرنجية وهي ليست كذلك)، ان لنا تبادلاً حول ما تحمله حوادث زغرتا الدموية من دلالات استباقية ونوع من "التمرين العام" على الحرب اللبنانية قبل ما يقارب العقدين على انفلاتها. دورة عنف تألفت إثرها "حركة الشباب الزغرتاوي" التي ابتلعتها الحرب قبل أن تشتت اليسار اللبناني.

لا عجب في أن يغوينا سمير فرنجية في ستينات وسبعينات القرن الماضي فهو ابن زعيم وسياسي كبير يتنكّر لامتيازات عائلية له ممكنة كي نوزّع معاً في الليالي البيانات الثورية على متن سيارته الفولفو الغبراء العتيقة التي كان زجاجها الخلفي معطّلا وكي نتجمهر معا في تظاهرة البربير الشهيرة نتلقى الغاز المسيّل للدموع وانهمار الرصاص. وهو إذ ضاق ذرعاً بالانضباط الحزبي تبعناه في خروجه هذا حتى نفض عن كاهله ثقل القراءة المناضلة للأحداث اللبنانية. لكن عبوره اليساري لم يكن مغامرة شباب بحتة بل أكسبه في اعتقادي، وأكسبنا، تقويماً أكثر واقعية للبعد العربي في شؤوننا اللبنانية وقيماً انسانية لا يأكلها الصدأ كالعدالة والمساواة والعطف على العمال والفقراء. إنها سيرة عقل نيّر، يخوض التجربة فلا تستنقعه إذا جاز لي التعبير ليقف كالصوت الصارخ في البريّة يقول بأن العنف والقتل وسائر أصناف الاغتيال لا يمكن أن تكون أدوات في خدمة السياسة بل تتوقف السياسة وتنتحر عند عتبة هذا العنف. يستفيد من تجارب خاصة وعامة، يراهن على تحفيز التنمية وإعادة تكوين الطبقة الوسطى من خلال طموحات رفيق الحريري الاقتصادية وعلى استعادة الكيان والسيادة بفضل صلابة مواقف البطريرك نصرالله صفير الاستقلالية ويحمل اتفاق الطائف كترياق سحري اينما حلّ. لم يستسلم لإدارة السلطة السورية شؤون لبنان بل راح يحفر الجبل بالإبرة كما قال أحدهم فيه وبصحبه، يكتب نصوصاً ويخوض حوارات وينظّم لقاءات ويملأ ذاكرة حاسوبه وكان مبكرا في الانتقال الى استخدامه، بقوائم اسمية للنخب التي يمكن التعويل عليها في عودة محتملة للحياة السياسية، حتى انفتح أمامه باب النشاط المباشر عن طريق لم يكن يتوقّعها قبل سنوات على الأرجح، طريق الكنيسة المارونية، فكان لقاء "قرنة شهوان" غير المسبوق في إدخاله تعديلات جوهرية على خطاب النخبة السياسية المسيحية في لبنان، بتحويله الى خطاب جامع تأسيسي صادر عن مسيحيين ولا ملامح فئوية فيه وهذه المعجزة الصغيرة لسمير فرنجية اليد الطولى في تحقيقها.

فثبّت مجدداً حاجة العمل العام في لبنان الى الفكر سياسي فكانت عملية إعادة تأسيس لبنان وإخراجه من ركام السيطرة السورية تحتاج الى سمير فرنجية كما احتاج الاستقلال ودستور 1943 الى ميشال شيحا مع اختلاف الظروف، الممكنة في الأربعينات والعاصفة في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. والدور شبه الاحتكاري الذي لعبه فرنجية في تدبيج البيانات والإعلانات والشعارات خلال اجتماعات قرنة شهوان ومن بعدها 14 آذار انما يدلّ إضافة الى افتقار الطبقة السياسية للتنظير السياسي (وذلك بسبب أصولها الأهلية والطائفية والممارسات الخدماتية للزعامات وهذا ما يعفيها عموماً من الحاجة الى تبرير وجودها وتنطّحها للقيادة)، كان هذا الدور يكشف تمتع فرنجية بموهبة الصياغة إضافة الى فنّ الصائغ. والواقع أن هناك شيئا من عمل الجوهريّ في نظرته الايجابية للبنان حيث تبدو أقرب الى آلية دقيقة، الى توليفة مهددة، شيء من الخزف الثمين يصعب ضمان سلامته مع وجود رهط لا يستهان به من دببة السياسة المحلية والاقليمية ومنهم تحديداً من اعتمد خلال عقود طويلة العنف والفرقة والاغتيال لدخول المخزن اللبناني العطوب كسراً وخلعاً.

لكن ليس صحيحاً القول أن لسمير فرنجية وصفة للبنان يكرّس لها الجزء الثاني من كتابه تحت عنوان يخترق الفصول وهو "العيش معاً". إنها ليست صيغة تحتوي على منسوب ايديولوجي عال أو تخيلات مسبقة، فهو يقترح الصيغة الوحيدة الممكنة والقابلة للحياة في التركيبة اللبنانية كما يسمونها، وكما تكوّنت تاريخياً منذ إعلان لبنان الكبير، دولة قانون عمومي تسوس اللبنانيين بصفتهم مواطنين متساوين، ومجتمع خصوصيات متآلفة طالما يُحال دون تنازع وتناتش الشأن العام والملك العام من قبل الجماعات والطوائف. كل تقاسم ومحاصصة كما كل علمنة سياسية مفرطة مسارات لم ولن تفضي الى مكان سوى العنف والتقوقع. من هنا يأتي هذا الشعور لدى من يتابع سمير فرنجية بأنه "مرتاح" على أفكاره ومن هنا أيضاً ما يؤخذ عليه أحياناً حتى من تفاؤل لا ينضب. فهو كالواقف في الاتجاه الصحيح، في اتجاه التاريخ كما كنا نقول هذا إن كان للتاريخ من اتجاه، واقف في محطة ينتظر فيها أفرقاء السياسة الذين دخل لعبتهم لوقت قصير فلم تكسبه الكثير، يهزّ برأسه ويبتسم ببعض المكر وبعض التواضع، ينتظرهم كي يصلوا بعد أن يكونوا قد ارتطموا بالجدار وكوتهم التجربة. لكنهم قد يتأخّرون في الوصول فهناك دائماً صاعد جديد يحاول بسلاحه تغليب الأهل على الدولة وشعاره الواهم "أنا أقاوم العدو فأنتم بالتالي مخطئون" وهناك دائماً شعبوي يقرقع عالياً و"يشعل من كل حطب ناراً" لاقتناعه أن العلّة كانت في أسلوب وشخصية من سبقه في السياسة وليس في المواقف والشعارات. لم يحبط سمير فرنجية هذا التكرار المفجع للأخطاء من قبل الأطراف السياسيين العاجزين عن الاستباق وعن الاستفادة من تجربة الماضي القريب المضافة اليها قابلية لبنان لتأثيرات الجوار. فهو يعرف أن اللقاء اللبناني المرتجى لا أهل له نافذين ومن يقول بثقافة الرابط نخبة لا عسكر وراءهم، فيكتب في الصفحة 151: "لم يُدرك القادة اللبنانيون أبعاد اتفاق الطائف الذي ربط بين مفهومَي المواطنة والتعددية الطائفية ليرسي شكلاً ديموقراطياً جديداً أكثر انسجاماً مع مجتمع تعددي مثل لبنان. قبل ذلك كانت الحلول المقترحة تتراوح بين حدين: انفصال بين الطوائف قد يؤدي الى التقسيم او الغاء لما يسمى الطائفية السياسية يحصر الانتماء الطائفي ضمن الدائرة الخاصة من دون اي تعبير معترف به. الواقع ان اتفاق الطائف يضع الطوائف في مجال العيش معاً بينما يصبح مجال العمل معا من اختصاص المواطنين ومؤسسات التضامن المرتبطة بالدولة كالاحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الاجتماعية...".

لسنا هنا أمام "فكرة ما" عن لبنان، كما نسب للجنرال ديغول عن فرنسا Une certaine idée du Liban، إنها بكل بساطة "فكرة لبنان" الممكن المتصالح الوحيدة هذا إذا كان وراء نشوء لبنان من فكرة، وإن لم يكن فإن سمير فرنجية يستخرج لبلده التبر من التراب وينتظر... الى أن لاحت مع ثورة الأرز إثر اغتيال الرئيس الحريري إمكان الاقتراب من هذا اللقاء الجامع ليس عبر الساسة وزعماء الطوائف وليس خصوصاً عبر التطبيق المخابراتي السوري لاتفاق الطائف بل بتلاقي الشارع، هؤلاء الغير منتمين الى احزاب وزعامات وهم الاكثرية بين النازلين الى انتفاضة الاستقلال والذين طالما حاول سمير فرنجية احصاءهم وتفعيلهم. لكن العدّة المضادة بما فيها من اكراه واغتيال وإفساد لهذه الانتفاضة نجحت في لجمها وإبطال العديد من مفاعيلها واحتمالاتها. ورفع رأس الكنيسة المارونية الجديد هواجس الأقليّة فضاقت الرؤية ولم تتسع العبارة.

"رحلة الى أقاصي العنف" كتاب – محصّلة فيه من السيرة الذاتية القليل الذي يفلت من خفر وتواضع صاحبه والكثير من مسيرة بلد يعتقد سمير فرنجية بعد والده بأنه مؤتمن على صيرورته، ما يجعله أقرب الى صورة حارس الهيكل اللبناني.
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر