الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الخميس 21 أيلول 2017
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-04-12الكاتب:غسان سلامةالمصدر:جريدة النهار اللبنانية « السابق التالي »
  الملف:غياب سمير فرنجية
 سمير فرنجية النموذج الفريد والأيقونة الحيّة - غسان سلامة
 
عدد المشاهدة: 402



















لولم يكن سليل عائلة لها في الشأن العام ما نعلم، ولو لم يكن أبوه حميد بك، ما كان سمير في حدسي ليهتمّ بالسياسة. قد لا يوافقني الرأي هذا، لا هو، ولا مَن طمح له بمنصب وسلطة. لكن سميراً بعيد عن هذه النظرة التقليدية للسياسة في لبنان، فهو في دواخله خارجها وأفضل منها. 

كانت السياسة عنده مناسبة التقاء ناس جدد، يستمع إليهم بإصغاء حقيقي، ويحاول أن يكتب في ذهنه سيرتهم، وأن يتصور مساهمةً لهم في ما كان همه الدائم، أي إنقاذ العيش المشترك. وهو كتب مؤلَّفاً جميلاً في فلسفة التعايش داخل المجتمعات المتعددة وفي أهمية تجنّب العنف الفئوي ووسائله. وقد جعل من تركيب لوائح معارفه الذين يشاركونه في هذا الهمّ، أو هو يعتقد ذلك، هواية دائمة لم تكسرها خيباته المتكررة منهم، ومن طبقة سياسية يشارك فيها بقدر كبير من المسافة النقدية. وسيذكر التاريخ مساهمته خلال أعوام طويلة في تهيئة ما سيصبح يوماً "اتفاق الطائف"، كما في وضع أسس تسويات عديدة بين الأطراف المتحاربين. لأن سميراً ما كان يخجل من التسويات، ولا كان معجباً بمَن يتبجّح برفضها، بل كان، على العكس، يعتبر التوصل اليها الشجاعة بعينها. كان يقينه أن لبنان ما نشأ ولن يستمر إلاّ من خلال بحث دؤوب عن أرض مشتركة بين مكوّناته. ولم يكن ذلك الرأي يوماً يعجب أبطال الإيديولوجيات الثورية، ولا هواة السعي الى الاستفراد بالسلطة، ولا المبشّرين بانتقال فوري إلى العلمانية المطلقة. وكنت أشعر أن ذاك التعلق المتأصل بالوفاق الداخلي جعله لا يقبل بانقسام اللبنانيين الى يومَين متناقضَين من شهر آذار إلا على مضض. وهو، وإن تحوّل في سنواته الأخيرة الى رمز لواحد من ذينك اليومين، فقد استمر يرنو إلى زمن يخرج فيه لبنان من تلك الثنائية العقيمة

وكانت السياسة عنده أيضاً مجالاً للتفكر. أما المناصب والوجاهة وحماية الإرث، فما كانت تعني له الكثير. لذا كان سمير قارئاً نهماً (وخصوصاً بالفرنسية) ومن درجة مميزة، يتمعن في فهم ما يطالعه، وخصوصاً إن كان في علم النفس أو في سوسيولوجيا الأديان. كان يدخل مكتبات باريس ويستطيب البقاء فيها ساعات طوالاً، ولا يخرج منها الا وقد ابتاع ما يكفي لأسابيع وأشهر، ثم تأتيك منه رسالة ضمّنها تلخيصاً لكتاب استوقفه أو اقتباساً من كاتب تعرّف إليه، مع إشارات الى سبل تفعيل تلك الأفكار كي تساهم في حماية السلم الأهلي في لبنان، ذلك الهاجس الذي لم يفارقه يوماً.

التقيتُه منذ عقود أربعة، وما انقطع حبل الودّ يوماً بيننا، بل هو استمر عصياً على غربتي وعلى اهتماماته، على تقلبات السياسة كما على مسافات الجغرافيا، على اختلاف المواقع كما على نقاط التلاقي. ولم أجد يوماً صديقاً له تلك الأناة بالإصغاء إلى بنتيَّ تحدثانه عن هموم أبناء جيلهما وعن همومهما المدرسية أو عن أفلام أعجبتهما. كان اهتمامه بالغير، مهما اختلف عنه سنّاً وأصلاً ومقاماً، اهتماماً صادقاً، وكأنه في حال دائمة من استكشاف الطبيعة البشرية من خلال حوار ممتد مع أبنائها.

لم يكن سمير مبذرا في شيء، لكنه كان ينفق القليل الذي بين يديه ثم يبحث عن سبل إيجاد مدخول يغطي إنفاقه. ولم يكن بارعاً في الحساب، لا في حساب الأخطار التي واجهها، ولا في تصوّر حظوظ النجاح في ما سعى اليه، ولا في تقدير الثروات والرساميل. لم تكن له مهنة يعتاش منها، ولا كان معجباً بالألقاب المهنية، اذ كان دأبه السعي إلى معرفة الناس من أعماقهم.

ثم أصيب بمرضٍ تكررت غزواته على ذاك القوام النحيل. واكتشفنا سميراً آخر يواجه العدوّ الذي تسلّل الى جسده بشجاعة شخصية نادرة، طفولية في بساطتها، وبطولية في ثباتها، فلم يعرف الخوف طريقاً الى ذهنه ولا بدا لنا، نحن المذعورين من وطأة ذلك الوحش، أن كلمة اليأس لها مدخل الى قاموسه. وتحوّل سمير إلى نموذج فريد لمَن حظي بالقرب منه، إلى نوع من الأيقونة الحية التي لا تفقه بحسابات الهزيمة، ولا تعرف البغضاء، ولا تهاب المحتّم. 

تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر