الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الجمعة 19 كانون ثاني 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-04-13الكاتب:انطوان قربانالمصدر:جريدة النهار اللبنانية « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 أفول النخب - أنطوان قربان
 
عدد المشاهدة: 101
عام 1898، دشّن مقال إميل زولا "إنّي أتهم"، الذي دافع فيه عن دريفوس، حقبةً يبدو أنها لم تدم طويلاً. يُجري ريجيس دوبراي، في كتابه الأخير "المثقّف الفرنسي: التتمة والنهاية" (I.F. suite et fin)، جردة قاسية عن عالم هذه الشخصيات التي لطالما كانت موضع احترام، غير أن التزامها تحوّل "تهريجاً كئيباً". ما ينتقده دوبراي، وما انتقده كثرٌ قبله، ليس مكانة المثقّف الكوني أو موقعه، بل تحوُّل الأخير صحافياً أو خبيراً في اختصاص معيّن. لقد أدّت الثورة الإعلامية والمعلوماتية حرفياً إلى زيادة آثار هذا التحول أضعافاً مضاعفة. 

مثقّف الأمس، ذو الروح الإنسانية والكونية، الذي يتمتع في الوقت نفسه بالموهبة الأدبية والسلطة المعنوية، ويحافظ على هامشية كافية إزاء الاضطرابات الاجتماعية، وينخرط في نقاش الأفكار، ولا ينكفئ أمام أي موضوع يتعلق بالبحث عن الخير العام؛ هذا المثقف لم يعد له وجود. وقد حلّ مكانه مقدِّم البرامج الحوارية، والخبير في هذا المجال أو ذاك الذي يتبختر على الشاشات، وأقطاب مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك العديد من الشخصيات الأخرى في مشهد الحداثة البرّاق. في هذا التطور، فقدَ المثقّف هالته المعنوية. يُعرَف الخبير بمعارفه. أما المثقّف فيُعرَف بحكمة آرائه. عالم الخبراء غابة غريبة إلى حد كبير. ينتمون إلى ما نسمّيه "النخب"، وهو مصطلح مبهم جداً، لكن يبدو أنه يُحيلنا إلى نوع من الطبقة أو النادي المغلَق حيث يحكم المال كل شيء، وصولاً إلى المثقّفين. المثقّف، بوصفه عضواً في النخب، هو جزء لا يتجزأ من الإستابلشمنت. يبدو أن طابعه الشخصي يذوب في طابع المنظومة القائمة أو الشبكة التي يتحرك في صلبها.

على هذا الأساس، ترى الموجة الشعبوية الحالية في هذه النخب وهؤلاء الخبراء خصماً مفضّلاً. لا يتعلق الأمر هنا بتعبير ما عن النضال القديم للطبقات. فشعبوي القرن الحادي والعشرين ليس خليفة العامل - البروليتاري في الزمن الغابر. يمكن أن يكون أشخاص من أصحاب المليارات أبطالاً للشعبوية. دليلٌ على ذلك بعض كبار الشخصيات في إدارة ترامب أو مغامرون من استفتاء "بريكسيت"، لا بل بعض الشخصيات المرموقة في اليمين المتطرف في الحملة الرئاسية الفرنسية. ماذا يُجسّد هذا التيار في سياق عالمٍ توجّهه مختلف أنواع الشبكات حيث الإكراه حرب مخملية، وحيث الحرية لم تعد حكراً على الشخص البشري، بل هي أولاً حرية تنقّل البضائع، وحيث يُنظَر إلى المال باعتباره مادّة أولية وليس قيمة تبادلية؟ في مثل هذا الكون، ليس مثقّف الأمس سوى إحدى عجلات المنظومة. ليس سوى صوت بارز في الحاضرة التي تختفي شيئاً فشيئاً. في قلب الانفجار الإعلامي، هذا الخبير - المثقّف هو على الأكثر بمثابة عقدة أو محطة ترحيل لشبكاتٍ لا يملك المستهلك البسيط - لم نعد نجرؤ على الكلام عن مواطن - أي سيطرة عليها.

عبر مهاجمة النخب، تهاجم الشعبوية إستابلشمنت معيّناً، ليس باسم الخير العام، إنما فقط باسم ممارسة السلطة في قلب الشبكات. يحدث كل شيء وكأن "المدينية" هي العدو الذي يجب التخلص منه. مثل هذه الاندفاعة الغريزية بربرية.

لسوء الحظ، لا بد من الإقرار بأن "المثقفين" و"قادة الرأي" مسؤولون إلى حد كبير عن هذا الوضع. فقدوا طموحهم بأن يصبحوا فنّاني الكلمة، أسياد الفكرة الواضحة، مؤيدين من دون قيد أو شرط للالتزام الأخلاقي لمصلحة الكرامة البشرية، ومتحدّثين باسم الحاضرة. لقد أصبحوا "اختصاصيين في الميديولوجيا" أو علم وسائل الاتصال والتواصل، يتغذّون من الضجة الإعلامية. يبدو أن العقول التي توصَف بالإيجابية، ترضخ؛ وتستسهل الانخراط في اللعبة. ففي مختلف الأحوال، يمكن أن تتماهى غاية الحياة تماماً، ليس مع المنظومة المتناغمة للمدينية إنما مع الاضطراب الفوضوي للجزيئات التي نتكوّن منها.

يحترس الشعبوي من هذه النماذج التي تُبنى رويداً رويداً بفعل قرون من النزعة الإنسانية، والتي أمكنها، بطريقة أو بأخرى، "الارتقاء بالحقيقة الكونية للأنا": الإنسان النزيه، الثوري، العالِم، المرسَل، المكتشِف الشجاع، إلخ. لا شك في أنه من الأفضل أن يكون المرء ذا شعبية واسعة، أو خبيراً ناجحاً، أو مهرّجاً تلفزيونياً. لقد تزامن ظهور هذه الشخصية الغريبة، شخصية المنشِّط الثقافي، مع "اضمحلال أنماط النقل... والفراغ الفكري للنخب الاجتماعية".

نفهم لماذا يستطيع شعبوي، متشدّق في الكلام، أن يؤكّد من دون أن يرفّ له جفن: "ما أقوله صحيح لأنني أنا من أقوله. إذا لم يكن ما أقوله يعكس حقيقة وقائع ماضية، فهذا لا يهم. سوف تؤكّد الوقائع غداً ما أؤكّده بطريقة غريزية اليوم، إلخ.". هكذا يمكننا إيجاز المقابلة التي منحها الرئيس الشعبوي جداً دونالد ترامب لمجلة "تايم" التي ارتأت أنه من المفيد أن تنشر، على غلاف عددها الصادر في 23 آذار الماضي، السؤال الآتي: "هل ماتت الحقيقة؟"

أستاذ في الجامعة اليسوعية

ترجمة نسرين ناضر عن الفرنسية 
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر