الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأربعاء 23 أيار 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-04-13الكاتب:المصدر:جريدة المستقبل اللبنانية « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 الهادئ..المتواضع..المقنع - جليل الهاشم
 
عدد المشاهدة: 185
ذات يوم من عام 1979، وكانت بلدتنا تعيش أحداثاً دموية مؤلمة وسط أتون الحرب اللبنانية التي كانت في أشدها، دبّر لي أحد الأصدقاء لقاء مع سمير فرنجية، علّنا نجد لديه وساطة ما لدعمنا في ما كنّا نكابده في المواجهات الدامية التي كانت بلدتنا مسرحاً مأسوياً لها.

قصدته بصحبة المحامي سليمان سليمان، المسؤول الإعلامي في الحركة الوطنية آنذاك، وكلّي أمل بأني سأجد لدى ذلك الثائر الذي كنت قد سمعت به وعنه ولم يسبق أن التقيته، الدعم الذي كنت أرتجيه، نظراً إلى الخط السياسي الواحد الذي كان يجمعنا. وجدتني في حضرة رجل أسرني هدوؤه وتواضعه ومنطقه المقنع وإحاطته الشاملة بالظروف التي تعيشها البلاد، والتي تنعكس أحداثاً دامية تقع ضحيتها مناطق لبنانية مختلفة، ومن بينها بلدتي العاقورة وبلدته زغرتا في صراعهما مع حزب الكتائب آنذاك. للوهلة الأولى خذلني ما سمعته منه، فقد كنت أتوقع أن أنال منه الدعم لشدّ أزرنا في صراعنا، فإذا به يطرح علينا البدء باتصالات مع الفريق الآخر لتجنيب بلدتنا إراقة الدماء والاعتبار من الأحداث الماضية التي سبق وعاشتها بلدتانا في عام 1956. والمفاجأة الثانية، أننا فيما كنا نمنّي النفس بثورة تطيح النظام القائم، فإذا به يطرح علينا الوقوف إلى جانب الشرعية في لبنان من أجل وضع حدّ للحروب التي كان يستشرف عبثيتها منذ ذلك التاريخ. ولم يملك أمام انفعالي الحاد في الدفاع عن صواب النهج الذي تنتهجه القوى الوطنية آنذاك سوى أن يقول لي بهدوئه المعهود وابتسامته اللطيفة: «إعقل يا شب». بعد تلك الجلسة جمعتنا صداقة متينة وعلاقة سياسية وفكرية لم تنقطع يوماً.

قبل الإجتياح الإسرائيلي عام 1982، وكنت قد انتقلت إلى الإقامة في بيروت، أذكر أنه في ذلك العام قام هو ورفيق دربه وليد جنبلاط بزيارة إلى أوروبا والولايات المتحدة، وبعد عودته التقيته وسألته عن الأوضاع فأجابني بأن صيفاً حامياً في انتظارنا ونصحني بمغادرة بيروت إلى الشمال، والأفضل لو أتدبّر لنفسي منحة تعليمية في روسيا أو إحدى دول الاتحاد السوفياتي.

عملاً بإشارته انتقلت إلى الإقامة في الشمال لكن بعد الإجتياح الإسرائيلي، وحين وضعت حرب الجبل أوزارها، طلبني للعمل في مجلة «الشمال» التي كان يُصدرها وأشار على الزملاء بمساعدتي على التدرج في هذه المهنة التي كان يعشقها.

عام 1987 التقيناه في منزله في إهدن ولم يكن شيء يوحي بأن الحرب اللبنانية قد تشهد نهاية قريبة. يومها قال لنا: الحرب انتهت وما الأحداث التي تعيشها بيروت الغربية والصراعات المسيحية - المسيحية في المناطق المسيحية سوى ذيول لتلك الحرب، فثمة اتفاق سياسي سيبصر النور قريباً ويضع حداً للحرب ويُدخل لبنان مرحلة السلام. سألناه عن ضامن ذلك الإتفاق سياسياً، فأجاب: هناك بطريرك استثنائي لدى المسيحيين قادر على تبنّي هذا الاتفاق وتسويقه وإنقاذ ما تبقّى من الوضع المسيحي المتهالك.

الحوار كان مبدأ سمير فرنجية الذي لم يحِد عنه يوماً. بعد اتفاق الطائف والمقاطعة الشاملة للمسيحيين لانتخابات عام 1992، كنّا في عداد الفريق الصغير الذي لا يتعدّى الثلاثين شخصاً الذي عقد اللقاء الأول في سيدة الجبل وأصدر وثيقة سياسية تصحح مسار تطبيق الطائف، باعتبار أن هذا الاتفاق هو خشبة خلاص للبنانيين جميعاً.

شارك سمير فرنجية في انتخابات 1996 فواجه حرباً شرسة من سلطة الاحتلال السوري وأدواته المحلية التي مارست شتّى الضغوط لمنعه من تشكيل لائحة مكتملة. خلال تلك الفترة كان يخضع للعلاج الكيميائي لكن ذلك لم يمنعه من خوض الانتخابات بهمّة لا تعرف الكلل ويتنقل بين مختلف مناطق الشمال، وكان الشمال يومها دائرة انتخابية واحدة، واصلاً ليله بنهاره. وصبيحة الإثنين التي تلت يوم الانتخابات قصدت مستشفى «أوتيل ديو» للإطمئنان إلى صحته، كان قد خضع لجلسة علاج بالكيميائي لا تزال انعكاساتها ظاهرة عليه، لكن ذلك لم يمنعه من تخصيص ساعة كاملة للزملاء في صحيفة «النهار» فضح فيها ممارسات الأجهزة السورية وأتباعها في الانتخابات، وكانت مادة دسمة لافتتاحية الصحيفة يومها. قلت له بعد انتهاء المقابلة عليك بالراحة بعد كل هذا الجهد، فأجابني: أنا أقوى من المرض وأقوى من العلاج الكيميائي فلا تخف يا عاقوري.

عام 2005، وبعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري وقرار الجيش السوري الانسحاب التام من لبنان، تداعت القوى اللبنانية الداعمة لسوريا إلى تظاهرة ضخمة يوم 8 آذار، والتي عرفت بعدها بقوى 8 آذار. يومها اتصل بي سمير فرنجية وطلب منّي التوجه الى صحيفة «المستقبل» ومقابلة رفيقه وصديق عمره نصير الأسعد فلديه ما يحمّلني إيّاه. سارعت الى مبنى الجريدة وكان يومها في الرملة البيضاء والخوف يتملّكني خشية الانفلات الأمني. رحّب بي البيك الآخر وحمّلني شريطاً مصوّراً ورسالة الى البطريرك صفير طالباً منّي تسليمهما باليد. كان الشريط تسجيلاً بالوقائع لدخول حشود كبيرة من الحدود السورية باتجاه لبنان عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية لمدّ تظاهرة 8 آذار بالجماهير.

بعد يومين من ذلك التاريخ كان السفير الأميركي جيفري فيلتمان والسفير الفرنسي برنار ايميه لا يزالان تحت وقع صدمة تظاهرة 8 آذار الحاشدة، ويتخوّفان من انفلات الوضع في لبنان لمصلحة هذا الفريق. فكان لقاء مع فيلمتان ومن ثم مع ايميه وقد طلب كلا السفيرين من البطريرك ثني قوى المعارضة، والتي كانت تعرف يومها بـ «لقاء البريستول»، عن تنظيم تظاهرة مقابلة في 14 آذار والاكتفاء بتحويل المناسبة مهرجاناً مركزياً محدوداً.

في تلك الأثناء وصل الى بكركي سمير فرنجية وبصحبته فارس سعيد والتقيا السفيرين في الصالون الصغير في الصرح البطريركي، ودار حوار بين فرنجية والسفيرين لم يخلُ من حدّة وكان مما قاله فرنجية لهما: «أنتم لا تعرفون شعبنا. سنتوجه إلى الضريح وإلى ساحة الحرية وسيذهلكم حشد 14 آذار». بعدها دخل فرنجية على البطريرك وتوافقا على الدعوة إلى الحشد الضخم، وهكذا كان يوم 14 آذار المشهود، يوم تحوُّل وانتصار بالنسبة إلى سمير فرنجية.

بغياب سمير فرنجية لم أخسر أستاذاً وصديقاً ورفيقاً ... خسرتُ شيئاً من ذاتي.

تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر