الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الجمعة 21 أيلول 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-04-12الكاتب:المصدر:جريدة النهار اللبنانية « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 المؤسس الدائم للحوارات والمبادرات
 
عدد المشاهدة: 285
ليس سمير فرنجية بالشخص العادي. هو شخص استثنائي بكل ما للكلمة من معنى. استثنائيته لا تتأتى فقط من السياسات والحوارات والمبادرات التي قادها ومارسها، أو من المحطات السياسية التي تتحدث عنها ذكرياتنا معه والمعطيات ووقائع الحياة التي جمعتنا به. استثنائية سمير تنبع من إشكاليات السياقات والالتباسات التي حكمت تجربته وخياراته في تقاطعها مع استعداداته وتطلعاته.

فمسائل مثل العنف والقوة والثورة في مقابل السلم واللاعنف والإصلاح، ومثل العشائرية والمناطقية والطائفية في مقابل المساواة في المواطنية والحرية، ومثل العلمانية والإلحاد والمادية في مقابل الروحانية والإنسانوية، ومثل الماركسية والليبيرالية في مقابل الاشتراكية ذات الوجه الإنساني والديموقراطية الاجتماعية، ومثل الكيانية اللبنانية في مقابل العروبة الجامعة الحضارية... هذه المسائل هي التي تشكل في رأيي المدخل الأصح والأنسب لقراءة فكر سمير فرنجية ولفهم تجربته الفذة.

أما سمير، الصديق الوفي المخلص المحبّ والرفيق المناضل الدائم التاريخي، فهو الإنسان المتسامي عن الحياة، المتسامي عن كل الأشياء، لأنه أنبل منها. سلك في حياته ما يشبه المسلك الصوفي أو رحلة الطريق الموحشة (ومنها "رحلة إلى أقاصي العنف") بلا زاد ولا ماء، في معارج الحقيقة. "وما أوحش الطريق لقلة سالكيه" (الإمام علي).

التقينا أنا وسمير فرنجية (وهاني فحص وفارس سعيد ومحمد حسين شمس الدين ورشيد الجمالي وحسين ضناوي وأحمد السنكري وشوقي داغر وسمير عبد الملك وقيصر أبي اللمع وجان حرب وميشال خوري وكمال ريشا ومياد حيدر وإسماعيل شرف الدين وعصام عقيل وحسن بزيع وحسن محسن وهشام ابرهيم وحسين بعلبكي... وغيرهم) في مطلع العام 1993، وأسسنا مع عدد كبير من الشباب المسلم والمسيحي، العلماني والمتدين، اليساري والليبيرالي، "المؤتمر الدائم للحوار اللبناني"، الذي حظي برعاية الشيخ محمد مهدي شمس الدين والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير ودعمهما، في محاولة لتأسيس عمل مدني ديموقراطي وطني مؤسسي، على قاعدة اتفاق الطائف، ولبناء مصارحة حقيقية ومراجعة نقدية شفافة لتجارب الحركات السياسية في الحرب، وقيام مصالحة وطنية حقيقية (في زمن التكفير والتخوين والسواطير)، وترسيخ السلم الأهلي ليكون ثابتًا ودائمًا. وكان "سينودس الأساقفة الكاثوليك من أجل لبنان"، الذي دعا إليه البابا يوحنا بولس الثاني في حزيران 1992 (انعقد في أواخر تشرين الثاني 1995 بعد 3 سنوات ونصف سنة من التحضير المكثف) هو الحامل المواكب لهذه العناوين. وقد أصدر المؤتمر في أعوام 1993-1998 نشرة أسبوعية باسم "قضايا الأسبوع"، ثم مجلة شهرية باسم "قضايا الحوار"، وكتابًا دوريًا باسم "قضايا لبنانية"، شارك في تحريرها ونشرها إضافة الى مؤسسي "المؤتمر" نخبة من ألمع مثقفي لبنان، أبرزهم طارق متري وجورج ناصيف ونصير الأسعد وسليمان تقي الدين وموسى وهبه ومحمد أبي سمرا وسمير قصير وعقل العويط وطوني فرنسيس وداود الصايغ ومحمد السماك ومحمد حرفوش، والعشرات ممن صاروا لاحقًا أبرز أقطاب حركة المجتمع المدني وكوادره.

كان سمير بك ولا يزال كما هو، في صوته ونبرته، في حماسته وهدوئه، في تهذيبه وانفعاله الزغرتاوي، في نبله وشهامته، في ابتسامته وحزنه، في فرحه وغضبه، كل شيء فيه هو على ما كان، وعلى ما عشته معه منذ أول لقاء بيننا في العام 1969 يوم امتشقنا شعارات "اليسار الجديد" المتلاحم مع الثورة الفلسطينية وحرب التحرير الشعبية. لكن الملمح الأهم في سمير هو ذلك العقل المنتج، الدائم الحركة، الباحث عن كل فكرة جديدة تنير طريق المظلومين وعن شتى أنواع التضامنات والحوارات وبناء التجمعات والمبادرات وصياغة المواثيق والعهود. دائمًا من أجل التقدم إلى الأمام ولو خطوة بسيطة في عملية إعادة بناء المجتمع وإعادة تأسيس الصيغة السياسية اللبنانية على أسس أكثر توازنًا وعدالة وديموقراطية وتضامنًا بين جميع اللبنانيين ومن أجلهم جميعهم. المدخل الأساس الذي قدّمه سمير وصار لازمة في الثقافة السياسية اللبنانية، هو في رؤية تستطيع التوفيق بين شرطَي العقد اللبناني: المواطنية والتعددية الطائفية، أي التوفيق بين حق الأفراد في التمتع بحقوق المواطنية الكاملة من خلال دولة القانون وحقوق الإنسان، وحق المجموعات في الاطمئنان إلى حضورها والمشاركة في تقرير القضايا الكبرى المتعلقة بالعيش المشترك.

هذا التطلع إلى دولة مدنية ديموقراطية، دولة الحق والقانون والمؤسسات والحريات، وهو تطلع ينبع من عمق الضمير الإنساني ويحمله كل الأحرار الشرفاء، وقد طرحه سمير باعتباره لحظة نقدية تؤشر إلى الفاصل بين الواقع الراهن والمثال الذي نسعى إليه، بين ما هو قائم وما هو مرتجى.

كان سمير وراء كل المبادرات التي أطلقناها منذ العام 1993 وحتى اليوم: من مواكبة الحوار الاسلامي - المسيحي في لبنان والمنطقة العربية من خلال أطر مختلفة، كمجلس الكنائس العالمي، ومجلس كنائس الشرق الأوسط، وتأسيس "اللجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار" (1992) و"الفريق العربي للحوار الاسلامي - المسيحي" (1995)، إلى مؤتمر "الاسلام والمسلمون في عالم متغير - من أجل نظام دولي عادل" الذي عقد في أيار 1994 بدعوة من الشيخ شمس الدين، إلى "الخلوة المسيحية الموسّعة" في 22 أيار 1994 (مدرسة الحكمة، بيروت) حول موضوع "الأزمة المسيحية الناشئة عن انتخابات 1992 والمقاطعة، وكيفية معالجة تلك الأزمة من منظار وطني مشترك"؛ إلى اعلان "وثيقة للحوار والتضامن في سبيل لقاء لبناني جديد"، عرفت باسم "مانيفست من أجل لبنان" في 10 أيار 1999 ودعت الى تكوين أوسع تضامن لبناني حول "معنى لبنان ودوره"؛ إلى مواكبة عودة المهجرين المسيحيين إلى الجبل والمصالحة التاريخية المسيحية الدرزية في رعاية البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير والنائب وليد جنبلاط في 4 آب 2001 (وكان سبق تلك المصالحة عمل كبير في الجبل قاده سمير والصديق المرحوم جان حرب) ومن ثم إلى البيان التأسيسي لـ"لقاء قرنة شهوان" في 30 نيسان 2001، إلى "المنبر الديموقراطي" (حبيب صادق ومعه حكمت العيد وسمير قصير ونصير الأسعد وبشير هلال، وغيرهم)، ولقاء البريستول (في العام 2001) لتشكيل أوسع جبهة ضمّت اليساريين والمسلمين إلى جانب المسيحيين في مواجهة الوصاية السورية الرافضة لاستقلال لبنان وسيادته، وصولاً إلى حركة 14 آذار التاريخية. وأخيرًا إلى كل لقاء عقدناه في بيروت وطرابلس وصور وزحلة وبعلبك وكسروان والشوف والمتن، خصوصًا "إعلان بيروت" في حزيران 2004 الذي قامت السلطة يومها بمنع إعلانه في اجتماع في أحد الفنادق فأعلناه في مؤتمر بنقابة الصحافة اللبنانية، و"لقاء سيدة الجبل" السنوي المستمر حتى اليوم، و"المجلس الوطني لمستقلي 14 آذار"، و"المؤتمر الدائم لسلام لبنان والعيش الواحد" (أيار 2015)، الذي كان آخر مبادراته الحوارية والسلمية المدنية.

هي خطى كتبناها نحن على أنفسنا والتزمناها ومشيناها معًا، وهي عقد بيننا إلى أبد الآبدين.

هل قلت لك يومًا يا سمير كم أحبك وأحترمك، وقد التصقت حياتي ومهنتي ومبادراتي السياسية والتزاماتي ونضالاتي المدنية وآمالي الوطنية بالعمل معك منذ ذلك اليوم من شباط 1969 الذي التقيتك فيه على الطريق قرب مدرسة الفرير في طرابلس وكنت أوزع بيان اللجنة التنفيذية القومية لحركة القوميين العرب الذي يعلن التحول نحو الماركسية اللينينية وكنت أنت حضرت إلى المدرسة لنقاش تجربة اتحاد الشيوعيين اللبنانيين الذي كنت شريكًا في تأسيسه مع أحمد الحسيني وأبو جبران حسين بعلبكي؟!

كنت معك على طول الدرب وسأبقى جنبك إلى أبد الآبدين.

بوركت أيها الفارس الشهم النبيل! بوركت يا صاحب الحلم اللبناني الأصيل!

"نحن ملزمون حماية حُلمِنا وحمايةِ لبنان... نحنُ – قوى 14 آذار – لا يفرِّقنا إلا الموت" (سمير فرنجية، فندق البريستول، صباح الأحد 14 آذار 2010).
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر