الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الأحد 22 نيسان 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2010-10-31الكاتب:حازم صاغيةالمصدر:جريدة المستقبل اللبنانية « السابق التالي »
 عناوين سريعة في ما خصّ العنف
 
عدد المشاهدة: 787
[1
واحد من معايير السياسة الأخلاقيّة، إن لم يكن معيارها الأهمّ، الموقف من العنف. وهذا، لشديد الأسف، ما لا يستوقف أحزابنا السياسيّة، كما لا يسائل الأفكار الرائجة في تجاربنا المعاصرة.
أغلب الظنّ أنّ العكس هو السائد حيث التباهي بالعنف والقوّة سمة مشتركة بين عديد الأحزاب والتيّارات المعروفة لدينا. وما لا تقوله اللغة السياسيّة صراحة يقوله الشعر الملتحق بالسياسة والمحامي عنها.
الشاعر البعثيّ سليمان العيسى كان في غاية الفصاحة حين كتب في 1959، إبّان النزاع الشيوعيّ القوميّ في العراق:
"قسماً ستزدحم القبور غداً
وبغير قتلانا ستزدحم
قسماً سينفجر العراق على
ثأر، بعبد الناصر القسم".
قبله قال "الشاعر القرويّ" رشيد سليم خوري:
"إن ضاع حقّك لم يضع حقّان
لك في نجاد السيف حقّ ثاني".
على الضدّ من هذا نزعم أنّ السياسيّ الذي يقتل أسوأ، بلا قياس، من السياسيّ الذي يكذب أو يسرق أو يغشّ أو يخون، وهذا على رغم وجود أدب دسم في الدفاع عن العنف والقتل في السياسة، ووجود أدب لا يقلّ دسامة في هجاء الكذّاب والسرّاق والغشّاش والخائن.
[2
فريدريك إنغلز قال، في عبارة شهيرة، إنّ "العنف قاطرة التاريخ"، أي أنّ التقدّم لا يحدث إلاّ بالعنف. هذه العبارة ومثيلاتها تبرّر الموقف اللاخلاقيّ الذي كثيراً ما نلقاه في حياتنا اليوميّة: "ماذا نفعل، نحن ندين العنف، إلاّ أنّ هذا ما لا بدّ منه".
الوقاحة تذهب بالبعض أبعد: "إنّه ضريبة التقدّم".
على العكس: هذا ثمّة بدّ منه. والبرهان أنّ الشيوعيّة ذاتها، التي كان إنغلز أحد أبويها، وصلت مع نيكيتا خروتشوف الذي حاول أن يؤنسنها قليلاً، إلى رفض العنف طريقاً إلى الاشتراكيّة. ذاك أنّ المؤتمر العشرين للحزب الشيوعيّ السوفياتيّ، الذي اشتُهر بنقده الستالينيّة وبنقضها، خالف توصية إنغلز حين دافع عن "طريق برلمانيّ إلى الاشتراكيّة".
نظريّة إنغلز تشبه عالم الغاب وتحوّل حياته "قانوناً".
[3
أندريه زاخاروف، العالم والمنشقّ السوفياتيّ الراحل، كان يستوقفه ألاّ يتطوّر الموقف من العنف في موازاة التطوّر التقنيّ لأدوات القتل المعمّم. في صوته الضميريّ كان يتبدّى تعالي الإنسان الكبير على اشتقاق العالم المعاصر من سرديّات قايين وهابيل، وعلى افتراض أنّهما لا زالا كما كانا في السرديّة القديمة، وأنّ الجديد الوحيد هو ظهور أسلحة للدمار الشامل!
[4
ما يقوله المدافعون عن العنف، استطراداً منهم على إنغلز، يفتقر إلى البرهان، أقلّه في عالمنا الحديث. ذاك أنّ كلّ ما بني على العنف تأدّى عنه واحد من اثنان: إمّا نظام استبداديّ، توتاليتاريّ أو ديكتاتوريّ، وإمّا حرب أهليّة.
لا يوجد برهان واحد مقنع بأنّ العنف الذي أسقط القياصرة الروس أو جمهوريّة فايمار أو دولة الشاه كان مبرَّراً نفعيّاً، وهذا ناهيك عن افتقاره إلى التبرير الأخلاقيّ.
الاستقرار عند كيرنسكي، بدل لينين، وعند محمّد نجيب، بدل عبد الناصر، وعند شهبور بختيار، بدل الخميني، أي عند أدنى حدود العنف، كان أفضل بلا قياس، أخلاقيّاً كما نفعيّاً.
[5
ويقول المدافعون عن العنف، كذلك، إنّ العلاقات التي يتصدّى العنف لمواجهتها هي، أيضاً، علاقات عنف. هذا ليس صحيحاً إلاّ في حالة واحدة هي الإغلاق الكامل والمُحكم للتصريف السياسيّ.
النظام البرلمانيّ القائم على حريّة التعبير والصحافة والأحزاب، وعلى تداول السلطة سلميّاً، يلغي تلك الفرضيّة كلّيّاً ويعيد الاعتبار إلى التمييز الأصليّ بين القاتل، أي حرفيّاً من يطلق الرصاص أو يزرع العبوة، وبين غير القاتل.
[6
هذا لا يعني أنّ الأنظمة الديموقراطيّة والليبراليّة لا تمارس العنف، أو أنّها محصّنة عن الانحطاط العنفيّ. لكنّ الفارق الكبير أنّ تلك الأنظمة لا تملك تبريراً لعنفها، بل هي تملك كلّ ما ينزع عنه الشرعيّة.
لهذا يكون عنف هذه الأنظمة استثناءً لن تلبث القاعدة أن تتغلّب عليه، فيما يكون عنف أنظمة الاستبداد قاعدة بلا استثناءات.
[7
ثمّ إنّ تمجيد العنف، أو في الأقلّ تبريره، يستند إلى قدريّة لا إنسيّة تسبغ على صاحب الحقّ المفترض القوّة التي ينسبها الدين إلى الله- قوّة انتزاع الحياة من عبيده بعدما منحهم إيّاها.
إنّ العنف السياسيّ هو حكم إعدام بالجملة، من خلاله يستولي صاحب الحقّ المفترض على صلاحيّات الله. وفي هذا المعنى، لا يزدهر العنف إلاّ في بلدان ظلّت ثقافتها السياسيّة قدريّة وغيبيّة: إمّا دينيّة أو دينيّة مقلوبة علمانيّاً وإلحاديّاً.
[8
وأخطر ما في العنف أنّه عشوائيّ بلا معايير. هذا ما يجعل صاحب الحقّ المفترض يطبّقه بالطريقة التي تناسبه وتناسب إدامة سيطرته أو إدامة فوضاه. فلئن آمن روبسبيير وسان جوست بأنّ الإرهاب مجرّد أداة لتعبيد طريق الانتقال إلى حكم الفضيلة، إلاّ أنّ الوقائع التي أوجداها جعلت التمسّك بالارهاب يتحوّل غاية بذاتها ولذاتها. ذاك أنّ السلوك الثوريّ، العنفيّ بالضرورة، راح يخلق أعداء أكثر من الذين يقضي عليهم. وهو محكوم بأن يكون هكذا، ليس بفعل عماه وعشوائيّة ضرباته فحسب، بل أيضاً بفعل إيديولوجيّته ذاتها، التي لا تترك مكاناً لعمل القانون: فـ"أن تحاكم كما قال سان جوست في خطابه الشهير المطالب بإعدام لويس السادس عشر هو أن تطبّق القانون، والقانون تعبير عن علاقة بالعدالة. لكنْ أيّ علاقة من هذا النوع يمكن أن توجد بين الانسانيّة والملوك؟. الملك ينبغي أن يُحاكَم لا عن جرائم إدارته، بل عن كونه ملكاً".
العشوائيّة تغدو "موضوعيّة"، والخصم يغدو "خائناً موضوعيّاً"، وصاحب الحقّ المفترض يغدو كاتب تقارير أو واشياً أو قاتلاً "يخدم التقدّم موضوعيّاً".
[9
والعنف، رغم تذرّعه الدائم بالإيديولوجيا، بهذه الإيديولوجيا أو تلك، هو إيديولوجيا ذاته. جورج سوريل، صاحب "تأمّلات في العنف"، كان مصداق ذلك في حياته كما في أفكاره: تقلّب بين الملكيّة والماركسيّة والنقابيّة والفاشيّة وتتلمذ عليه موسوليني. لكنّ "الرؤيا" كانت ما يقود خطاه في آخر المطاف، أو قل بلغته هو: "الخرافة التي تعبئ الرجال وتحرّكهم".
أنصار العنف يرفعون اضطراباتهم الشخصيّة إلى سويّة العقيدة العامّة، ويطالبون الشعب بالانصياع لاضطراباتهم وقد غدت عقيدة، ثمّ يعاقبونهم على تباطئهم في ذلك.
[10
ينبغي أن نسأل في السياسة، هذا إذا أردنا أن تكون لدينا سياسة متمدّنة لمجتمع متمدّن: من الذي يمارس العنف أقلّ ومن الذي يمارس العنف أكثر؟ من الذي يستسهل العنف ومن الذي يستصعبه؟، وأن نختار، بعد ذلك، في أيّ صفّ نقف.
تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر