الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الثلثاء 22 أيار 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2017-02-19الكاتب:المصدر:جريدة الحياة « السابق التالي »
  الملف:انتخابات لبنان
 الانتخابات وانفكاك الدولة اللبنانية من إرثها التنويري - كرم الحلو
 
عدد المشاهدة: 248
الخطاب السياسي اللبناني السائد راهناً يوهم بجدية زعماء الطوائف اللبنانية في العمل على إيجاد قانون انتخابي جديد يقلب الصورة النمطية التقليدية المتوارثة للانتخابات اللبنانية، ويستجيب للشروط الديموقراطية الحداثية التي أولى سماتها الانتماء المواطني والمساواة المدنية وحقوق الانسان.

إلا أن ما هو غالب على ذلك الخطاب يفصح عن زيف الشعارات المتداولة ومخادعتها، ويشي بهشاشتها والتباسها وفراغها من مضمونها، في ظل انغلاق العقل السياسي على مقولاته الفائتة، بالترافق مع يقظة مريبة للعصبيات الطائفية والمذهبية والعشائرية التي تعود الى الساحة بزخم، فيما تُحاصَر الوجوه العلمانية الخارجة على السياق الطائفي المعهود، والمتمثلة بشرائح من المثقفين والشباب الحالمين بمجتمع لبناني جديد. فما هو مطروح عند الباحثين عن قانون انتخابي في أروقة المجلس النيابي أو خارجه، ليس الاتفاق على عقد مدني يعيد المركزية الى المواطن باعتباره أصل الشرعية السياسية ومناط الأحكام والقوانين، بل اعادة انتاج عقد طوائفي مستنفد لا يخل بالصيغة الطائفية المتوارثة، ولا يرنو الى الخروج على سلطتها وأعرافها.

أليس مثل هذا العقد المدني ما يقلق ملوك الطوائف الذين هيمنوا على القرار السياسي اللبناني منذ قرون، ولا يزالون يتطلعون الى بسط زعاماتهم على المستقبل؟ لا يفكر هؤلاء برؤى سياسية انقاذية تنتشل الاقتصاد اللبناني من محنته، وتجد سبيلاً للأجيال المقبلة للعمل والعيش. وليس مما يؤرقهم هجرة الكفاءات العلمية والشباب من كل الطوائف على السواء. يدعون الحرص على حقوق طوائفهم، والحفاظ على دورها السياسي والوطني، فيما هم في الحقيقة حريصون على امتيازاتهم العائلية وتوريثها الى الأبناء والأحفاد، جيلاً بعد جيل. الحق عندهم متمثل في «الأنا» والباطل متمثل في «الآخر» الذي ينبغي إلغاؤه واستئصاله، فيما يجري وراء هذا التعميم المخل، تغييب كل القضايا الاجتماعية والوطنية والقومية، فهذه، في رأيهم، تفصيلات عارضة ازاء ثابت أساسي ووحيد يتمثل في الإبقاء الى ما لا نهاية على المكتسبات التاريخية لنخبتهم الحاكمة الراتعة سعيدة بخيرات الوطن ومقدراته، فيما الأكثرية الساحقة تعاني القهر والعوز، ضاربة في أصقاع الأرض بحثاً عن قوت وملاذ.

بهكذا رؤى وتصورات، وهكذا مفاهيم، لا يتوقع اتفاق الزعماء اللبنانيين على قانون انتخابي حداثي يُعلي الهم الاجتماعي والوطني فوق الطائفية والعشائرية والعائلية. كما لا يُرجى خلاص للبنان من آفاته التاريخية المتمثلة في الفساد وهدر الموارد واضطراب القيم والمعايير على كل المستويات.

وما أصل الإشكال ومناطه، في رأينا، إلا أن حداثتنا السياسية زائفة، مخادعة، مفرغة من قاعها الليبرالي. إنها مظهر حداثي يثوي وراءه عقل ما قبل حداثي، آلية ديموقراطية على قاع قروسطي ما قبل مدني. فالدولة اللبنانية، كما الدولة العربية المعاصرة عجزت عن إشاعة مفهوم الدولة الديموقراطية والقانونية كإطار لتنمية مفهوم المواطنة، وتجاوز مختلف أصناف الولاءات الجزئية الى مصاف الولاء للدولة والقانون. لم تستطع استكمال بنائها المؤسسي، فكان أن أخفقت في تحقيق الاندماج السياسي والاجتماعي والتمية الاقتصادية، والعدالة في توزيع الثروة والسلطة، كما أخفقت في جعل نفسها بؤرة الولاء الكبرى للفرد والمجتمع. ما أدى الى تنامي الولاءات الطائفية والقبلية والمذهبية، وتعريض الدولة نفسها الى الانحطاط والسقوط والأزمات الكيانية والحروب الأهلية.

لقد انفكت الدولة اللبنانية من إرثها التنويري، السياسي والوطني والقومي، لترسي قطيعة شبه كاملة مع مفاهيم ومبادئ وقيم التنويريين اللبنانيين الذين دأبوا منذ أواسط القرن التاسع عشر على طرح أفكار المساواة المواطنية والمدنية، والعدل السياسي والطبقي. الأمر الذي أسس لمحنتنا الراهنة وارتدادنا الى عصر الانحطاط والاستجارة من جديد بنظام الملل العثماني للاتفاق على قانون للانتخابات، فيما الديموقراطية المعاصرة تخطط لرؤية جديدة للعلاقة بين المواطن والسلطة تتجاوز ثورياً كل الأنماط المعهودة.
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر