الصفحة الرئيسية |
متابعات لبنان
|
مقالات
|
قضايا
|
ثقافة و مجتمع
|
وثائق
|
شارك برأيك
الخميس 22 شباط 2018
مقالات سياسية تحليل سياسي نون دال 
هذا الموقع اتصل بنا كتّاب في الموقع النشرة بحث متقدم
 تاريخ في:2008-12-18الكاتب:حازم صاغيةالمصدر: « السابق التالي »
 الحذاء عنوان المرحلة
 
عدد المشاهدة: 525

حين أرسل منتصر الزيدي فردتي حذائه بدا الأمر مضحكاً، ولربّما دغدغ عواطف جريحة في العراق وخارجه. بعد ذاك، حين كرّت ردود الفعل، بات مثيراً للأسى والتفجّع على شعوب و «نُخب» يستولي عليها عُصاب جماعيّ متمكّن.
أمام «الحدث»، تذكّر المعلّقون الغربيّون ذاك العراقيّ الذي انهال بحذائه على تمثال صدّام المتداعي. كان هذا فارقاً هائلاً بين عهدين واستخدامين للحذاء: مع صدّام، لا يُستخدَم إلاّ لضرب تمثال لديكتاتور تمّ إسقاطه وتوارى عن الأنظار. ومع بوش، يُضرَب بوش نفسه. فإذا تذكّرنا أن صدّام حكّم أحذيته الكثيرة بالعراقيّين، طوال ثلث قرن، وأن بوش، لا العراقيّين، هو الذي أزاحه، كان هذا حريّاً به أن يجعلنا نخجل من أنفسنا.
ما هكذا قُرئ «الحدث» عربيّاً: عندنا، انقسم التاريخ إلى ما قبل الحذاء وما بعده. المحامون وقفوا صفوفاً للدفاع عن الزيدي. الصحف، بالخطّ العريض، بايعته بطلاً وطنيّاً. التلفزيونات كرّسته نجماً يعد بخلاص. وسامٌ رفيع ينتظر التعليق على صدره. ثمن الحذاء ارتفع إلى عشرة ملايين دولار، وقد يرتفع أكثر. «الجماهير» تتظاهر في العراق وربّما في بلدان أخرى، وفي مقدّمها التنظيم الذي سبق له أن خطف الزيدي. الآن، هو «معيد الكرامة للعرب» و «داخل التاريخ ومُدخلنا معه من أعرض الأبواب». صار هناك «يوم الحذاء» يتصدّر «أيّام العرب». أحزاب ورجال دين وكتّاب وصحافيّون يتدافعون لمديحه والتفنّن في تأويل ضربة حذائه. هوغو شافيز يلاقينا، من فنزويلا، في منتصف الطريق.
الحذاء، إذاً، عنوان المرحلة، ولكلّ مرحلة عنوانها: حين تمرّد بعض الأعيان في مواجهة الانتدابات، كان السيف العنوان. وحين نالت بلداننا استقلالها بات العَلم. وحين أنشئت الإدارات والمدارس، حلّ القلم محلّ العَلم. وعندما ظهر الكفاح المسلّح في الجزائر ثم فلسطين، صار الرشّاش. اليوم، في ظلّ هذه المقاومات والممانعات الرثّة، العنوان هو: الحذاء. ومن يدخل التاريخ بحذاء فبالأحذية يخرج منه.
أمّا كون الرجل صحافيّاً «يغطّي» بالحذاء فلم يستوقف الهائجين إلاّ بقدر ما استوقفهم أطبّاء عرب في بريطانيا كانوا يمارسون الإرهاب والقتل، ومحامون أردنيّون اكتشفوا في صدّام حسين وعياً حقوقيّاً رفيعاً. فنحن لسنا مجتمع مهن ولا نريد أن نكون كذلك. نريد فقط أن نكون ضاربي أحذية ولو انتهى بنا الأمر، كما انتهى بالزيدي، بين الأحذية. لم يستوقفنا أنه فيما كان الأخير ينفّذ «فعله التاريخيّ»، كان القضاء الأميركيّ يقبل عشرات الدعاوى ضدّ دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع السابق ورجل الحرب العراقيّة الأوّل. لم يستوقفنا أن ضربة الحذاء لا تستر «عار» العراق كمجتمع منقسم متحارب في ما بينه، وأنه كلّما علا صوت التهليل للحذاء كان العراق أشدّ انقساماً واحتراباً... وهذا مسؤول، قبل الاحتلال، عمّا آلت إليه بلاد الرافدين. لم يستوقفنا أن هذا الهياج سبق أن رأيناه وسمعناه في مناسبات لا تُحصى كنّا بعدها نقول إن تاريخاً انتهى وتاريخاً بدأ. لم يستوقفنا أن جورج بوش وقّع الاتّفاقيّة التي جاء ليوقّعها، والتي يصفها خصومه بأنها كارثة على العراق. لقد وقّع واستغرب حجم قدم الزيدي ومضى في طريقه إلى أفغانستان. حسناً تعادلنا إذاً: أخذ الاتّفاقيّة وأخذنا ضربة الحذاء التي أخطأت هدفها!
أيقال، بعد هذا، إن عقولاً كعقولنا، وشعوباً كشعوبنا، لا يليق بها إلاّ صدّام حسين؟

تعليقات القراء
عدد الردود: 0


اضف تعليقك



اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر