الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الاثنين 18 حزيران 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-04-14الكاتب:المصدر:جريدة الحياة « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 عن سمير فرنجيّة السياسي والإنسان - طارق متري
 
عدد المشاهدة: 217
شغلته السياسة طيلة حياته. غير ان سمير فرنجية لم يحسب نفسه سياسيًا كما يشتهي البعض ان يكون ويحلو له ان يتفاخر بالتسمية. فما كان صاحبنا عبوساً. وما شغف بالجاه او مالَ الى الكيد. ابتعد عن احتراف الصراع على السلطة، بوصفه خناقة ليس لها آخر ومغالبة في سبيل الاستحواذ على الدولة-الغنيمة او تقاسمها. نأى بنفسه عن ليّ ذراع الوقائع كما النصوص لتنسجم مع نظرياته وتسوغ ثباتاً في الإعجاب بالذات. لم يسترح في اطمئنان الإيديولوجية في الأجوبة القطعية والأجوبة شبه-الجاهزة. اختار جانب الأسئلة التي يولد واحدها من الآخر واتخذ مواقف صحّحتها الأيام بعد تردد. افلت من حبائل الآراء الجازمة والأحكام القاسية. وبدا مهمومًا بتحرير العمل السياسي من الآفات الشائعة، بحجة الدفاع عن الحقوق المفترضة بالقوة او الحنكة، كالنفاق والعناد والإفساد وإثارة الغرائز ودفع الناس الى شفير الكراهية.

تأخذنا سيرة سمير فرنجية الى سيرة لبنان منذ ستينات القرن الماضي. لا يضيره ان تأتي متقطّعة، حسبه الا تكون مفكّكة. ذلك انه عاش حياته مراحل لا تنافر بينها، وإن استدعت انحيازات متعددة وخيارات متغيّرة وجرّت وراءها احتمالات غير متوقّعة. وظهرت جدلية الاستمرار والانقطاع في تجربة سمير، وهي مرآة لتجارب اصدقاء له من ابناء جيله، بصورة التمسك بمجموعة قيم هي في حقيقة الأمر بمثابة الأصل في الالتزام السياسي ومعها ارتضاء الواقعية في القول بنسبية السياسة، لا سيما عنما تتقاذف الناس الصغائر والصدف وتلعب بمصائرهم. لم يضف سمير فرنجية عقلانية على ما هو غير عقلاني، او على ما هو عقلاني بمقدار. وحار في أمر الهويات الطائفية، بما تحتمله من جراح نرجسية وأوهام، على رغم انه، ومنذ انخراطه في الحياة العامة، لا يشاطر دعاة توكيدها رؤيتهم للبنان. ذلك انه بحث في مواضع أخرى عن تجديد معنى بلده في دنيا العرب تحت ركام الخيبات والمخاوف والجهالات. ودعا الى المواءمة بين مواطنة الفرد ورابطة انتمائه الى الجماعة ما دون الوطنية. وبعيدًا عن التكرار العقيم في تعظيم فرادة لبنان في تنوعه، على نحو ما نشهده في الأساطير اللبنانية القديمة والجديدة، رأى الحفاظ على العيش معاً وتعزيزه كالسير بين منزلقين: السعي وراء الانصهار الوطني بعملية ارادية وقسرية اذا اقتضى الأمر والتشديد على الخصوصيات وتضخيم الفروق الصغيرة. وتطلّع الى لبنان وطناً، لا مرمى احجار طائشة او ساحة للمنازلة، يبنى انطلاقاً من قيام الدولة الواحدة والسيّدة والمنشئة في شكل مستمر جماعة متخيّلة لا تخلو من التشارك في القيم وفي الذاكرة او بعضها.

رجل حوار كان. استعان به على الانتظام والانقياد والاكتفاء. والحوار عنده ليس زينة ولا زياً، ولا مجرد تخاطب يتقابل فيه الكلام ازاء الكلام او ضده ويمهد للتفاوض او يستأخره. لم يهوَ المسايرة بل بحث مع الآخر عن مسالك جديدة، لا فرق اذا كانت طريقاً ضيقًا ام انعطافة. وأول الحوار عنده هو الإصغاء وتعليق الأحكام القيمية، ولو لحين. صحيح انه سخر احياناً وغضب احياناً أخرى، الا انه كثيرًا ما استعاد صبره وأصغى، لكبار القوم وصغارهم.

لقد شدّته الى بسطاء الناس وشدّتهم اليه مودة تلقائية فاجأت غير مرة من فرّقت بينهم خلافات السياسة والآراء المسبقة. ووثّقت المودة هذه وشائج كثيرة، مدفوعة بتواضع جم وملونة بألوان الدعابة. وبات الوصل بين الناس قضيته الكبيرة، على ما جاء تأكيده في كتابه عن «الرحلة إلى أقاصي العنف».

ومشى برفق إلى أيامه الأخيرة وكشف لخلاّنه بعض ما امتلأت به روحه. وتركنا في ذكرى صداقة طيبة لا تنفصم عراها.

* كاتب ووزير لبناني سابق
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر