الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الاثنين 23 نيسان 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-04-16الكاتب:بول شاوولالمصدر:جريدة المستقبل اللبنانية « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 تَرَكَ شمساً وراءه - بول شاوول
 
عدد المشاهدة: 164
بعد جلجلة المرض الطويلة، بآلامها وانتكاساتها، هل استراح سمير فرنجية في محطته الأخيرة؟ تكاد لا تصدق أن هذا المناضل الكبير يمكن أن يلقي سلاحه، أو يصيبه كلل، أو يستكين على طمأنينة، أو سكون، أو قبول.

هكذا استبد به حلم الخروج الدائم من الدوائر المغلقة بالتقاليد، ومن الأمكنة المُحاصرة بجدران الثبات، وبإلزامات الأواصر العائلية؛ كاد الأفق نفسه يضيق به: ففضاؤه قصيّ، ربما أقصى من أعماره الكثيرة. إنه الخارج دائماً إلى ما يشبه قلقه، وما يستنفر تمرّده، وما يستعذب طرقاً مجهولة، بين مشقات التغيير، وتجاوز النظم «القدرية»، فينضم، بشغفه، إلى ما اختاره منذ تباشير وعيه الأول: ابن الزعيم الكبير حميد فرنجية، يفتح باب منزله، ويغادر، تاركاً وراءه ما لم يأسف عليه، إلى حيث مواكب «الثورات» والحرية، والديموقراطية. هكذا عرف قوة اختياره. هكذا حمل اختلافه عن محيطه التليد وسلك الطرق التي ما زالت طرية، ذلك أنه ضاق بالأحضان العائلية، والطائفية، والإقطاعية، والعصبيات، وتقديس المنظومات الموروثة، وضاقت به. وقف أمام رعيان بلاده وبلدته وقال لهم وداعاً. محا دمغته القطيعية. وراح حراً يغتسل بماء الأفكار الجديدة. القديم لمن يصطفيه والجديد لمن «يخون» هوياته «الهاذية» القاتلة، صنيعة العنف، والمجازر. فسمير عايش في شبابه عنف الصراعات بين القبائل والعائلات والأحزاب التقليدية. إنه «الخائن» إذاً فلنرجمْهُ. إنه فقد هويته «اللبنانية»، فلنلعنه. إنه «رفض» «المقدس» الطائفي فلنكفره... 

لحقته «اللعنة» الأولى كألوف الشباب الذين رموا ما أورثوا ودخلوا في محراب التغيير. إنه «شيوعي»! فلماذا يبقى بيننا؟ إنه يساري فليس له مكان بيننا. وهكذا وسط هذه الرجمات، شق طريقه، وخرج، إلى المدينة: بيروت. طالباً في «مدرسة الآداب العليا» حيث التقى مَن التقوه في موسم الخروج إلى أحلام أخرى: الوطن ليس قرية. ولا منزلاً. ولا زعيماً أبدياً. ولا عميد عائلة. ولا عادات ممجوجة. الوطن أكبر من قبائله الإقطاعية والدينية والمذهبية. لبنان هو للتغيير، وليس للمصادرة الأبدية، ولا للمجتمعات «البطريركية». أنا الفرد، انتج فرداً، وأنمو حراً بفرديتي. وهناك في «مدرسة الآداب» التقى مارون بغدادي، وأمين معلوف.. وهناك تعمّد بماء جديد: اليسار. النضال من أجل التغيير. النضال من أجل بلد آخر، لا يصنعه سوى اهل الاختلاف، والأفكار.

شارك سمير في منتصف الستينات في تظاهرات سياسية، واجتماعية، (ونقول إن المجتمع اللبناني الشبابي كان في طريقه إلى الحرية)، وواجه قمع السلطة. وكان رفيقاه المخرج الراحل مارون بغدادي، والكاتب الكبير أمين معلوف، وسواهما، في الساحات والميادين، مفتتحين، أو ممهدين للثورة الطالبية في الجامعة اللبنانية (بعد إنشاء الاتحاد الوطني لطلابها) في بداية السبعينات.. لتلتقيهم هناك، جحافل الحركة الطالبية، المتعددة الانتماءات، والتوجهات، كأنما كان عند كل واحد من هؤلاء، حلمه الكبير أو الصغير أو المتواضع.. أو المستحيل: من تغيير النظام الطائفي والاقتصادي، إلى تطوير الجامعة اللبنانية؛ عاش هذه النضالات، مع عشرات الألوف من زملائه، ومن القيادات الطالبية: نصير الأسعد، حكمت العيد (منظمة العمل الشيوعي)، عصام خليفة، انطوان الدويهي (الوعي) وميشال سماحة كتائبياً (قبل أن ينزل إلى الجحيم)، وأنور الفطايري (الحزب التقدمي)، وكريم بقرادوني (في اليسوعية)، والياس عطالله (شيوعي) وسمير عبد الملك (كتلوياً)..

كانت بؤراً حزبية ونقابية وثقافية وسياسية متفجرة، حطمت قيوداً كثيرة. وهنا اجتمع له أن يعايش هذه التجربة الطالبية، بكل جدية، لكن من موقع التزامه «منظمة العمل الشيوعي» (محسن ابراهيم)، كيسار جديد في مواجهة «الحزب الشيوعي» (الرسمي). عالم جديد شارك في صنع سمير فرنجية، وشارك في صناعته: يسار تقليدي متهم بالتواطؤ مع السلطة، وإصلاحي، مقابل يسار جذري يريد أن يغير البلد كله. فالأحلام في ذلك الزمن كانت أكبر من حامليها، والشغف أوسع من أصحابه، وجنون التحديث أرحب من مجانينه الرائعين: كانوا هم شعراء تلك المرحلة: كأن كل مظاهرة تنزل سلمية، بعشرات الألوف، قصائد بشرية صوتية، ولونية، وجسدية، لا شيء يتسع لحدودها..

سمير في صُلب الحلم، وفي مهباته، وتناقضاته.. ويوتوبياته.. وايديولوجياته: إنها المرحلة الايديولوجية التي تحسب أن كل ما تحلم به سيتحقق، وكل ما يُقرأ من فوق يطبق على الأرض، وكل نظرية طالعة، صالحة لبناء عالم جديد. لكن، كنا جميعاً، في السبعينات، نتظاهر في الشوارع، وتحتنا، في الجوف، وداخل الأنفاق، تتهيأ الحروب. فهل خُدعنا؟ هل أسكرتنا كلماتنا، وصرخات «الحرية» و«الديموقراطية» و«المساواة» وحركة التاريخ، والعروبة.. فلم نرَ الجحيم التي كانت تُحفر تحت أقدامنا!

] الآتي

لم نستشعر الآتي بكل بساطة، ولم نعرف أن هؤلاء الذين يتظاهرون سلمياً، من أجل الحرية، بوسائل نضالية سلمية، ستنقلب بهم الدنيا، وبأحزابهم، وحركاتهم وتنظيماتهم، بيسارهم ويمينهم ووسطهم، بثوارهم وعلمانييهم وطائفييهم، وشعرائهم، وكتابهم، و«مفكريهم»، سينزعون كل هذه الديكورات وينضمون إلى الحرب.. «هيا إلى السلاح» على طريقة تشي غيفارا.

سمير فرنجية يكره العنف. بل دانه: هرب من العنف الذي أحاط به في طفولته، ليدخل المدينة حاملاً أغصان الزيتون والثقافة، والكتب، والنضال من أجل القضايا الكبرى: النظام، والقضية الفلسطينية، واليسار، والعروبة... والأممية!

] الانضمام

أنترك كل ذلك وننضم من جديد إلى رفضنا: حرب مذهبية بهويات قاتلة؛ كانتونات هنا وهناك. ثورة فلسطينية فاضت على حدودها المرسومة، طغاة يمولون الحروب، إسرائيل تختار فرائسها.. العالم المجنون بالأفكار والتجادلية، والحوار، والجدلية، جُن من جديد. بهذا الواقع الجحيمي، واقع اللارحمة، القتل على المنطقة، وربما اللون، واللهجة، والتذكرة. أف؟ أينخرط اليسار في حرب مذهبية؟ أيتوحد اليسار في هذه الحرب «اللا أهلية»! أيشارك في صنع خطوط تماس، وشرقية وغربية؟ أف! هذا ما هزّ سمير. خاف! من أين جاء كل هذا العنف؟ أين كان يختبئ؟ لم نره في شوارع المدينة، ولا في الجامعات، ولا في المقاهي، ولا في المكتبات: وحوش طلعت من شاشات بيضاء، من كائنات تُركت لمصائرها المجهولة.

] الخروج الثاني

هنا بالذات، كان على سمير فرنجية أن يُهيئ لخروجه الثاني خصوصاً عندما تعرضت المقاومة الفلسطينية، والمقاومة الوطنية، لضربات إسرائيلية، لتليها أخرى، دبّرها النظام السوري، فكانت الحرب المُعلنة في تل الزعتر، وحرب المخيمات، والشمال، وصولاً إلى طرابلس، حيث ودع عرفات أمكنته ومتاريسه.. وخرج من لبنان «ذاهباً إلى فلسطين» (على حد قوله).

صِفر الأيدي. صِفر الأحلام. التهاوي، والتساقط، ثم البدائل: مقاومة مذهبية إيرانية، (تدعمها سلالة الأسد)، تحل محل المقاومة العلمانية الوطنية (الحزب القومي السوري الاجتماعي. منظمة العمل الشيوعي، الحزب الشيوعي)، لتتعمق بعدها اللغة المذهبية، لإقطاعيي الحروب وأمرائها: أي كل ما هرب منه سمير في شبابه، وكل ما صنع كوابيسه: العنف المكبوت، النفوس المستذلة، تحول لبنان سجناً كبيراً. جلاداه إيران والبعث. لا انتصار عسكرياً، ولا فكرياً، ولا سياسياً، ولا تغييرياً: عادت الحشرات إلى المستنقعات.

] المراجعة

هنا بالذات، عرف سمير فرنجية، أن عليه ممارسة مراجعة ذاتية لهذه التجربة؛ هنا، شاكل بين السلاح وبين المسار، بين الثورة الاجتماعية الشاملة، وبين النضال السلمي، بين العلمانية المطلقة، وبين الدخول في تلابيب التكاوين السائدة، الطامحة إلى السيادة، والتخلص من الاحتلالين: ولاية الفقيه وولاية «آل الأسد» المذهبية.. وهنا بالذات رأى أن اختياره يكون في مقاومة شعبية مضمرة، اشترك فيها مع السياديين من كل الأطراف: مَن تبقّى من اليمين، ومن اليسار.. وما تبقّى من عزّة بعض المجتمعيات الطائفية في «البريستول»، و«قرنة شهوان»، والتقى وليد جنبلاط (ابن الذي اغتاله حافظ الأسد). أي كمال جنبلاط وثم الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فالبطريرك صفير، «بطل التحرير».. هل عاد إلى المربعات التي رفضها؟ هكذا اتهمه البعض بخيانة «مواقعه» اليسارية، والوطنية، وكدت أكون واحداً منهم، جاهلاً آنئذٍ المعاني التي تختزنها مثل هذه اللقاءات. إنه في قلب ثورة جديدة من نوع آخر، تطلع من مطالب الناس (الثورات القديمة كانت تُملى على الناس)، ومن عذاباتهم، ومن كراماتهم المهددة، وذلهم المعلن.. بدأت ريح أخرى تهبّ على سمير العقلاني بامتياز، جوهرجي «الحوارات»، ومهندس تجاوز الخلافات.. هنا، بالذات عرف سمير أنه لا يمكن التعاطي مع الوصاية السورية سوى بمواجهتها، لا بسلاحها، وسلاح حزب إيران، بل بسلاح الشرعية، بسلاح الوطنية، وانصهار المجتمعيات الرافضة كلها، وشحن الناس بما كان في دواخلهم: الحرية، الديموقراطية، لبنان للبنانيين، لا للنظام البوليسي.. المحاور «المعتق» برز: من قرنة شهوان، إلى البريستول، إلى وليد جنبلاط إلى رفيق الحريري، إلى الكتائب، وميشال عون، والقوات اللبنانية، والجمهور الواسع، أحست الوصاية السورية بأن الأرض تزلزل تحت أقدامها، وأن سياسة التفريق، والكراهية بين الأطراف، والاغتيالات، والتهديد بحرب أهلية.. تُقابل بوحدة شعبية متراصة.

] التراجيديا

لكن التراجيديا الكبرى وقعت: اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في وضح النهار، بلا خوف، أو وَجَل أو خجل. دقت ساعة الظهر، فتفجرت سيارة الحريري بطنّ من المتفجرات. «انتهت اللعبة»، غادر الخوف، بزغت الشجاعة في صدور اللبنانيين: وكان لسمير فرنجية في هذه المرحلة، أن يكون السلك الجامع للمحاور بذكاء وحسابات دقيقة، بين القيادات: وكانت الصرخة الأولى التي أطلقها: إعلان الثورة الشاملة ضد السوريين، والمطالبة بخروجهم من لبنان، ومحاكمة القتلة؛ التظاهرة المليونية فعلت فعلها، وتصدرت صور الضباط الأربعة، وبشار الأسد، التظاهرات. إنها المعركة الكبرى: معركة السيادة، والحرية، والاستقلال الشعبي الثاني (بعد الاستقلال الأول أيام بشارة الخوري ورياض الصلح).

التمع هنا سمير وَتَجَوهَر، وبدا أنه، إلى جانب كونه مفكراً، (وايديولوجياً سابقاً)، فها هو رجل سياسي، من طراز جديد ورجل دولة، وقائد شعبي وكيميائي في صوغ المواقف، والمواقع. وها هي الثورة تنتصر وتخرج جيوش «آل إسرائيل» البعثيين من لبنان: تحررت الشوارع المحرّمة للمرة الأولى منذ نصف قرن، ملأ هواء الحرية الصدور، وضوء الديموقراطية العيون.

وعلى هذا الأساس حاول سمير بعقل استراتيجي أن يحافظ أولاً على هذه الحشود فلا تتشرذم، وثانياً، أن يحول دون تفتت هذه التحالفات الحزبية والتي شاركت في الانتفاضة: خرج ميشال عون إلى فلك الثامن من آذار: أول هزّة لـ14 آذار، لكنها تجاوزتها في تحركاتها. أتتفكك كل هذه الجماهير؟ أيعود كل حزب إلى «مثواه» الكانتوني، أتهزم طموحات السلطة، ما انتصرت به على الوصاية؟

بدأت لعبة ثانية: بقي سمير إلى جانب الرئيس سعد الحريري، وحاور «حزب الله»، والكتائب، والمجتمع الدولي. مدّ جسور السياسة المهددة المتبقية.. وكانت الانتخابات النيابية بفوز قوى الاستقلال (وهو فيها)، ثم الحكومة الاستقلالية الأولى برئاسة سعد الحريري.. ثم الانتخابات الثانية لتُهزم فيها 8 آذار..

أترى هل يمكن أن تفعل طموحات السلطة ما فعلته الوصاية السورية؟ «حزب الله» بسلاحه يهدد ويُتهم بقتل الحريري ورموز 14 آذار. القتل إذاً. ويصرخ سمير لا لمجاراتهم. الحزب الإلهي وحلفاؤه يستدرجونهم إلى حرب مدمرة: الحوار إذاً. امتصاص عنف هؤلاء، محاولة استيعاب خططهم للاستيلاء على لبنان.. وضرب مكونات الدولة، والجيش، وقوى الأمن والقضاء: حافظوا على ما أنجزتموه بالطرق السلمية، وباللقاءات، وبالتضحيات.

لكن تفرقت 14 آذار، وقع بعض الأحزاب في النرجسية، ورسم كانتونات (وصولاً إلى القانون الأرثوذكسي)، ومحاصصة نفعية. أترى انتهت 14 آذار؟ هذا ما راح يدور في سرائر سمير. لكن لا! بالحوار المجتمعي، والسياسي، والمطلبي، يمكن إفشال حزب إيران.. صحيح أن 14 آذار لم تُكمل الدرب معاً، لكن الدولة أمامها، والاستقلال أمامها، والديموقراطية أمامها، والعروبة أمامها، ولا يمكن أن تنعدم ثورة بكل أفكارها، وأحلامها: فهي بذور تنام في باطن الأرض، ثم تنفتح في أوقاتها.

ويبتسم سمير رغم خيبته: ألم تكن ثورة الأرز أم «الربيع العربي» من تونس، إلى مصر، فليبيا، فاليمن.. فإذا كانت كذلك، فيعني أنها وضعت فاصلاً بين الشعبية، وبين ما يُسمّى اليوم «الشعبوية»: الإرث الشعبي لنا، والشعبوي لمَن يخربون دولهم (أو دول الآخرين)، ويفسدون ديموقراطيتهم، ويقضون على استقرارهم.

إنه سمير فرنجية غادرنا ولم يغادرنا، ترك مع سواه هذا الارث لنا، الإرث الذي لا يُباع ولا يُشترى، ولا يُسلع، مهما أطبقت عليه الأيدي السوداء، الملطخة بدماء الثوار في سوريا، والعراق، واليمن، والشهداء في لبنان.

نظر سمير من هوة مرضه وربما ابتسم، من ترى سأحاور بعد اليوم. في طريقي إلى الخروج الأخير: ربما الموت. ربما العدم. ربما الذين شاركهم في أحلامهم الكبرى، بنضاله، وكتبه، وكتاباته، وأفكاره، ونزعته إلى الحوار، والعقلانية، والتغيير الهادئ.

رحل سمير فرنجية مُقاوماً، كما بدأ، وعنيداً كما استمر، ومواجهاً كما عهدناه.. إنها مقاومة المرضين: السرطان الجسدي، والسرطان الفكري!

رحل تاركاً لنا شمساً وراءه.
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر