الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الجمعة 21 أيلول 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-04-22الكاتب:المصدر:جريدة النهار اللبنانية « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 رمز الاعتدال وصانع السلام وفنّان صياغة العيش معاً - أنطوان قربان
 
عدد المشاهدة: 221
كيف لي أن أحيي وأكرّم ذكرى صديق أمضى عقوداً من حياته في مواجهة شبه دائمة مع المرض الفتّاك والموت، من دون أن يتخلّى يوماً عن ابتسامته الناعمة ونظرته المتلألئة بالذكاء الخارق وبفائض من الإنسانية، بل ظلّ دائماً يداعبك بروح النكتة وحبّه للحياة. 

كيف لي أن أتكلّم عن شجاعة هذا العملاق الجبّار الذي كان يتحدّى ساخراً المرض المحدق به ويهزأ به قائلاً: "لن أدعك تنتصر عليّ". لكن لكل شيء نهاية في هذا العالم.

فهذه الأرزة من أرز لبنان خسرت معركتها الأخيرة واستسلمت للعدو الوحيد الذي لا يستطيع أن يصرعه إلاّ الله: الموت.

لقد غادرنا سمير فرنجيّة إلى الحياة الآخرة.

كان مناضلاً شجاعاً تشعّ نارٌ من إيمانه بالقيم اليساريّة التي التصقت به وواكبته منذ شبابه فجعلت منه مثقفاً من أرفع المستويات، حكيماً بين أكبر الحكماء، مرجعاً للثقافة السياسية، وصوتاً حرّا جهوراً مشرّفاً لوطنه لبنان، محترماً من الرأي العام والنخب المثقّفة في وطنه كما في العالم العربي والمجتمع الدولي.

لم يكن أحد يأخذ أيّ مبادرة في الحياة العامة من دون أن يتساءل: "ما هو رأي سمير بك يا ترى؟ كيف لنا أن نقنع سمير بك؟ أي مركز علينا أن نحفظ لسمير بك ضمن مبادرتنا؟".

لقد نجح سمير فرنجيّة في إنجاز المستحيل، أي أن يتوافق الجميع من أصدقاء وخصوم للاعتراف بأنّ شخصيّته الاستثنائية لم تتزعزع يوماً عن اقتناعاتها وخصوصاً عن وفائه لقضية الشعب الفلسطيني ضدّ الصهيونيّة وعن دعمه الدائم لجميع الشعوب العربيّة المقموعة من أنظمة مجرمة على مثال النظام السوري. وستحفظ له الأجيال المقبلة جزيل احترامها لنضاله الدؤوب من أجل السلام ونبذ العنف والعيش معاً.

كلّ رجل حرّ يشعر بالامتنان تجاه سمير فرنجية الذي أتقن فنّ صياغة الفكر السياسي من أجل البحث عن الخير المشترك ونشر ثقافة كرامة الفرد البشري وحقوق الإنسان، وبذل كل جهده من أجل لبنان وسيادته ورسالته الفريدة كواحة للعيش معاً في وطن يحكمه دستور مميّز وفريد من نوعه في العالم، إذ يعلن بكل وضوح: "لا شرعية لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". لذلك وحتى آخر لحظة من حياته كان هاجسه الوحيد: ميثاقيّة العيش معاً في لبنان، سلام لبنان، قدسيّة نصوصه الدستوريّة.

كان الصديق سمير روح وضمير حركة الاستقلال اللبناني الثاني لسنة 2005 وما عُرف يومذاك بخطّ 14 آذار. لكن وعلى رغم التزامه الكامل والشفاف لمبادئ وروح 14 آذار لم يدخل يوماً في زواريب الصفقات والتسويات السياسية الضيّقة، محافظاً بذلك على عدم اهتمامه بمصلحته الشخصيّة وعلى كرامة اقتناعه بالمبادئ الأساسيّة التي بشّر بها وكتب الكثير عنها والتي وحدها تفسّر موقفه المعادي للمحور الإيراني - السوري الذي كان يعتبره مناقضاً لميثاقية العيش معاً في لبنان الاعتدال والسلام.

سمير فرنجيّة أو البك الأحمر. هكذا لقّبوا هذا المناضل اليساري وارث تقليد إقطاعي من أكبر عائلات بلدة زغرتا المشهورة ببيوتها السياسيّة وتقاليدها العشائريّة. وسيحفظ له التاريخ كيف خرج عن تقليد الزعامات الإقطاعيّة وانصهر في نضال الحركات اليساريّة ممّا لم يكن يعتبر خياراً طبيعياً في أوساط اليمين المسيحي وخصوصاً أيام الحرب الأهليّة اللبنانيّة. وعلى رغم ذلك الخيار الصعب، لعب دوراً مهماً في كل المجامع الكنسيّة التي التأمت من أجل لبنان منذ تسعينات القرن العشرين.

ما هو يا ترى سرّ شخصيّة سمير فرنجيّة الذي في إمكانه أن يفسّر انتماءه والتزامه الفكري والسياسي؟

قبل بضعة أسابيع من وفاته التقيتُ الصديق سمير في منزله. كانت الشمس قد قاربت أن تغيب في سماء بيروت في ذلك اليوم الممطر. تكلّمنا كثيراً عن التدنّي المذهل للخطاب السياسي الحالي ونبرته الغريبة حيث البذاءة لم تعد تستحي من كشف وجهها الشنيع والفائح بجميع أنواع الروائح النتنة.

قلت له متسائلاً: "لم أكن يوماً في شبابي ناشطاً يساريّاً. ولكن عندما أشاهد على التلفاز صوراً قديمة من زعماء مثل فيديل كاسترو وهو شي منه وسلفادور ألليندي لا يسعني إلاّ أن أقول لنفسي بدهشة كم كانت هذه الوجوه من الماضي تعكس، على رغم قسوتها وعنف ثوراتها، شيئاً من الإنسانيّة على عكس زعماء وسياسيي اليوم".

سكت البك الأحمر ونظر إليَّ مبتسماً، وعندما خرج من صمته قال لي بهدوء: "وجوههم كانت تعكس شيئاً من نور قيم الإنجيل التي علّم بها السيد المسيح".

سمير المثقّف العملاق، سمير البك الأحمر، سمير بطل السلام والاعتدال والعيش معاً، سمير فرنجيّة الزغرتاوي الذي كان كل وفاء لوطنه لبنان، فتح لي فجأةً بقوله هذا سرّه الخفي المتأثر بأقوال يسوع الناصري: "طوبى للفقراء، طوبى للحزانى، طوبى للمتعطّشين إلى البرّ، طوبى لصانعي السلام".

وهذا ما كان يلخّصه دائما بقوله الشهير: "يا أيّها المعتدلون في العالم اتحدوا من أجل السلام".
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر