الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الجمعة 17 اب 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-04-14الكاتب:سعد كيوانالمصدر:موقع ليبانيز كورا « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 سمير فرنجيه... "الفكرة اللبنانية" الناصعة! - سعد كيوان
 
عدد المشاهدة: 214
ترجل فارس الحوار ومهندس صيغة لبنان "العيش معا"! غلبه المرض بعد مقاومة عنيدة دامت عشرات السنين. والارجح انه رحل وفي القلب حسرة وعتب على من ترك بين أيديهم ما راكمه وعلاّه من مداميك لدولة مدنية تصون حقوق المواطن وتحمي فكرة التعايش الحر بين "مختلفين متساويين" من المجموعات الطائفية في هذا الشرق الملتهب. علما انه ليس من النوع الذي يعاتب او يحمل ضغينة تجاه أحد، هاجسه كانت الفكرة يدفع بها مع مجموعة صغيرة أو يطلقها لتحرك عشرات بل مئات الآلاف كما حصل عشية 14 آذار 2005 التاريخي.

بقي هو بشخصيته الاستثنائية الوادعة، وبعقله السياسي المبدع، وثقافته الواسعة، وبقدرته الفذة على الاقناع، وبسعيه الدؤوب والخلاق لتطوير الصيغة اللبنانية. الآخرون يتغيرون او يتراجعون او يترددون، ويستمر هو متفائلا، هادئا، رؤيويا وواقعيا في آن.

بدأت رحلته سمير من بعيد، يوم نشأ في كنف عائلة اقطاعية ارستقراطية امتد نفوذها السياسي من زغرتا معقل العائلات والعصبية العشائرية وصولا الى الامم المتحدة حيث اعتلى والده وزير الخارجية حميد بك فرنجيه المنبر عام 1946 مطالبا بجلاء الجيوش الاجنبية عن لبنان وسوريا. ولاحقا، عام 1970 انتخب عمه سليمان فرنجيه رئيسا للجمهورية. غير ان سمير الشاب المتمرد كان قد انتقل الى الضفة الأخرى صحافيا يساريا ناقما على النظام اللبناني ومناصرا للثورة الفلسطينية.

ولكنه عرف كيف يحتفظ بما ميز والده من بين القادة اللبنانيين من ذكاء ووسع أفق وثقافة ونزاهة. وفور اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 وغرق اللبنانيين في اتونها، عرف كيف يوظف هذا المزيج الذي تمتع به بين ثقافته الحديثة وهيبة العائلة وإرثها السياسي. ومنذ ذلك الزمن راح يبحث عن الذات ويتلمس طريقا لاعنفيا للتغيير، بعد ان أدرك خطورة الحريق الذي اندلع بين اللبنانيين والفلسطينيين، وبين اللبنانيين أنفسهم المسيحيين والمسلمين. لم يمنعه انحيازه بالتالي الى جانب كمال جنبلاط و"الحركة الوطنية" من محاولة لعب دور "الاطفائي" من موقعه بحثا عن خيط تواصل بين المتحاربين، من ياسر عرفات الى بشير الجميل، ومن كمال جنبلاط ثم وليد جنبلاط الى صائب سلام. البحث المستمر عن تسوية لوقف الحرب دفعه الى ان يكون أحد مهندسي "اتفاق الطائف" (1989) الى جانب رفيق الحريري.    

رجل حوار بامتياز وباحث عن نقاط الالتقاء مع الآخر. مع انتهاء الحرب، أسس في بداية التسعينيات مع مجموعة من الناشطين والمثقفين، من بينهم العلامة السيد هاني فحص (رحل خريف 2014)، ومحمد حسين شمس الدين وفارس سعيد رفيقي الدرب الطويل وآخرين "المؤتمر اللبناني الدائم للحوار" من أجل ارساء السلم الاهلي وخلق "شبكة أمان" لسلام لبنان، وهو التعبير المحبب على قلبه. كان من أشرس المعارضين للهيمنة السورية على لبنان رغم التهديدات التي تعرض لها، وكانت أهم تعبيراته "لقاء قرنة شهوان" عام 2001 برعاية البطريرك الماروني نصرالله صفير أب الاستقلال الثاني. وأصبح يعرف منذاك الوقت ب"البيك الأحمر".

غداة اغتيال رفيق الحريري عام 2005 كان هو من أعلن "انتفاضة الاستقلال" مع سمير قصير (اغتيل في حزيران 2005) الى جانب جنبلاط وسعد الحريري، التي اجبرت بشار الأسد على سحب جيشه من لبنان بعد احتلال دام نحو ثلاثين سنة. ولم يجد حرجاً في الذهاب الى "حزب الله" لاقناع حسن نصرالله، الذي تقدم للعب دور الاحتياطي للنظام السوري، بخيار "العودة الى لبنان" والتسليم بشرعية الدولة وتجنب خطر العودة مجددا الى الاقتتال الداخلي.

مارس دور العقل المفكر، وضابط الايقاع، والضمير الساهر لقوى 14 آذار. ولم يتوان عن رفع الصوت محذرا ومعترضا يوم بدأ مسلسل التنازلات والمساومات. لم تبهره السلطة ولم يكترث للمناصب، باستثناء انتخابه مرة واحدة نائبا في البرلمان عام 2005 ليعود الى موقعه الذي لم يغادره بحثا عن التواصل ونسج خيوط الحوار...   

شخصية قوية، دمث الخلق، متواضع. ساحر في لغة الاقناع، وبارع في توليف استخلاص للنقاش. براغماتي في السياسة، حازم في الثوابت ومتقن في التحقيق المتدرج للهدف. ظل حاضرا دوما في صلب اللعبة السياسية من دون ان يصبح واحدا من السياسيين التقليديين المحترفين. همهه الأساس طوال سنوات ما بعد الحرب كان التوفيق بين شرطي عقد الاجتماع الصيغة اللبنانية، المواطنية والتعددية الطائفية. اي حق الافراد في التمتع بحقوق المواطنة الكاملة من خلال دولة القانون والمؤسسات وحقوق الانسان، وحق المجموعات الطائفية في الاطمئنان الى حضورها ودورها في تقرير القضايا المصيرية "المؤسٍسة" لفكرة الكيان اللبناني.  

لم يعرف يوما الاحباط، ولم يتسلل اليأس الى قلبه. لكل مرحلة تصورها ولكل مشكلة مخارجها. كان "حيوانا سياسيا" بارعا، ومفكرا يتقن لغة المثقفين ولغة الأميين أبناء القرى، و"عصبيا زغرتاويا" محببا في بعض الأحيان. ما مكنه من ان يكوكب حوله من كل الاطياف، والاعمار، والطوائف، والمناطق. حزب سمير فرنجيه؟ أبدا، لدرجة انه من شدة نفوره كان يؤنب من يتجرأ على طرح مثل هكذا فكرة او يحتال على طريقته بالتنصل من اي اقنراح يشتم منه رائحة تنظيم.

 بكلمات شديدة البلاغة اختصر المثقف الكبير عباس بيضون رحيل سمير عبر "تغريدة": "انه الفكرة اللبنانية الناصعة. نودعه لان هذا النموذج لن يعود، وهذه البلاد لن تنجب كل يوم سمير فرنجيه، ولأن الوطن يزداد ضعفا برحيله. لبنان والحياة لا يستحقانه، والموت أيضا... خسرناك"!

تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر