الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأحد 22 تمور 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-04-13الكاتب:مصطفى علوشالمصدر:جريدة المستقبل اللبنانية « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 عندما يقرّر أن يرتاح - مصطفى علوش
 
عدد المشاهدة: 200
«الحاكم اللي زهد بالملك واللذات

والزاهد اللي حكم ضد الهوى والذات

مات المسيح النبي ويهوذا بالألوفات»

 (أحمد فؤاد نجم)

أقفل سمير الكتاب على آخر الفصول الطويلة من حياته في النضال في مواجهة الغوغاء والجنون والشعبوية والتخلف. لكن ليس من السهل اختصار سمير فرنجية بكلمة مناضل، فقد تعدى ذاك السبعيني حدود النضال ليكون المفكر وسط غياب العقل والمبادر في ظل العقم والزاهد بين أصحاب الشهوات الجامحة، والمتفائل في وسط اليأس، وحتى في عز المرض والتعب، وحتى في قلب عاصفة الإرهاب التي جعلت البعض يزحفون من الخوف إلى أعتاب المتسلطين القتلة سعيًا وراء النجاة، لم يضيّع سمير البوصلة وبقي ليؤكد على أن التسلط والظلم هما منبع الإرهاب، وليقول أن النجاة من الإرهاب تبدأ بالقضاء على الظلم والفساد في الحكم.

لن يعرف سمير أنني تعلمت منه منذ أكثر من أربعة عقود كيف يمكن أن يكون العاقل خائناً لعشيرته يوم جنونها ويصمد رغم ذلك على ظلم ذوي القربى، وكيف يوصف بالكافر يوم تتعصب هذه العشيرة، ويتعنّت رغم الخطر على حياته، وكيف يصمد على الإبعاد، أو يلجأ إلى الهجرة الإختيارية على أن يذعن ويقبل بأن يسوقه حمار على رأس قافلة. كان سمير ذاك الصوت الصارخ في البرّية ضد جنون عشيرته في بدايات الحرب الأهلية. كنت مراهقًا ثوريًا في تلك الأيام ولكنني فهمت يومها من سمير كيف تتحدى الجنون الطائفي وتخرج سالمًا من التلوث به حتى ولو أصبح أشبه بوباء يجتاح غرائز كل الناس.

كان سمير يومها مع حفنة من الرجال بمثابة الدليل على أن الحرب ستنتهي، وأن منطق تصفية الآخر غير ممكن أو وارد، وأن السبيل الوحيد للإستقرار هو بفتح مساحات الحوار المبني على أساس الآذان السامعة للرأي الآخر بدل إطلاق العنان للصراخ ظنًا أن الصوت العالي يقنع أكثر من الصمت!

لقد تعلّمت من سمير أن مبدأ «العيش سويًا» له أربعة مستويات، أولها التعايش، وهو يقوم على القبول بالتسويات لأنه غير قادر على إكراه الآخر المختلف لأي سبب كان! المستوى الثاني هو التسامح، ويعني أن يسامح أحدنا الآخر على اختلافه حتى ولو ظن أنه أفضل منه أو أعقل أو أنه يملك الحقيقة دون غيره وحتى لو كان يملك وسائل إكراه الآخر ودون أية محاولة جادة لفهم الآخر لقبول اختلافه.

المستوى الثالث هو فهم الآخر كسبيل لتأمين العيش معًا من خلال المعرفة من دون أفكار مسبقة عن أسباب وشكل اختلافه وذلك في سبيل تخفيف أسباب الخلاف وعدم استفزاز الآخر حتى وعن غير قصد.

أما المستوى الرابع الذي قد يرقى إلى المثالية المطلقة فهو تفهّم الآخر المختلف على أساس عدم وجود حقيقة مطلقة يملكها فرد أو تحتكرها جماعة دون أخرى وبالتالي محاولة فهم حقيقة الآخر إلى حد وضع النفس مكانه مضافًا إليها التواضع إلى درجة الإعتذار وحتى التخلي عن الحقيقة التي نعتقدها مطلقة عندما نعرف أنها غير مطلقة، كما أنها تفترض تفهّم هواجس الآخر والمساعدة على التخفيف منها وحتى تبنّيها إن كانت مقنعة.

سمير فرنجية هو من تلك الفئة الرابعة النادرة التي تعبت فقررت أن تنام لترتاح.


(*) عضو المكتب السياسي في تيار «المستقبل» 
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر