الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الجمعة 17 اب 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-04-12الكاتب:المصدر:جريدة الحياة « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 سمير فرنجية ينسحب - علي رباح
 
عدد المشاهدة: 207
كان أنيقاً في مماته تماماً كما عاش حياته السياسية.

على أطراف أصابعه انسحب سمير فرنجية بهدوء من الحياة عن عمر ناهز 71 عاماً بلا ضجيج.

استسلم أخيراً لمرض أصابه، بعدما قاومه ببسالة لأكثر من 10 سنوات، كما استسلم الوطن في مواجهة أمراض الطائفية والمذهبية والوصاية وغيرها.

سمير فرنجية، أحد قادة الاستقلال الثاني ونجل حميد فرنجية، أحد رجالات الاستقلال الأول، لم يعرف اليأس يوماً. شعاره الأمل في عز الأزمات. يصمت أحياناً في زمن القرقعة الجوفاء، لكنه في الوقت المناسب ينهض مجدداً ليبادر. تنقل من مبادرة إلى أختها بلا تعب وعينه على لبنان السيّد، الحرّ، المستقل. ساهم ابن شقيق الرئيس سليمان فرنجية، عام 2001 مع مجموعة من السياسيين في تأسيس "لقاء قرنة شهوان"، الذي عرف بمعارضته الشديدة للتمديد للرئيس الأسبق إميل لحود، وبمطالباته المتواصلة بخروج الجيش السوري من لبنان. وفي عام 2014، شكل إلى جانب مجموعة من المستقلين المجلس الوطني لـ"14 آذار" بعد الوفاة السريرية للأمانة العامة لتلك القوى، وبعدما فقدت تلك المجموعة السياسية القدرة على المبادرة، وانفضّت مكوّناتها عن الهدف الذي نشأت من أجله. وما بين المبادرتين، كانت انتفاضة الأرز في 14 آذار 2005 وكان سمير فرنجية أحد صنّاعها ثم طبيبها الذي حاول معالجة أزماتها اللاحقة.
خاض فرنجية الانتخابات النيابية عن المقعد الماروني في الدائرة الثانية قي شمال لبنان مرتين، عامي 1996 و2000، لكن الحظ لم يحالفه، أو ربما أوعزت الوصاية إلى الحظ بألا يحالفه. لكنه فاز في الانتخابات النيابيّة المعمّدة بدماء شهداء سنة 2005. إلا أن الخلافات بين قوى 14 آذار على المقاعد شمالاً انتهت بانسحاب فرنجية من الانتخابات مفضلاً المصلحة الوطنية على المصالح الفئوية.

شغلت "14 آذار" جانباً واسعاً من وجدانه وحديثه. فهو لطالما أقر وبجرأته المعتادة، بفشل تلك القوى في تحولها إلى كتلة سياسية عابرة للطوائف، على غرار ما كانت عليه الكتلة الوطنية والكتلة الدستورية منذ أكثر من نصف قرن.

وفي الشهور الأخيرة من حياته، تحرر من اللحظة الأولى الضائعة في 14 آذار، وبات يرى جمهور ساحة الشهداء مصاباً بالإحباط، ما دفع الشارع إلى البحث عن أساليب أخرى للتغيير بعيداً من الأحزاب. فجاء الحراك المدني من صلب هذا الجمهور المتمرّد على أحزابه والسلطة، وكانت تظاهرة 29 آب الشبيهة بروحية 14 آذار، كما قرأها فرنجية. ورغم كل حالات الشيطنة التي تعرض لها الحراك المدني، إلا أنه كان يردد: "فليأخذ الشباب فرصته.. من المبكر محاسبة حراك يحتاج إلى وقت لتبيان مساره".

قاوم كل أشكال الطائفية والمذهبية، كما قاوم المرض العضال. انتقد الأحزاب المسيحية والإسلامية التي تستعيد مقولات قديمة، وتستنفر شارعها على قاعدة "يا غيرة الدين" والخطر والأمن الذاتي وحقوق المسيحيين والمسلمين والشياطين. أمعن في انتقاد "التقوقع المسيحي" ضمن شعارات الوحدة المسيحية والحفاظ على الحقوق والقانون الأرثوذكسي وغيرها، ورأى أنه كان من الأجدى بالثنائي المسيحي (سمير جعجع- ميشال عون)، أن يُدخل في ورقة النيّات الموقعة بينهما بنداً أساسياً، هو العمل على منع أي فتنة سنية- شيعية، لأن وقوعها يعني نهاية المسيحيين والبلد. كما أشاد فرنجية في أكثر من مناسبة بالحوار بين تيار المستقبل وحزب الله، الذي يعدّ بنظره أمراً استثنائياً في العالم الإسلامي.

آخر اطلالاته العامة كانت عام 2016، إذ كرم في قصر الصنوبر بدعوة من السفير الفرنسي ايمانويل بون، الذي وشّحه بوسام الشرف الفرنسي من رتبة كومندور باسم الرئيس فرونسوا هولاند.

رحل أحد آخر العقلاء في جمهورية الجنون. رحل وهو يطالب باستخلاص العبر من تجاربنا السابقة، وبقراءة أسباب حروب المنطقة ونتائجها، وبإعادة النظر في التنوع المذهبي والطائفي والعرقي والإثني واللغوي، وبتفعيل فكرة المواطنة المشتركة، وبقرار العيش مع الآخر لا وفق منطق التغلب على الآخر، وبإزالة صيغة الجمع "نحن وهم" من ثقافتنا واستبدالها بصيغة "أنا وأنت". وبتحقيق كل ذلك يمكن للبنان أن يصير نموذجاً يحتذى به في عالم ومجتمعات باتت تبحث عن السبل لانهاء حروبها وانهياراتها.

مات سمير فرنجية في أسبوع الآلام، فيما لبنانه يسير على درب الجلجلة، والمجلس النيابي معلّق على صليب التمديد.. فهل ستشهد روح الراحل على قيامة الوطن الذي أحب، أم سنكون قريباً شهوداً على دفن لبنان كما سنشهد غداً على دفن سمير فرنجية؟

تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر