الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
السبت 21 تمور 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2010-11-09الكاتب:حازم صاغيةالمصدر:جريدة الحياة « السابق التالي »
 محفل القتل وموت الحساسيّة
 
عدد المشاهدة: 821

لم يعد من المجدي الاختباء وراء الإصبع. فالعالم الإسلاميّ اليوم يغرق كلّه في دم أبنائه. من الباكستان إلى الصومال، ومن أفغانستان إلى العراق فاليمن، يتكرّر المشهد الكارثيّ: حيث يحتكّ مسلم سنّيّ بمسلم شيعيّ، وحيث يحتكّ مسلم بغير مسلم، وحيث يحتكّ عربيّ بغير عربيّ، هناك بقعة دم كبيرة أو صغيرة، قائمة أو موعودة، كما الحال في لبنان أو في مصر.
واستسهال العنف والقتل والتفجير والانتحار يكاد يكون السمة الوحيدة الموحّدة لهذه الرقعة التي لم يعد يوجد ما يربط بين أجزائها سوى تلك السمة. فهذه الأخيرة، اليوم، وفي الممارسة العمليّة، أفعل بلا قياس من الإسلام والعروبة وفلسطين وكراهية الأجانب أو المحتلّين.
إنّ «القضايا المشتركة» تتقلّص إلى تعبير كاذب تطرب له المؤتمرات الإقليميّة والقمم الروحيّة وسواها. لكنّ الواقع المرير يقول إنّ المطروح علينا هو إعلان موت هذا «الاشتراك»، تمهيداً للإقرار بالفوارق الفعليّة، ومن ثمّ لتنظيمها وتنظيم التعاطي السلميّ معها.
فالطرد والنبذ السائدان والدمويّان يتغذّيان على انعدام كلّ فضاء سياسيّ، وعلى عدم التوصّل إلى بناء مجتمعات سياسيّة تتمتّع بشرعيّة زمنيّة وتكون ذات معايير سلميّة في تداول السلطة. لكنّهما يتغذّيان أيضاً على أكاذيب «الاشتراك» في «القضايا»، ممّا باتت تقتصر وظيفته على إعدام بناء المجتمعات السياسيّة والوطنيّة... وهكذا دواليك نمضي نزولاً.
ولئن كنّا مطالبين، مطالع القرن الماضي، بالإجابة عن سؤال شكيب إرسلان: «لماذا تأخّر المسلمون ولماذا تقدّم غيرهم؟»، فالسؤال اليوم غدا أكثر حدّة وأشدّ تفصيليّة على صعيد البلدان واحداً واحداً: فلماذا، مثلاً لا حصراً، تتقدّم الهند فيما يذهب التأخّر بالباكستان إلى تخوم الموت؟
«القاعدة» ربّما كانت المثال الأبلغ على تعفّن «القضايا» وتعفّن «الاشتراك» فيها: بدأت لمواجهة الوجود العسكريّ الأميركيّ في أجزاء من العالم الإسلاميّ، وعرّجت على فلسطين والشيشان والبوسنة وغيرها، وامتدّت مداخلاتها «الفكريّة» كما العمليّة إلى أقصى أطراف العالم. راكمت من «القضايا المشتركة» ما لا يُحصى له عدد، وانتهت عمليّاً مؤسّسة للجريمة والتفتيت الداخليّين.
«القاعدة» خلاصة عفن «القضايا» بقدر ما هي أداة لزيادة تعفينها.
مع هذا يستمرّ الانتشاء بـ «القضايا المشتركة» على نحو لا يفعل إلاّ إضعاف التركيز على الموضوع الفعليّ (كيف ننتقل إلى زمن الدول والمواطنة والمواطنين؟)، ومن ثمّ إضعاف الحساسيّة حيال القتل المستشري. ولأنّ «القضايا» المزعومة لا تصاغ إلاّ بلغة القتل والقتال (والجهاد والمقاومة، والمرابطة، والتصدّي، والصمود، والشهادة...)، يكاد العالم الإسلاميّ، من بين سائر عوالم المعمورة، يتحوّل مسرحاً ضخماً لجريمة متواصلة.
وفقدان حساسيّتنا حيال استسهال القتل، وهو أمّ المسائل، أخطر من الاستسهال نفسه. فهو يشير إلى أنّ هذا «العارض» قد لا يكون عارضاً، وإلى أنّه مفتوح على أفق مديد وعريض. فهل استطاعت هذه الجريمة المتنقّلة، التي يُنزلها أيٌّ كان بأيّ كان، أن تطلق تظاهرة استنكار «مليونيّة» واحدة في أيّ من المدن الإسلاميّة؟ هل استطاعت أن تحضّ أصواتاً مسموعة ومؤثّرة على ضرورة المراجعات الراديكاليّة لـ «الثوابت»، السياسيّ منها والدينيّ، التي تنتج تلك الظاهرات؟
لقد وفّرت لنا أميركا وإسرائيل والاستشراق والتنميط الإجابات المطمئنة، وها نحن نرخي ظهورنا على هذه الإجابات ونتوزّع ما بين قتلة ومقتولين ومتفرّجين على القتل.

 

تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر